في اللحظة التي يغرق فيها لبنان بمناقشة الموازنة والتهديدات الاجتماعية المتلاحقة والإضرابات، ومراقبة تطورات المسار الأميركي الإيراني، أتى لافتاً توقيت طرح الرئيس نبيه بري لقانون الانتخاب في لبنان على أساس دائرة واحدة مع النسبية، وبدء جولة مشاورات مع الكتل النيابية والأحزاب لمناقشته.

استحوذت خطوة بري على اهتمام سياسيين من مختلف التيارات، ومنهم من هو معنيّ بتركيبة قانون الانتخاب. ليس الاقتراح بذاته هو المفاجئ، وهو مطلب بري القديم، إنما لا يمكن عزله عن جو سياسي عام له علاقة بدور الثنائية الشيعية في المرحلة الراهنة، بحسب قارئين سياسيين لهذه الخطوة. فهذه الثنائية، بتوافق تام بين حزب الله وبري، وضعت نفسها في مقدمة الحدث السياسي، منذ انتخابات رئيس الجمهورية، وصولاً إلى قانون الانتخاب عام 2018، ومن ثم تشكيل الحكومة الحالية، وتدريجاً إلى وضع ثقلها في الملفات المالية والاقتصادية والعمالية والاجتماعية، بحيث أصبحت المحرك الأساسي للمشهد السياسي - المالي. ليس العهد هو الذي يمسك وحده زمام الوضع الداخلي، إذ تعمل ثنائية حزب الله وبري على الإمساك بمفاصل دقيقة، وقانون الانتخاب اليوم أهمها. وعرف بري كيف يستفيد من انغماس القوى السياسية بتركيبات وحرتقات داخلية، ليطرح من خارج السياق العام قانون الانتخاب، ويضع الجميع أمام تحدٍّ مبكر لخوض هذا الاستحقاق من بابه العريض. علماً أن شكل القانون هذا، كان أحد أسباب تأخر إقرار قانون 2018، وظل مطلباً لحزب الله حتى في عزّ المفاوضات مع التيار الوطني الحر، كحليف له. ولوّح الرئيس سعد الحريري أكثر من مرة باحتمال القبول به، في خطوة عدت آنذاك غير مسبوقة من جانب الحريري، ما اضطر التيار إلى التراجع عن مطالبه وأشكال القوانين التي طرحها والقبول بالنسبية في 15 دائرة.
في المقابل، يطرح معارضو بري نظريتين حول التوقيت: الأولى قائمة على أن المرحلة الإقليمية التي قد لا تصب في خدمة إيران وسوريا، تحتّم على حزب الله وبري المسارعة إلى إقرار قانون يؤمن إمساكهما بالوضع الداخلي، والثانية تتحدث عن واقع محلي بحت للتوقيت، بحيث إن بري يريد استباق الجميع إلى طرح قانون الانتخاب، استناداً إلى تجربة القانون الحالي ونتائج الانتخابات التي رأى فيها بري تراجعاً لقاعدته، ما حتّم عليه استنهاضاً سريعاً لتأمين قانون يعيد الإرث السابق لعام 2018، خصوصاً أن النسبية باتت تشكل قاعدة ضرورية لأي بحث في قانون الانتخاب العتيد، بعدما سلّم بها الجميع في القانون الحالي. لكن المشكلة تكمن في تفاصيلها العملية، وليس في عنوانها العريض فحسب.
حين أُقرّ قانون الانتخاب عام 2017، تعاملت معه القوى السياسية المسيحية على أنه أولى خشبات الخلاص من إرث المحادل والقوانين التي أنتجها الوجود السوري. توافق التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية على أن هذا القانون رغم عثرات فيه، حقق نتائج مهمة على صعيد تحقيق التوازن المسيحي الإسلامي بتأمين حصة نيابية باصوات المسيحيين.

أي بحث جدي في قانون الانتخاب بين التيار والقوات سقفه سيكون رئاسة الجمهورية المقبلة

ورغم أن القانون لم يقرّ ليكون لمرة واحدة وأخيرة، إلا أن الجميع تصرف على هذا الأساس، وما إن صدرت نتائج الانتخابات حتى سارعوا إلى الكلام عن ضرورة المباشرة بالتحضير لقانون جديد.
اليوم باغت بري هذه القوى، وبدأ مناقشاته أولاً مع حلفائه المسيحيين، وفي مقدمهم تيار المردة ونواب من جبل لبنان مقربين منه، وفي هذا التصرف غمزة واضحة. ومن المقرر أن يلتقي الوفد النيابي الذي كلفه بري القيام جولة مشاورات التيار الوطني والقوات اللبنانية. وكلا الطرفين لا يرغبان في استباق أي لقاء والكلام عن موقف الحزبين رسمياً من اقتراح بري، وهما منطلقان من انفتاح تام على أي مشاورات مطروحة للبحث في القانون. علماً أنهما متفقان على أن أي انطلاقة جدية لقانون الانتخاب يجب أن تكون من حيث انتهى القانون الحالي، أي احترام الميثاقية، وما حققه القانون الأخير، لجهة انتخاب المسيحيين نوابهم، وتصحيح التمثيل وعدالته، والأخذ بالإصلاحات. وأي قانون جديد يجب أن يخطو خطوة إلى الأمام، خصوصاً بعد المعارك والمفاوضات حول القانون واستلزمت أشهراً طويلة لإقراره، لا أن يعيد الزمن إلى الوراء.
تعيش القوات علاقة جيدة مع بري، وهذه نقطة انطلاق أساسية لها في بحث أي مشروع جديد، مع التذكير بأن القانون الماضي عرف بأنه تكريس لمفاوضات بري والقوات عبر النائب جورج عدوان. وهي منفتحة على أي قانون من شأنه أن يجسد الميثاقية وتداول السلطات إلى جانب الشراكة المسيحية الإسلامية الكاملة.
ويستند التيار الوطني إلى موقعه أيضاً في معادلة السلطة الحالية، علماً أن التيار يخوض معركته حول القانون الجديد منذ أن أقر الحالي، وهو لا يريد القفز فوق الإصلاحات، ويطالب بتحسينه وتحقيق «الشراكة المتوازنة»، ويدخل إلى الحوار مع بري بعقل منفتح واستعداد تام للحوار من دون أي عقد، على قاعدة أن أي قانون انتخابي عصري من شأنه أن يقدم لبنان خطوة إضافية نحو الدولة المدنية بمعناها الإصلاحي وعدالة التمثيل.
لم يبدأ بعد الطرفان بالتنسيق في قانون جديد للانتخابات، مع أن موقفهما معروف من اقتراح بري. فبعيداً من موقف رئيس الجمهورية ميشال عون، سبق لرئيس التيار جبران باسيل أن رفضه مراراً علانية، وكذلك فعلت القوات. وهما مضطران في نهاية المطاف إلى أن يجلسا معاً لبحث مبادرة بري وأيّ قانون مطروح، تحت سقف التنسيق المسيحي. إلا أن التحديات أمامهما في هذا المجال كبيرة وكبيرة جداً، لأن التباعد الأخير ترك ندوباً في العلاقة بينهما إثر الانتخابات وتشكيل الحكومة. وما حصل مع وفاة الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، والحملات العونية التصعيدية ضده والردود القواتية، أعاد نبش القبور بينهما، وخرق مجدداً ورقة التفاهم، وأظهر أن الأحقاد لا تزال حية لدى البعض. علماً أن أي بحث جدي في قانون الانتخاب بينهما، يختلف عن مرحلة 2017، لأن سقفه هذه المرة سيكون رئاسة الجمهورية المقبلة.