نقطة الانطلاق

لأسبابٍ كثيرة، ما زالت الغالبيّة في لبنان لا تعرف، أو لا يُشرح لها بوضوح، عمق الأزمة التي نحن فيها والمعنى السياسي لما ينتظرنا (لسنا «على وشك» دخول الأزمة، ولا هي في بداياتها، بل قد وقعت بالفعل ونحن في قلبها). هذه هي «المسألة السياسية» في لبنان اليوم: نحن لا نواجه أزمة في قطاعٍ معيّن أو افلاسٍ لمصرفين أو ثلاثة، بل احتمال إفلاس القطاع المصرفي بأكمله، وعجز كلّ المصارف عن تلبية التزاماتها وطلبات المودعين. هذا يعني انهيار الأداة المالية التي يتمّ عبرها تسيير كلّ شيءٍ في البلد، من تمويل الشركات الى دفع الرواتب الى الاستيراد، وصولاً الى استقبال الأموال التي يرسلها الى البلد المغتربون. والأزمة هنا معقّدة ومترابطة، بين ثالوث الدّولة\المصارف\المصرف المركزي، الذي تنكشف عناصره على عوامل الخطر ذاتها، وهي لهذا السبب ستسقط سويّة (بمعنى أنّ الدّولة لن تجد من يجدّد دينها بالليرة والدولار ويشتري سنداتها من جديد ويغطي عجزها، وأموال المصارف أكثرها في هذا الدّين، والمصرف المركزي - الذي يفترض به أن يظلّ على مسافة آمنة من مخاطر القطاع المحلّي - متورّطٌ مثل المصارف التجارية ولا نعرف حقيقة أصوله وحجمها والى أي مدى سيتمكن من تغطية الاستيراد والدفاع عن الليرة). من هنا، ستكون هذه «أزمة» خاصّة وغير مسبوقة؛ في قبرص - حيث حصل انكسارٌ لأكثر القطاع المصرفي منذ عقد - كانت غالبية المودعين مكونة من أثرياء روس وأجانب، وكان خلفهم الاتحاد الاوروبي وقدراته وضماناته. أمّا في لبنان، فإنّ غالبيّة الثروة الوطنية هي على «طاولة الكازينو»، من مدخرات صغار المودعين وصولاً الى رواتب موظفي الدّولة (يعيد البعض لازمة أنّ «الخوف» الذي يدفع الناس الى طلب ودائعهم دفعة واحدة كفيلٌ بتجفيف سيولة أيّ مصرف، ولكنهم يتناسون أن النّاس حين تهرع الى سحب أموالها وابقائها في المنزل فهي عادةً تفعل ذلك لأنّ هناك أسباباً حقيقيّة ووجيهةً جداً للقلق).
أمامنا في الفترة القادمة احتمالان للمضي قدماً، ستنطلق بإحداهما المرحلة المقبلة: 1- أن يترك الحال على مساره الحالي ويحصل الانهيار، فتعجز الدّولة عن دفع الدّيون (أو حتّى الرواتب)، وتنفد سيولة المصارف، وتنهار العملة الوطنية. أو، 2- أن تحصل مبادرة دوليّة لتمويل إعادة هيكلة الدّين وتعويم القطاع المصرفي اللبناني، وهي - إن أتت، وإن نجحت في مرادها - سترافقها بلا ريب حزمةٌ من الشروط و«الاصلاحات» لا تختلف كثيراً عن عوارض الانهيار (تخفيض لقيمة العملة، تقشّف وضمور اقتصادي، اقتطاع أجور الموظّفين أو تسريحهم)، مع فارق أننا سنستمرّ بدفع الدّين الى الأبد، ونعود بعد «الهيكلة» الى حيث بدأنا: بحسب تقريرٍ حديث لـ«بانك اوف اميركا» حول خيارات لبنان، يتنبّأ المصرف بأن خطة انقاذ يقودها صندوق النّقد، وتلغي نصف الدّين العام، ستتركنا مع دينٍ يوازي 100 الى 110% من ناتجنا القومي.
