فاز المُرشّح المُستقّل ملحم خلف بمنصب نقيب المحامين في بيروت، أمس، فيما تمكّن مرشحان مستقلّان آخران من «العبور» إلى عضوية مجلس النقابة، ليرتفع عدد المُستقلين إلى خمسة أعضاء (من ضمنهم النقيب). هذه النتائج التي كانت حصيلة يوم انتخابي تخبّطت فيه الأحزاب التقليدية، لا يمكن فصله عن سياق الاحتجاجات المطلبية الداعية منذ شهر إلى تغيير حقيقي. وفيما سجّل فوز «مُرشح الانتفاضة» انتصاراً مهمّاً لدعاتها ومناصريها، انشغلت الأحزاب في التسابق نحو إعلانها «اللحاق» بالنقيب. في هذا الوقت، مرّت قضية تصديق 42% من المحامين المنتخبين على البيانات المالية للنقابة التي يشوبها الكثير من المغالطات، بسبب سؤال «ملغوم»، مرور الكرام.

«عسى أن تشكّل تجربة انتخاباتنا خطوةً نحو قيام الدولة التي نُريدها (..)، دولة مُؤسسات تكون حصناً منيعاً لحماية حقوق المواطنين (..)، دولة لا تخشى تداول السلطة». بهذه الكلمات، خرج ملحم خلف، المُرشّح المُستقلّ الذي «تُوّج» نقيباً للمحامين في بيروت، أمس، مُخاطباً المحامين. أراد «مُرشّح الثورة» أن يعكس، منذ اللحظات الأولى، نَفَساً نقابياً جديداً يُطمئن فيه المحامين عموماً، ومحامي «الحراك المدني» والناشطين وأنصار الاحتجاجات الشعبية خصوصاً، سعيه إلى استرداد دور أمّ النقابات التي فتكت فيها طويلاً أحزاب السلطة.
كان واضحاً أمس، وبشكل لا لبس فيه، حجم التخبط الذي يعصف بأوساط هذه الأحزاب التي لم تعتد بعد وجود قوة مستقلّة منافسة لها. بدأ الأمر مع إعلان مُرشح التيار الوطني الحرّ جورج نخلة انسحابه عشيّة الانتخابات «لعدم إدخال السياسة في النقابة»، وفق ما صرّح لـ«النهار»، الأمر الذي عرقل «نهج» الاصطفافات الحزبية المعهود، بحسب عدد من المحامين الذين قالوا لـ«الأخبار» إنّها المرة الأولى التي لا يعرفون فيها «من يدعم من»، و«من سيفوز»، معتبرين أن «أداء الأحزاب مبهم وغير واضح في هذه الانتخابات».
عند ساعات الاقتراع الأولى، كانت الاصطفافات البارزة تتمثّل أولاً بوجود لائحة للمُستقلين (نادي الحقوقيين ولجان المحامين المنخرطة في الانتفاضة الشعبية أو ما يعرف بلائحة الحراك المدني) وتضم: ملحم خلف، إبراهيم مسلّم، عزيز طربيه وناضر كاسبار. إليها، برز كل من: بيار حنا، وهو مُرشّح تحالف القوات اللبنانية ــــ تيار المُستقبل ــــ الحزب الاشتراكي، مُرشّح حركة أمل علي عبد الله، مُرشّح مستقلّ مدعوم من تيار المُستقبل سعد الدين الخطيب، مُرشّحة حزب سبعة سمر السمراني، وعدد من المُرشّحين المُستقلين الذين لم يُنسّقوا مع لائحة «الحراك». أمّا حزب الكتائب، فقد كان يدعم خيار المُرشّح طربيه.
عند إعلان نتائج الدورة الأولى للانتخابات (الانتخابات جرت لانتخاب خمسة أعضاء استثنائياً. المُرشحون لمركز نقيب والحائزون منهم أعلى الأصوات ينتقلون إلى الدورة الثانية لاختيار النقيب من بينهم)، تصدّر اللائحة خلف الذي حاز ألفين و62 صوتاً، تبعه حنا (1703 أصوات)، ومن ثم الخطيب (1699 صوتاً)، وكسبار (1681 صوتاً)، فمسلّم (1408 أصوات)، فيما فاز عزيز طربيه بموقع العضوية الرديفة (في حال أي شغور في المقاعد يتم تعيينه).
بهذا المعنى، تكون لائحة الحراك المدني، وفي مشهد مختلف هذه المرة، قد ضمنت لنفسها ثلاثة مقاعد ــــ من ضمنها مقعد للمرشح «المُشاكس» مسلّم الذي تمكّن من ملاحقة ملف التأمين الصحي ــــ فيما حجزت لمرشحها الرابع مقعداً احتياطياً. وتكون «السُّلطة» المتمثلة بتحالف الثلاثي الاشتراكي والقوات والمُستقبل قد «خرقت» بمقعد واحد، فيما يكون المرشح المستقل المدعوم من «المُستقبل» قد فاز على حساب مرشّح حركة أمل.

