يتّجه رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلَّف، بنيامين نتنياهو، إلى رضوخ شبه كامل لمطالب الأحزاب الدينية واليمينية الحليفة له، الأمر الذي من شأنه استيلاد حكومة هي مِن أكثر حكومات الكيان تطرّفاً ويمينية. على أن التشكيل سيكون أسهل ما في مهمّة نتنياهو، قياساً إلى ما سيَعقب نجاحه في التأليف من سجالات وخلافات وتهديدات للأمن والسياسة في إسرائيل. ولا تقتصر هذه التهديدات على قضايا التسوية السياسية والأرض والاستيطان والعنصرية في مواجهة الآخر غير اليهودي، بل تمتدّ أيضاً إلى العلاقات اليهودية - اليهودية في الداخل والخارج - وهو ما من شأنه تعميق الانقسامات بين الإسرائيليين -، فضلاً عن العلاقة مع الولايات المتحدة ويهودها و«المجتمع الدولي»، وكذلك الحالة الأمنية في الأراضي المحتلّة، والتي يُحتمل أن تتدهور إلى مواجهات أمنية أو عسكرية مع قطاع غزة أو داخل الضفة الغربية.

على هذه الخلفية، يسعى نتنياهو، من الآن، إلى الحدّ من التحدّيات التي ستُواجهها حكومته، عبر إبعاد شركائه عن الوزارات الوازنة، إلّا أن هامش المناورة لديه يبدو مقلَّصاً جدّاً، وهو ما يدركه شركاؤه الفاشيون، ويدفعهم إلى المبالغة في مطالبهم وشروطهم الائتلافية، بما لا يُبقي لديه إلّا خيار الرضوخ، خصوصاً أنه من دونهم لن يتمكّن من التأليف، الأمر الذي يعني خسارة فرصة ذهبية سنحت له، ومن المحتمَل ألّا تتكرّر، لتجاوُز محاكماته المرتقبة على خلفيّة اتّهامه بالفساد. وفي هذا المجال، تَبرز مطالَبة رئيس حزب «الصهيونية الدينية»، بتسلئيل سموتريتش، بإلغاء الإدارة المدنية في الضفة، ما يعني أن توفير الخدمات للمستوطنات سيكون عبر الوزارات المعنيّة مباشرة، تمهيداً لضمّ الضفة بكاملها إلى إسرائيل. كذلك، يطالب سموتريتش بأن تلغَى موافقة وزير الأمن على البناء الاستيطاني، بما يزيح أو يحدّ بشكل كبير من «فيتو» المؤسّسة الأمنية على جزء من الاستيطان، ويكون كفيلاً بجرّ إسرائيل إلى تعقيدات في علاقاتها الخارجية وفقاً لتقديرات أمنية، وتحديداً مع الولايات المتحدة. أيضاً، يتطلّع رئيس «الصهيونية الدينية» إلى تفكيك السلطة الفلسطينية التي يرى فيها مصدر إلهام لـ«الإرهاب الفلسطيني»، و«لزوم ما لا يَلزم»، معتبراً أنه بالإمكان التعويض عن وجودها عبر تقسيم الضفة إلى كيانات حُكم ذاتي فلسطينية متعدّدة، وهو ما ترفضه المؤسّسة الأمنية، وترى فيه إثارة لتهديدات كامنة. ووفقاً لمصدر أمني إسرائيلي رفيع (القناة السابعة العبرية)، فإن «تعيين سموتريتش في منصب وزير الأمن يمكن أن يؤدّي إلى تصعيدٍ خطير، بل وإلى تفكّك السلطة الفلسطينية». وفي الاتّجاه نفسه، حذّر مصدر أمني آخر من إمكانية أن يقوّض تعيينه في هذا المنصب «التوازنات الدقيقة» في الضفة، وأن «يقوّض العلاقات مع دول المنطقة»، في إشارة إلى الجانب الأردني الذي يُعدّ دوره متقدّماً جدّاً في العوامل المؤثّرة على الأمن الإسرائيلي. وممّا يزيد الموقف تعقيداً، أن حاخامات «الصهيونية الدينية»، وفي محاولة منهم لتصعيب المهمّة على نتنياهو في حال أراد تعويض سموتريتش بوزارة أو وزارات أخرى، دعوا الأخير، في الرسالة التي وزّعوها في ختام لقائهم به، إلى «الوقوف بشكل لا لبس فيه ولا هوادة، وراء مطلب وزارة الأمن من أجل تعزيز أمن دولة إسرائيل، وتقوية روح الجيش الإسرائيلي، لمنع إقامة دولة فلسطينية وتنظيم الاستيطان في يهودا والسامرة»، في إشارة إلى الضفة.