ولكن ما لا يمكن أن يستمرّ في كلّ الأحوال هو «الخيار الثالث» القائم حالياً، أي أن تسيّر المصارف الاقتصاد عبر «تحديد المصروف» وتقسيط السيولة وحقّ الوصول الى الأرصدة للجميع، أفراداً وشركات (إن لم تكن القيود التي وضعتها المصارف على سحب ودائعكم قد أقنعتكم بحجم الأزمة، فإن الخفض المستمرّ لهذه السقوف المتدنية أصلاً، واسراع المصارف الى اقفال أبوابها عند كلّ فرصة، يعطينا فكرة عن وضع القطاع ومستوى السيولة والقدرة على الاستمرار). في كلّ الأحوال، أمامنا يوم غد - في 28 نوفمبر - امتحانٌ أوّل، حيث تستحقّ سندات دينٍ للدولة بما يقارب المليار ونصف مليار دولار. إمّا أن تعجز الدّولة عن سدادها وندخل رسمياً في حالة الإفلاس، أو يتمّ سحب هذا المبلغ من احتياطنا المتناقص ودفعه الى حاملي السندات\كبار المودعين، ما سيعجّل باختفاء الدولار من السّوق ويزيد الضّغط على العملة الوطنيّة، فنقترب خطوةً جديدة من الانهيار. السؤال الأساسي في السياسة اليوم هو: ماذا ستفعل في مواجهة هذا الواقع؟ ليس الوقت وقت نقاشٍ نظريّ حول قواعد الاقتصاد وتكوّن الدّين العام وكيف وصلنا الى هنا، فهذا موثّق وقد تمّ شرحه مراراً؛ والمسألة ليست «اقتصادية - تقنيّة» كما يقدّمها البعض، ولا تحتاج لأن تكون مختصّاً لكي تناقشها، بل هي قضيّة سياسيّة و«شعبيّة». هي القضيّة السياسيّة الأساس التي ستقرّر مستقبلنا جميعاً، وأيّ خطابٍ سياسي لا ينطلق منها يتفادى المشكلة الملحّة التي تعني الناس ويبيع الأوهام - مهما كانت شعاراته.

وقتٌ لطرح الحلول، لا الأسماء
قوى وأحزاب السّلطة، بطبيعة الحال، هي في مكانٍ آخر ولا تملك حلولا. بعضها، ومصالحه تتشابك مع المنظومة المالية، ما زال في حالة إنكارٍ ويتشبّث بوهم الحفاظ على الموجود والعودة الى السّابق، وهذه القوى والمصالح - في نهاية الأمر- لن تفكّك نفسها بنفسها. بعضها الآخر ينسّق في الكواليس وينتظر الأمر الخارجي. والبعض «سحب يده» من ساحة التفاوض السياسي ويعتبر أن الانهيار لا يمكن تفاديه، فلا بديل عن انتظاره والتعامل معه حين يقع (وكلّ، باعتقادي، يحضّر في هذه الأثناء «خطّةً» لذاك السيناريو).
هذا غير مستغرب، المشكلة هي أنّ من هم «خارج النّظام»، يساراً ويميناً، لا يقدّمون بديلاً واضحاً وجذرياً. هذا هو الوقت الذي يفترض فيه بمن يعمل في السياسة أن يكثّف مخاوف النّاس ومعضلاتهم في شعارات ومطالب واضحة وقويّة، وليست عموميّات، يمكن أن تلتفّ حولها كتلٌ شعبيّة وتسير خلفها («لن ندفع الدّين»، «تأميم المصارف والملكيات الكبرى»، أي شيء). إن كنت سياسياً أو حزباً «معارضاً»، يقبع خارج النظام، فهذه هي فعلياً مهمّتك الوحيدة - وبخاصّة إن كنت تكرّر أنّك توقّعت الانهيار وحذّرت منه - أن تجترح حلولاً وبدائل لوقتٍ يحتاجها الشعب. أقلّه ضماناتٌ حقيقية بأن تعود أموال النّاس ومدّخراتهم - أموال أكثر النّاس. تخيّلوا أن اقتصادياً ليبرالياً يمينياً مثل ناصر السعيدي (كان في مصرف لبنان وقدّم المشورة الاقتصادية لحكّام الامارات)، أو حتّى نسيم طالب - بين هذره عن الجينات واللغويات والحضارات القديمة - يقدّمون طروحاتٍ أكثر جذريّة ووضوحاً من اليسار و«الاشتراكيين» في لبنان. السعيدي يحاجج بأن الدّين العام ربويّ غير شرعيّ، وليس مسؤولية الشعب اللبناني، فيما طالب يقول إنّ الدّين العام كان «نصبة» وصلت الى منتهاها ويتحمّل مسؤوليتها اللاعبون، ولا سبب لأن ننظر اليه من أيّ زاويةٍ أخرى. البعض يرفع - محقّاً - شعار «قصّة الشعر» علاجاً للأزمة، ولكن هذا لا فعالية له إن لم يتوضّح ويتجذّر - صندوق النقد الدولي قد يعرض علينا «قصّة شعر»، السؤال هو بأي شكلٍ وضمن أية شروط وبأي حجم؟ وقناعتي هي أن المطالبة يجب أن تكون بالغاء الدّين بأكمله، كبداية. المطلب يجب أن يظلّ بسيطاً وحاسماً وقضايا كهذه، إن عقّدتها، تشعّبت وضاعت.
