أثمر الاجتماع الذي ترأسه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مع ممثلي البرازيل والأرجنتين والباراغواي، الذي عُقد الشهر الماضي في بيونس أيريس، عن نتائج عملية تمثلت في إعلان حكومة الباراغواي اعتبار حزب الله اللبناني منظمة إرهابية وربطه بالمنظمات الإجرامية المحلية، فيما تواصلت ضغوط الرئيس البرازيلي جايير بولسنارو على حلفائه للإسراع في تبنّي هذا القرار. هذه الإجراءات أتت بعد إعلان الأرجنتين تجميدها لأرصدة الحزب واعتباره منظمة إرهابية في 18 تموز الماضي، وذلك قبل يومين من الاجتماع الرباعي المذكور في عاصمتها. وعن تفاصيل هذا الاجتماع، أكدت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» أن بومبيو حمل ملفاً واحداً إلى القاعة وعنوانه: مواجهة حزب الله في المثلث الحدودي بين الدول الثلاث بكل الطرق ومن دون أي مواربة، وأنه كان في رأس ذلك تصنيف الحزب كمنظمة إرهابية لتسهيل ملاحقة المشتبه فيهم والتضييق على الجاليات الإسلامية التي تتهمها واشنطن بدعم حركات المقاومة، لا سيما حزب الله وحركة حماس. لم يقتنع بومبيو بمطالعات الباراغواي والبرازيل التي لفتت الى أن مثل هذا الإجراء قد يضرّ بمصالحها السياسية والاقتصادية، فأنهى اللقاء بتحذير واضح مفاده: إن عدم ملاقاة بلاده في هذه الإجراءات سينعكس سلباً على العلاقات المشتركة، وهي الإشارة التي تلقّفها الأطراف المشاركون الذين لم يستطيعوا تسويق وجهة نظرهم لدى الأميركي. تلكأت الباراغواي في الفترة الأولى بعد الاجتماع على أمل أن تخفف واشنطن من حدة لهجتها وتفهم مصالح هذا البلد الفقير، الذي تمثل فيه الجاليات العربية والإسلامية الثقل الاقتصادي، وعليه فإن اتخاذ مثل هذه الإجراء قد يعطي إشارات سلبية في الداخل ويؤثر سلباً على الحركة الاقتصادية في البلاد التي ستخضع للرقابة السلبية، ما قد يثير الرعب لدى المستثمرين الذين سيتحولون إلى رهائن القوانين التعسفية. آنذاك، تسارعت في البارغواي أحداث حالت دون صمود هذا البلد اللاتيني، أهمها الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد إثر اتفاق سد «إيتايبو بيناسيونال» بين الرئيس ماريو عبدو بنيتز ونظيره البرازيلي جايير بولسنارو. هذا الاتفاق أثار جدلاً واسعاً في الباراغواي حول صفقة مشبوهة بين الطرفين تحدث عنها الإعلام المحلي، فعمّت الإضرابات في البلاد حيث أدت إلى إقالة وزير الخارجية لويس كاستليوني الذي كان في زيارة للبنان أثناء استدعائه لتقديم استقالته. تؤكد المصادر أن لجوء الباراغواي إلى تبنّي القرار الأميركي، بعد شهر من الاجتماع مع بومبيو، أتى لاستجداء المظلة الأميركية التي قد تنقذ الحكومة الحالية من وطأة الشارع وتحرك المؤسسات الدستورية لإقالة الرئيس ونائبه.
ابتزاز واشنطن يُخضع الأرجنتين ويُفرض على الباراغواي ويُحرج البرازيل


أما على الساحة البرازيلية، فيسعى بولسنارو ونجله إدواردو إلى فرض هذه الرؤية على الحكومة وأقطابها، إذ تحدثت مصادر قريبة من القصر الجمهوري عن أن سير الاتفاقات التجارية بين البلدين يتوقف على هذا الإجراء، الذي ما زال يلاقي اعتراضاً داخلياً، لا سيما من الجهات الاقتصادية التي ترى في مثل هذا القرار خوضاً في صراعات دولية لا تفيد البرازيل في شيء، بل إنها تعكس صورة سيئة عن هّذا البلد النائي بنفسه عن الصراعات الدولية المعقدة. تشير المصادر إلى أن هذا التصنيف يصطدم بشكل مباشر مع القانون البرازيلي الذي يفرض التناغم مع قرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن، وعدم تبنّي سياسات أحادية تضر بمصالح البرازيل وتبعدها عن الشرعية الدولية التي لم تلجأ إلى تصنيف أكبر الأحزاب اللبنانية منظمة إرهابية. رفض عدد من التيارات البرازيلية الانصياع للمطلب الأميركي يأخذ في الاعتبار الأضرار الاقتصادية التي قد تنجم عن هذا القرار، وأهمها الصادرات إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذه تصل إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً، وهي في نمو مستمر، كما أنه سينجم عنه تضييق وتمييز سيطالان قطاعاً كبيراً من المستثمرين اللبنانيين والعرب، وسينعكس ذلك على الحركة التجارية الداخلية، إضافة إلى خرق النظم القيمية التي تساوي بين أبناء المجتمع الواحد في الحقوق والواجبات. هكذا، ورغم هذه التحذيرات، اعتبر إدواردو بولسنارو، ابن الرئيس اليميني المتطرف الطامح إلى تسلم سفارة بلاده في واشنطن، أن «من المعيب» اعتبار حزب الله حزباً سياسياً، وأن بلاده يجب أن تلاقي حلفاءها في إدراجه على لائحة الإرهاب. تصريحات تشي بأن الحكومة اليمينية مصرّة على هذا التصنيف بصرف النظر عن تبعاته، وأنها قد تلجأ إلى إقراره في أقرب فرصة متاحة. في المحصلة، نجحت واشنطن في ابتزاز الدول اللاتينية للتماهي مع الحرب الأميركية المفروضة على ما تسميه «البيئة الحاضنة» لحزب الله في المنطقة، وهذا ما تعلنه واشنطن وحلفاؤها، لكن الذي لم يعلن عنه وما زال يُعمل عليه في الدوائر المظلمة هو الإجراءات العملية التي ستستتبع هذا القرار، وسيكون حتماً تضييقاً خانقاً على الجاليات الإسلامية واختراق خصوصياتها، كما لا يستبعد توقيف عدد من رجال الأعمال وتجميد أصولهم المالية تحت هذا العنوان المطاط. كذلك يتخوف المصدر المطّلع من إجراءات قد تتخذ ضدّ المؤسسات التربوية والدينية الإسلامية التي تتعرض للحملات الدعائية منذ مدة طويلة، مؤكداً أن الإصرار الأميركي على هذا التصنيف ليس له أي مفعول سياسي مباشر، ولا يفيد على مستوى التأثير الدولي، حيث إن حزب الله لا يملك مكاتب تمثيلية ولا شركات تجارية في المنطقة ولا يتأثر بشكل فعلي جرّاء هذه التصنيفات، الا أن الهدف الحقيقي يكمن في إيجاد مخارج قانونية لحملة تعسفية ستستهدف أكبر الجاليات وأكثرها نفوذاً اقتصادياً واجتماعياً في أميركا اللاتينية.