في حال تلبية مطالب الشركاء المتطرّفين، لا تبْقى لدى نتنياهو حقائب ذات أهمّية ليوزّعها على «البيت الداخلي»


من جهته، يريد شريك سموتريتش، رئيس حزب «القوة اليهودية»، إيتمار بن غفير، التركيز على أراضي عام 1948، في محاولة منه لتعزيز «الدولة اليهودية» في مواجهة «أعدائها من الداخل»، من الفلسطينيين حمَلة الجنسية الإسرائيلية. وإذ تنسحب مسؤولية مؤسّسة الشرطة على الداخل المحتلّ، حيث من بين صلاحياتها مواجهة الفلسطينيين، فإن بن غفير يريد تغيير قواعد الاشتباك والإجراءات المتّبَعة ضدّ هؤلاء حصراً، بما يتيح لأفراد الشرطة تجاوُز الإجراءات والقوانين وإطلاق النار (بهدف القتل) على كلّ ما يشوّش على الأمن الإسرائيلي (مِن مِثل إلقاء حجر في اتّجاه موقع إسرائيلي عسكري أو غير عسكري، مع أو من دون التسبّب بتهديد)، من دون أيّ اهتمام بصورة إسرائيل التي قيّدت سابقاً أفعال الشرطة وردّات فعلها ضدّ العرب، كي لا تَظهر بالصورة العنصرية التي هي عليها أمام الرأي العام الدولي. ومن شأن هذه التغييرات، في حالة إنفاذها، تعميق التمييز والعنصرية الممارَسَين ضدّ فلسطينيي عام 48 المصنَّفين مُواطني درجة ثالثة، وقوننتهما، وجعلهما أكثر شمولية، في النص وفي الممارسة. كذلك، يطالب بن غفير، ومعه سموتريتش، بتغيير «قانون العودة» الذي يسمح لليهود بالقدوم إلى إسرائيل والاستحصال الفوري على الجنسية الإسرائيلية. وفي خطوة أولى على طريق هذا التغيير، يريدان أن يلغيا «بند الجدّ» الذي يتيح للحفيد، إنْ كان أحد أجداده المباشرين يهودياً، «العودة» إلى إسرائيل، حتى وإنْ كان هو غير يهودي، الأمر الذي يمثّل «مصفاة» جديدة بالنسبة إلى عدد كبير من غير اليهود، الذين يستغلّون هذا البند ليهاجروا إلى إسرائيل، ما يتسبّب، من وُجهة نظر «الصهيونية الدينية»، بـ«تلوّث» يهوديّتها. وينضمّ المطلب المذكور، الذي تَرفع لواءه أيضاً الأحزاب «الحريدية»، إلى آخر مرتبط بالأغلبية اليهودية في الخارج، وهو التضييق على اليهود الإصلاحيين والمحافظين - الذين يمثّلون الأكثرية الساحقة من اليهود في شمال أميركا -، عبر التمييز بينهم وبين اليهود الأرثوذكس - الذين يُعدّون الغالبية في إسرائيل -.
من جانبه، يرغب رئيس حزب «شاس»، آرييه درعي، أحد جناحَي الكتلة «الحريدية»، في تولّي وزارة المالية، التي تُعدّ من جانبه، ومن جانب الأحزاب الدينية عامّة، «البقرة الحلوب» التي تمدّ تلك الأحزاب بالمال والعطاءات، وتتيح إعادة إنعاش مؤسّساتها على اختلافها. كما أن وجوداً «حريدياً» على رأس الخزانة الإسرائيلية من شأنه تسريع إلغاء الإصلاحات التي أقرّها مَن سبقه في المنصب، عدوّ «الحريديم» اللدود، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، والتي ساوت بين اليهود، ومَنعت منْح «الحريديم» عطاءات مالية بلا مقابل، الأمر الذي قَطع عنهم شرايين الحياة الاقتصادية، المعتمِدة على الخزينة العامة. كذلك، يطالب