المسألة في عمقها هي عن معنى السياسة في عصرنا. اعترف سلافوي جيجك منذ سنوات بأنّنا - لمرحلةٍ طويلة ابتدأت في التسعينيات - «كنّا جميعاً فوكوياميّين» (نسبةً الى فرانسيس فوكوياما). بمعنى أنّ الجميع قبل فرضيّة نهاية التّاريخ، تحديداً في الموضوع الاقتصادي؛ حتى «الاشتراكيون»، يقول جيجك، أصبحوا يفكرون ويعملون تحت سقف الرأسمالية كما نعرفها، باعتبار أن النظام الذي حولهم لا يمكن اعادة النظر به، بل أقصى ما يطمح اليه هو «تحسينه» (من هنا أصبحت بديهيات، مثل محاربة الفساد والحوكمة واسترداد المال المسروق، أهدافاً «جذرية» ونهائية). مع خروج الاقتصاد من طاولة النقاش أصبحت السياسة (حتى عند اليسار) تجري في مدارات أخرى؛ الهويات - لذاتها - أصبحت هي ما يقسّم الناس ويفرّقهم وليس المصالح ومشروعهم لبناء المستقبل. حتّى التحرير وتأسيس الدولة الوطنية أصبحت أهدافاً مستقلّةً عن الخيار الاقتصادي وتأمين السيادة المعيشية وتحرير الناس من أنماط الاستغلال. وعلى مستوى آخر وبشكلٍ موازٍ، ابتداءً من النصف الثاني للقرن العشرين، تمّ تحويل الاقتصاد تدريجياً الى «علم» منفصل عن الانسانيات، يقدّم اجابات كمّيّة و«محايدة» وغير سياسيّة، ولا يقاربه سوى المختصّين (ظلّ اقتصاديون من الجيل السابق يشتكون، في عدة نصوصٍ شهيرة، من «العزلة» التي دخلها منهج الاقتصاد ومن فصله عن العلوم الاجتماعيّة بعد أن كان واحداً منها).

لا يمكن أن يستمرّ الخيار الحالي بأن تسيّر المصارف الاقتصاد عبر «تحديد المصروف» وتقسيط السيولة


المشكلة هي أننا لم نعد، بقوة الأمر الواقع، قادرين على هذا التجاهل واعتبار أن المعاش والاقتصاد عبارة عن نمطٍ منزل وخيارات محسومة سلفاً. هذا لأن نظامنا قد انهار بالفعل، ومستقبلنا يتوقّف على استيعاب سقوطه واجتراح بديلٍ حقيقي. هنا عليك، وانت في أطراف النظام العالمي، أن تشقّ طريقاً ليس له «دليل استخدام»، وليس أمامك سوابق يمكن تقليدها. لهذا السبب تحديداً لن ينفعك هنا «التكنوقراط» وأبناء المؤسسة، فمهمّتهم ليست في تخيّل شيءٍ جديد. أوّل خطوة في هذه المهمّة هي أن يفهم النّاس «قوس الاحتمالات» المفتوح أمامهم، وأن لا يصدقوا الحدود التي يضعها السياسيون وأصحاب المصالح والتكنوقراط على الامكانات والطّموح. نحن لسنا ملزمين مثلاً، كما يتخيّل البعض، بتسديد الدّين العام ولا يوجد قانون كونيّ يجبر دولةً «سيّدة» على احترام الملكية الخاصّة. في الحقيقة، نحن نقدر على فعل ما لم تفعله اليونان (وهي ما زالت تدفع ثمن امتثالها لشروط الاوروبيين)، اذ ليس فوقنا اتّحاد اوروبي يسيّرنا، والأسواق المالية العالمية ليست منكشفة على الدّين اللبناني، فلا حافز لديها لانقاذنا أو فرض تسويةٍ علينا، اذ أن الانهيار في لبنان لن ينتشر الى خارجه (تملك مصارف غربية نسبة بسيطة من سندات الدّين العام بالدولار، وأسهماً في مصارف لبنانية، ولكنها ليست استثمارات معتبرة). لهذا السّبب ايضاً، من ناحيةٍ أخرى، لن يكون لدى الغربيين مشكلة كبيرة في أن ينهار لبنان ويحترق.