أحزاب تلتحق بالمُستقلّين؟
هذه النتائج ضاعفت من إرباك الأحزاب المُتخبطة أصلاً. إرباك تُرجم بقرار «انسحاب» حنّا وحصر المنافسة على مقعد النقيب بين مُرشحين مُستقلين: خلف وكاسبار. وفيما لم تُفهم خطوة الانسحاب تلك، إلّا أن عدداً من المحامين رأوا فيها فخّاً تمثّل بالسعي الى «الخروج من المعركة بأقل خسارة ممكنة، عبر تقديم الدعم للمرشحين المُستقلين، وبالتالي التوصّل إلى خلاصة مفادها أن المستقلين ما كانوا لينجحوا لولا دعم الأحزاب». ونتيجة لعدم إعلان أي من الأحزاب، بشكل واضح وعلني، موقفها ودعمها للمرشحين، بقيت التحاليل والأقاويل بين المحامين هي «الفصل». وعليه، أُفيد عن توافق بين كل من: التيار الوطني الحر (الذي «تمرّد» عدد من المحامين المؤيدين له على قرار القيادة) والقوات اللبنانية على دعم كسبار، فيما دعا كل من: أمل وحزب الله إلى انتخاب خلف. أما حزب الكتائب، «فقد أدار تكويعته الرابحة نحو دعم خلف نظراً إلى الحظوظ التي كان يتمتع بها»، على حد تعبير أحد المحامين الداعمين للائحة الحراك.

خلف: أنا مستقلّ، وفي المرحلة الثانية تكتّل الجميع ضدّي، باستثناء حركة أمل التي أبلغتني أنها ستدعمني


بفارق أكثر من 800 صوت، فاز خلف (2431 صوتاً) على نظيره كاسبار (1532 صوتاً) الذي أكد بعد إعلان النتائج أنه «غير حزبي ومُستقلّ تماماً»، متبرّئاً من الأحزاب التي دعمته.
وكان لافتاً، إعلان كل من: أمل وحزب الله دعمهما لخلف. وفي هذا الصدد، نقلت قناة الـ nbn، خبراً يفيد بأن خلف اتصّل ببري، شاكراً له «الدعم الذي قدّمه محامو حركة أمل»، فيما صرّح خلف لـ«الجديد» بأنه شخص مستقلّ، «دخلت المنافسة وحيداً ولم أكن مدعوماً من أحد عندما دخلت المنافسة. في الساعات الـ 48 الماضية دعمني حزب الكتائب والاشتراكي. وفي المرحلة الثانية المتعلقة بانتخابات النقيب، تكتل الجميع ضدّي، باستثناء حركة أمل التي أبلغتني أنها ستدعمني».
سؤال ملغوم يدفع بالمحامين نحو الموافقة على رفع رسم الانتساب للنقابة!
قبل البدء بعملية الاقتراع الإلكتروني، عُرض على المحامين سؤال «ملغوم» يفيد بالتصويت على إقرار أخد مبلغ 750 مليون ليرة من أموال النقابة الاحتياطية وتحويله إلى صندوق التقاعد لتغذية موازنة الصندوق المذكور لعام 2019/2020 (..)، والمُصادقة على الحساب النهائي لصندوق النقابة والحساب النهائي للصندوق التعاوني والحساب النهائي لصندوق التقاعد للسنة المالية الماضية المنتهية في 30/9/2019، وعلى مشروع موازنة صندوق النقابة ومشروع موازنة الصندوق التعاوني ومشروع موازنة صندوق التقاعد للسنة المالية 2019/2010.
42% من المحامين، صوّتوا بنعم، فيما صوّت 39% من المحامين بكلا، وامتنع 19% عن التصويت. وفق عضو مجلس النقابة الجديد، المحامي المستقلّ إبراهيم مسلّم، فإنّ هذا الطرح حمل «لغماً» دفع بالمحامين إلى الإقرار عليه، «لأن التصديق على البيانات المالية التي يشوبها حالياً الكثير من المغالطات بسبب عدم معالجة ملف التأمين الصحي يعني تحميل المحامين في السنة المقبلة تداعيات رفع سوم الانتساب، ويعني السماح للنقابة بالمضيّ بخيار اللامنهجية في إدارة هذا النهج».
الجدير ذكره في هذا الصدد أن النقيب السابق أندره الشدياق عندما قرر المضي بالعقد مع شركة «غلوب مد» للتأمين المتهمة بالتسبب بتكبيد النقابة خسائر مالية تجاوزت الـ 12 مليون دولار، وضع نفسه المُحكّم في العقد. هذا الأمر يطرح تساؤلاً عما إذا كان الشدياق سيستمر بموقعه كمحكّم بالرغم من عدم تولّيه رئاسة النقابة بعد الآن ويضع النقيب والأعضاء الجدد أمام مسؤولية لتدارك تفاقم الوضع.



غياب العنصر النسائي عن أمّ النقابات
لم يُحالف الحظ أيّاً من المحاميات المترشحات للوصول الى المقاعد الشاغرة. تقول إحدى المحاميات الداعمات للمرشحة المستقلة ألبرت بيجاني إن من المؤسف أن تغيب الوجوه النسائية عن نقابة المحامين، مُشيرةً إلى ضرورة السعي إلى تدارك هذا الواقع غير المقبول. الجدير ذكره أن المجلس الحالي يضمّ المحامية ندى تلحوق فقط من بين 12 عضواً في مجلس النقابة. وفيما تنتهي عضوية تلحوق العام المُقبل، يكون مجلس النقابة قد خلا كلياً من التمثيل النسائي.


من يضمّ مجلس النقابة الحالي؟
ملحم خلف رئيساً
أندره الشدياق (النقيب السابق الذي تنتهي ولايته يبقى عضواً لمدة سنة)
بيار حنا (محسوب على تحالف القوات والاشتراكي وتيار المستقبل)
سعد الدين الخطيب (محسوب على تيار المستقبل)
ناضر كاسبار (مستقلّ)
إبراهيم مسلم (مستقلّ)
ندى تلحوق (الحزب الاشتراكي)
فادي حداد (التيار الوطني الحر)
عبدو لحود (حزب القوات)
إيلي بازرلي (مستقلّ)
عماد مارتينوس (مستقلّ)
إيلي حشاش (حزب القوات اللبنانية)