شركاء نتنياهو بتولّي مناصب وزارية أخرى معتدٍّ بها، مِن مِثل الإسكان والرفاه والمواصلات والقضاء، علماً أن الاستيلاء على الأخيرة يتيح لهم تقليص صلاحيات «المحكمة العليا» المسؤولة عن منْع سنّ قوانين عنصرية أو تمييزية، ليس في ما يتعلّق بالفلسطينيين فقط، بل ربطاً باليهود أنفسهم أيضاً، كما هو حال التجنيد في الجيش، والذي يطالب «الحريديم» بإعفائهم منه. ويُضاف إلى ما تَقدّم، أن «الصهيونية الدينية» والأحزاب «الحريدية» تطالِب بما يطلَق عليه اصطلاحاً «قانون التغلّب»، والذي يعني تغلُّب القوانين التي تُسنّ في «الكنيست» على أيّ اجتهاد يَصدر عن المحكمة العليا، بما يتيح للجهات المتطرّفة سَنّ ما تشاء من قوانين، بلا تبعات لاحقة أو تهديد بإبطال من جانب المحكمة. والجدير ذكره، هنا، أن هذا القانون لا يستهدف تعزيز العنصرية ضدّ الفلسطينيين فحسب، بل وتعميق اللامساواة بين اليهود أنفسهم، لفائدة المتديّنين وإيديولوجيتهم، وأيضاً في وجه يهود الخارج.
في مقابل كلّ ذلك، يَمثل أمام نتنياهو تحدّي مطالب حزبه والشخصيات الوازنة فيه؛ إذ في حال تلبية مطالب الشركاء المتطرّفين، لا تبْقى لديه حقائب ذات أهمّية ليوزّعها على «البيت الداخلي»، وهو ما يثير حفيظة الصفّ الأول في «الليكود»، الذي تَقدر بعض وجوهه على إيلام نتنياهو سياسياً، عبر معارضته في «الكنيست». زِدْ على ما تَقدّم أن لدى الرئيس المكلَّف مطلباً خاصاً به، وهو أن يعوّضه الشركاء عمّا تنازَل لهم عنه، عبر موافقتهم على إلغاء المحاكمة التي تنتظره، لكنّ المشكلة أن من بين رجالات حزبه مَن لديه سطوة وحضور، يستطيع من خلالهما منْع سنّ قوانين تُبعد شبح المحاكمة عن نتنياهو، ما لم يتولّ هو مناصب وزارية وازنة.
في المحصّلة، الأرجح أن يتمكّن نتنياهو من تشكيل الحكومة؛ إذ لديه وكتلته عدد كافٍ من المقاعد في «الكنيست» لتأمين الثقة. والأرجح أيضاً أن يلبّي معظم مطالب شركائه المتطرّفين، بعد أن يَعمل على تليينها أو الحدّ منها، ليبصر الائتلاف الجديد النور حلال أسبوع أو اثنَين. على أن التحدّي الأكبر سيكون ماثلاً مباشرة في اليوم التالي لولادة الحكومة، حيث ستَظهر معالم أزمات أمنية ومالية واقتصادية واجتماعية، فيما سيمثّل موقف شخصيات «الليكود» الوازنة غير الراضية عن «توزيع الغنيمة»، «وجع رأس» إضافياً لنتنياهو.



رجال المفارقات


تَبرز، في خضمّ مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، مفارقات لافتة، من بينها مثلاً أن بن غفير محكوم عليه بتُهم إجرامية ضدّ الفلسطينيين، وهو الآن يريد تولّي وزارة الأمن الداخلي، المسؤولة عن الشرطة الإسرائيلية. أما سموتريتش، الذي يطمح إلى تسلّم وزارة الأمن، فهو لم يخدم في الجيش الإسرائيلي، ولا يدرك من المؤسّسة العسكرية سوى أنها أداة لتحقيق إيديولوجيته الفاشية. وبالنسبة إلى درعي، الذي يتطلّع إلى وزارة المالية، فقد حُكم عليه مرّتَين بتهم فساد مالي.