السياسة والاقتصاد
الفكرة ليست في أنّ الاقتصاد يأخذ أولوية على حساب السياسة، على العكس تماماً، الفكرة هي أنّ الاثنين يختلطان: بناء بديلٍ اقتصادي هو عملية سياسية، وما يحصل في الاقتصاد يرسم سياق السياسة. حتّى نفهم معنى نهاية «نموذج الجمهورية الثانية»، والأساس «المالي» لهذا النموذج، سأعطي مثلين. في السياسة، دستور «الطائف» كما تمّ تطبيقه، يحوي ثغرات ونواقص وتناقضات جسيمة. الانتخابات غير تمثيليّة، الديمغرافيا تتغيّر، استمرار المحاصصة الطائفية قد تكون في ذاتها غير دستورية (لأنّ «الطائف» ينصّ على الطابع المؤقت والمحدود للمحاصصة)، الخ. كلٌّ من هذه المسائل كان من المفترض أن تصنع اشكالاً سياسياً، حول التمثيل وشرعية النظام وفعالية القوانين، ولكنّ أغلب هذه المعضلات السياسية قد تمّ «تجاهلها» وذلك لأنّ نموذج «النّهب عبر الدّين» كان يوزّع المنافع على الجميع، ولا أحد يريد أن يخرّب مساره. حين لا نقدر على التوسّع في الاقتراض وتنتهي اللعبة، وينفد «الزّيت» الذي كان يسيّر هيكلاً معطوباً، فلا تتخيّل بأن نظام «الطائف» من الممكن أن يستمرّ كما كان والا تنفجر تناقضاته. يمكن استخدام القطاع المصرفي كمثالٍ آخر، قبل أن تعتاش المصارف على تدوير الدّين والفوائد المرتفعة منذ التسعينيات، كان هناك تاريخٌ للقطاع المصرفي اللبناني، وهو لم يكن يعتاش على تمويل الصناعات والزراعة والاستثمار في التكنولوجيا والانتاج. القطاع المصرفي كان يقوم أساساً على السريّة المصرفيّة، أي على التعاملات غير القانونية وشبه القانونية - سواء كنت تريد اخفاء جزءٍ من ثروتك عن الأمير والدولة، أو تريد تبييض أموالك، أو عقد صفقة سلاح أو غيره، كانت بيروت مكاناً مثالياً لهذه الأنشطة، حيث يمكن أن تتبادل التحويلات من غير أن يعرف أحد. وهذه العمولات كانت مربحة، وهي تتوزّع على بلدٍ صغير (وهذا النمط، بالمناسبة، كان أشرف وأكثر أخلاقية من الذي تلاه، اذ أن المصرف على الأقل لم يكن يأكل من لحم شعبه). بعد أن خسرنا السرية المصرفية - فعلياً - لصالح الأميركيين في التسعينيات وانتفى أكثر الدور «التقليدي» لمصارف لبنان، كانت المقايضة بأن تستبدل المصارف نموذجها «القديم» بالتكسّب من تدوير الدّين. هذا يعني أن معنى القطاع المصرفي، في جوهره، ودوره لا يمكن أن يستمرّ بعد اليوم ويحتاج الى إعادة تأسيس، فسياقه القديم قد انتهى ولا خير لنا من استمراره. وهذا الحال ينطبق على أكثر مسلّمات الثروة والسياسة في البلد بعد أن فشل المحرّك الذي كان ينتج ثروةً (وهمية).

