جان عزيز

على سيرة الاستقلال والطائف والمحكمة الدولية والاغتيالات ومَن استفاد ومَن استثمر... تبدو العودة ضرورية إلى رينيه معوض.
فالرئيس الأول للجمهورية الثانية، يمضي اليوم أعوام «تغييبه» التسعة عشر، من دون التدقيق في الجوانب السود من جريمة اغتياله، أمنياً وسياسياً.
في السياسة، ثمّة حدثان بارزان، وخطران يظلّلان حقبة ما سبق الجريمة. الحدث الأول ذاك التصريح العلني والإعلامي الشهير، للسفير الأميركي في لبنان آنذاك، جون مكارثي، ومن أمام دارة الرئيس المنتخب في زغرتا، سائلاً لماذا لم يتحرك سمير جعجع بعد، ضد ميشال عون. والتصريح نفسه، كان قد سبقه اتصال بالمضمون ذاته، من زغرتا إلى الكرنتينا. من دون جدوى. أسباب كثيرة أسقطت يومها الهدف المعلن، لكن أبرزها ربما، أن معوّض لم يكن مؤيداً لخطوة الاجتياح، وكان فريقه معارضاً بشدّة للفكرة. بعد اغتياله، جاء إلياس الهراوي رئيساً. وفي المساء التالي لانتخابه، جلس في ثكنة أبلح يستمع إلى الأخبار عبر ترانزستور صغير، وإلى جانبه إدمون رزق. فوجئ الأخير بعنوان النشرة الإخبارية: «الهراوي يهدّد باجتياح مناطق عون». لم يصدّق. اعتبر الأمر تسريبة «عدوّة» لإحراق العهد. قبل أن يصدّق الهراوي الخبر، ويؤكد صحته، لتثبته الوقائع بعد أحد عشر شهراً، تخللتها حرب التدمير الذاتي في «الشرقية».
أما الحدث الثاني الذي ظلّل تلك الحقبة، فكان يوم وصل جورج سعادة إلى دارة الرئيس المنتخب. كان عبد الحليم خدام قد غادرها للتوّ. وكان معوض متجهّماً مستاءً. سأله رئيس حزب الكتائب عن الأسباب، فردّ الرئيس بأسى: «هل تصدّق ما جاء يطلبه خدام؟ أن أُعيّن ميشال المر وزيراً في حكومتي الأولى... تصوَّر! هل تصدّق؟».
بعد اغتيال معوض، لم يعد أبو جمال في حاجة إلى الطلب، وصار المر وزيراً ثابتاً في عهدين ممدّدين، مع تمديد ثالث...
على ضوء هذين الحدثين يروي بعض عرّابي اتفاق الطائف قراءة كاملة، للصراع الذي كان قائماً في تلك الفترة، داخل لبنان، وداخل سوريا، وداخل السعودية، كما في الدوائر العربية والغربية المعنية، بين تركيبتين واتجاهين: اتجاه اتفاق الطائف وتركيبته من جهة، واتجاه «الاتفاق الثلاثي» وتركيبته المنتظرة لحظة الثأر، منذ إسقاطه في 15 كانون الثاني 1986، من جهة أخرى. يتحفّظ العرّابون عن إجراء المسح الشامل، لأشخاص التركيبتين. لكن النماذج الأكثر سطوعاً تبدو كافية لقياس الباقي. رينيه معوض كان من الطائف. عبد الحليم خدام كان من التركيبة الأخرى. كمال أدهم، مسؤول المخابرات السعودية يومها، كان من الطائف. آخرون، كانوا من الاتجاه الآخر، أبرزهم رفيق الحريري، صاحب الطموح الأقصى في أن يكون رئيساً لمجلس الإنماء والإعمار في دولة رينيه معوض، كما أسرَّ يومها لأحد الزملاء...
في 5 تشرين الثاني 1989، انتصرت تركيبة الطائف من بيروت إلى الرياض مروراً بدمشق. فانتخب معوض. في 24 تشرين الثاني 1989 انتصرت تركيبة الاتفاق الثلاثي في العواصم الثلاث، فانتخب الياس الهراوي. بين التاريخين تكثر الوقائع المريبة، التي تهجس ذاكرات العرّابين:
في اليوم التالي للاغتيال، دعا حسين الحسيني نواة الحركة الرئاسية يومها. تشاور سريع، رفض نائب عاليه. لكنه عاد فاقتنع. وأبلغ زملاءه موافقته. تحرّك الحسيني ليلاً إلى دمشق، فيما تحركت ماكينة «الثلاثي» لمصلحة نائب زحلة. وتحركت طائرة حريرية على خط باريس ـــــ الشام، حاملة مرشحاً ثالثاً: جان عبيد.
في الثالثة صباحاً اتصل الحسيني من دمشق معلناً البشرى: وافق حافظ الأسد على بيار حلو. انتشر الخبر. في الخامسة صباحاً انسحب الأخير، بعد سلسلة «اتصالات» شملت عائلته في الوطن والمهجر، بين الاثنين، قيل إن جان عبيد زكّى سليمان فرنجية الجد. كانت اللعبة قد انتهت...
يجزم العرّابون بأن كل التحليلات حول مَن أفاد من جريمة وكيف خلصت تداعياتها، لا يمكن أن تكون أي قرينة لاتهام. لكن «التاريخ لا يلغى بقرار» تقول لافتات ذكرى معوض، كما لا يلغى بحرمة الصمت...