التقى مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عبد الله عبد الله في دار الفتوى منذ اسبوعين. وضع الاثنان اللمسات الأخيرة على المصالحة بين المفتي وأعضاء الوفد الفلسطيني الذين كان قد قال لهم المفتي يومها، «لا نريدكم ضيوفاً». خلال لقائه مع عبد الله، حرص المفتي على توضيح المقصود من كلامه وكيف حُوّر. تروي مصادر دار الفتوى أنّ «المفتي لم يكن يعلم هدف الزيارة، اذ كان يتوقع أن تُطلب منه خدمات متعلقة باللاجئين، كما درجت العادة عند زيارة الوفود الفلسطينية له». تشير المصادر إلى أنّ أحدهم قال، بمجرد دخول الوفد الفلسطيني، «هلق (أمين) الداعوق بولّعها برّا». طريقة الحديث عن الضيوف أثارت حفيظة المفتي.

في الداخل، تتابع دار الفتوى، «لم يسمح المفتي للوفد بالكلام ولم يعرف أنهم أتوا للحديث عن إعادة إعمار ما كان قد تهدم في أرض الداعوق خلال حرب المخيمات».
وما استفز الرجل، بحسب المصادر، هو ما «نقل إليه عن عمليات إعمار على أرض الداعوق وبيع الشقق بـ40 ألف دولار و60 ألفاً، ما أثار حساسية المفتي لجهة المتاجرة والاستفادة من أراض تابعة للوقف».
هذان السببان شنّجا أجواء اللقاء قبل انطلاقته. ولم يكد الوفد الفلسطيني يشرع في الحديث حتى رفض المفتي أن يستمع اليه، على خلفية أنّه «لا يريد ان يكون طرفاً في النزاع»، مطالباً إياه بمراجعة جمعية المقاصد الموكل إليها التصرف بأرض الوقف والموضوع الذي أتوا لأجله.
تقول مصادر دار الفتوى، إنّ الوفد لم يقل شيئاً خارج أصول اللياقة وتنقل عن قباني أنّه أقر بالفعل ببعض تلك العبارات التي قالها للوفد. تعترف المصادر بأن قباني أكد لأعضاء الوفد أنّ «قضيتكم خاسرة» عندما عرف أنهم يستفيدون من أموال الوقف مبرراً ذلك بالآية القرآنية: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً/ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً».
تضيف المصادر أنّ المفتي رأى أنّ «تصرفات البعض في تجمع الداعوق لا تنطبق على مواصفات من قال الله عنهم إنّهم عباد له، لذلك حسم الرجل أنّ قضيتهم لن تنتصر ما داموا يتصرفون بهذه الطريقة». أما بالنسبة إلى قوله «لا نريدكم ضيوفاً»، فتؤكد المصادر أنّ المفتي «لم يقصد بهذه العبارة انه لا يريد الفلسطينيين ضيوفاً في لبنان أو في ارض الداعوق، بل ما قصده أنّ بعض من في الداعوق لم يتصرفوا بأخلاق الضيوف وهؤلاء هم من لا يريدهم». التفسيرات الدينية لما قاله المفتي لا تقتصر عند هذا الحد فقط، بل إن ما نقل عنه عن هدم جوامع في تجمع الداعوق اذا وجدت، له فتوى شرعية ايضاً، «لأنّه إذا أقيم مسجد على أرض الداعوق فإنه عند تحرير فلسطين وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم فإن أرض الجامع ستصبح وقفاً ولا يمكن التصرف بها»، على الرغم من أنّ الأرض كلها وقف كتربة اسلامية.
من جهتها، تلفت مصادر دار الفتوى إلى أنّ المفتي «أنكر أمام من التقاهم أنّه كان قد قال كلمة زبالة للوفد».
وتنفي المصادر أن يكون الاعتذار من رئيس مجلس النواب نبيه بري بسبب حرب المخيمات، كما أشيع، بل بسبب الاشكال الذي كان قد وقع بين بري والمفتي بعد اتصال الأخير، مطالباً بهدم ثلاثة محال شيّدت على مدخل أرض تابعة للوقف في منطقة الأوزاعي، و«لأن المفتي رجل مع الحق فلا يمكنه أن يسمح بمخالفات بناء في مكان ويرفض ذلك في مكان آخر، لذلك رفع سماعة الهاتف للاتصال ببري أمام الوفد الفلسطيني، وبالفعل قام أحد اعضاء الوفد بإمساك يده من أجل عدم الاتصال».
وكان المفتي قد وضع السفير عبد الله عبد الله في أجواء كل هذه التفسيرات خلال اجتماعهما الأخير. الاجتماع لم يكن للمصالحة فقط، بل تضمّن أيضاً افكاراً من أجل تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين. ويقول بعض من شارك في هذا اللقاء إنّ المفتي طرح «حلاً دينياً من أجل السماح للفلسطينيين بالتملك، إذ يمكن اللاجئ أن يشتري منزلاً ثم يذهب إلى الدوائر العقارية ويسجّله وقفاً، ما يسمح له بالتصرف به والاستفادة منه، وذلك لكونه لا يستطيع أن يسجّله باسمه».
وعندما استوضح المفتي من عبد الله ما كان يريده الفلسطينيون وافق، بحسب المصادر، على إعادة اعمار ما تهدم خلال حرب المخيمات. واذا كان الفلسطينيون لا يملكون صوراً عن تلك المنازل فبإمكانه أن يتولى شخصياً الطلب من استخبارات الجيش أن تزوده بصور جوية من أجل اعادة الإعمار.
لكن ماذا عن الكثافة السكانية المتزايدة في المخيمات والتجمعات؟ هل سماحته مع البناء فوق الأبنية القائمة؟ تجيب مصادر دار الفتوى: «لا يمانع المفتي قباني بأن يبني الفلسطينيون ولو عشر طبقات فوق منازلهم، حتى إنه ذهب اكثر من ذلك ليقول إنّه سيقف في وجه القوى الأمنية بنفسه لو قامت بمنعهم، لكن أرض الداعوق تابعة للمقاصد وعلى الفلسطينيين التنسيق مع الجمعية في هذا الموضوع، ولوكانت الارض كان ملكاً لدار الفتوى لسمح المفتي لهم بذلك».




بعد المصالحة بين مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني والوفد الفلسطيني، شكّل الطرفان لجنة من المهندسين ضمّت منظمة التحرير، جمعية المقاصد ودار العجزة، بالاتفاق مع رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة للنظر في ما إذا كان هناك تعدّ على سور الدار. وفد المقاصد بدأ بتسجيل أسماء القاطنين في الداعوق بخلاف ما هو متفق عليه، فتوجس الفلسطينيون من عملية التسجيل وأوقفوها. يذكر أنّه سيرفع إلى السنيورة تقرير يوضح ما إذا كان قد وقع التعدي على سور دار العجزة أو لا.