غداً امتحانٌ أوّل لافلاس الدولة مع استحقاق سندات دينٍ للدولة بما يقارب مليار ونصف مليار دولار


قبل ذلك كلّه، لا معنى لخيارٍ اقتصاديّ إن لم يتمّ تخليصه في السياسة. الحل العادل قد يكون في شطب الدّين ومصادرة الودائع الكبيرة وأملاك الأثرياء الفاسدين، ولكن من سينفّذه بالضبط ويتحمّل انعكاساته ونتائجه؟ إن رفضت شروط صندوق النقد الدولي وقررت أن تتحرّر من نير الدّين وحكم رياض سلامة، فهل انت مستعدٌّ للانعزال عن القطاع المصرفي العالمي - لسنواتٍ على الأقل؟ وماذا لو وقعت علينا عقوبات أميركية، وكلّ ما يهم واشنطن في هذه البقعة من العالم هو رأس المقاومة، فهل انت قادرٌ على الاختيار بينها وبين العبودية المالية والسياسية؟ وهل سيقف المعسكر الأميركي في لبنان مع ثورةٍ ضدّ صندوق النقد والوصاية الدولية، أم سيشرح أن مشكلة الاقتصاد اللبناني هي سلاح حزب الله؟ الأمر الذي سجننا، أصلاً، في نموذجٍ اقتصاديّ مدمّر كان قراراً سياسياً وتوافقاً دولياً أعاد تشكيل البلد اثر نهاية الحرب الأهلية.
من الصّعب أن نتخيّل مخرجاً سهلاً للوضع في لبنان، ودور الخارج - وحده - يمنع أن تقوم ديناميات حرّة وتستمر لصالح الشعب. ولكن توجيه السياسة صوب مصالح الناس وأرزاقهم واسترداد مالهم المنهوب هو ما يصنع فرزاً حقيقياً، وهو الاختبار الفعلي لـ«الثورية». وأي نقطة انطلاقٍ أخرى لن توصلك الّا الى الانقسام العمودي، وسياسات النخب الضيقة، والشوارع الطائفية والهويّة بمعناها البدائي. لن تكون الأيام القادمة سهلة، ولكن كيفما قضي الأمر - بـ«حلٍّ» أو «انهيار» - فإنّنا على الأقل سنعرف ساعة حقيقة، وتكون بدايةً جديدة.
لا سبب للتأسّي، فالأمر لم يكن في الوسع تفاديه. هم بنوا نظاماً لا يمكن له أن يستمرّ وقابل للكسر والانهيار في أيّ وقت: بلدٌ لا ينتج ولا يصدّر، وكمية الدولارات التي تدخله ثابتة نسبياً، ولكنّه يستورد بشراهة وعملته ثابتة ودولته ترتّب عليها دين يتضخّم بلا نهاية. الى اين يمكن أن تذهب الأمور من هنا؟ في هذا النموذج، حتى لو حصل «نموّ»، أو ازداد عدد السكّان كما حصل مع وصول اللاجئين السوريين، فإنّ ذلك لن يكون أمراً ايجابياً كما يفترض، بل سيعني زيادةً في الاستهلاك والاستيراد وحاجةً الى مزيدٍ من الدولارات - من غير أن تظهر موارد جديدة. كلما كبر حجم الاقتصاد تكبر المشكلة، وكان مقدّراً لنا أن نصل الى هذه النقطة، ولكن ليس مقدّراً على الفقراء وغالبية الشعب أن يدفعوا الثّمن، وهذا ما يجب أن يفهموه.
من جهةٍ أخرى، لم يكن المال الذي في الأرصدة والسندات وحده «مزيّفاً»، بل كلّ ما بني عليه في السياسة والمجتمع خلال العقدين الماضيين. كان واضحاً أن الدّين العام هو «لغمٌ» نتعايش مع وجوده بقربنا في كلّ يوم. كلّ فعلٍ سياسيّ جرى في تلك الفترة، من توحيد البلد الى تحرير الجنوب، قد بني على رمال. هذا اللغم على الأقلّ قد انفجر وقضي الأمر، والمستقبل سيكون مختلفاً بشكلٍ جذريٍّ عن الماضي لأنّه كيفما ذهبت الأمور، سلماً أم حرباً، الى تقدّمٍ أم الى خراب، فالمؤكّد الوحيد هو أن هذا النظام المأزوم لا يمكن تجديده بعد اليوم.