برحيل داود خير الله، فقدت الجالية العربية في أميركا والعديد من المؤسسات الأكاديمية والإعلامية محاضرأ وكاتباً ومحامياً بارزاً، عُرف دائماً بدفاعه عن القضايا العربية، وعن حقوق المواطنين في لبنان والبلاد العربية، وبعطائه الفكري والسياسي الكبير للقضية الفلسطينية ولحقّ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. رغم التهديدات، كان صوتاً مدوّياً مدافعاً في قلب واشنطن عن حقوق الشعب الفلسطيني ضد مخططات التحالف الأميركي الصهيوني.

كان داود خير الله مدافعاً عنيداً عن الحق والعدالة والكرامة الإنسانية في كل مكان. وكان نصيراً للقضايا الإنسانية العالمية، وصوتاً عالياً بوجه كل اضطهاد واغتصاب للحقوق، ومحارباً شرساً ضد الفساد والطغيان، وداعية لسيادة القانون والنزاهة والاستقامة في إدارة شؤون الحكم على امتداد العالم العربي. لقد كان سيفاً من سيوف الحق والعقل في مواجهة كل من اعتبره باطلاً ومتخلفاً في حياتنا العربية.
وبرحيله، يخسر لبنان واحداً من ألمع أعلامه على الساحة الدوليّة، وهو الخبير والباحث، وأحد أعمدة القانون والعدالة في العالم. كان رمزاً في مواجهة النظام الطائفي في لبنان وطبقته السياسية ومكافحة الفساد. آمن بالحق، وبنى على أساسه مفهوم العدالة، وانحاز للمعايير المهنية الشفافة في قضية اغتيال الرئيس الحريري، ورفض كل الممارسات التي أنتجت محكمة مشوّهة مشكوكاً بإجراءاتها، وبالحكم المتوقع أن تنطق به غرفة الدرجة الأولى أوائل شهر نيسان (إبريل) المقبل، وهو حكم سياسي بامتياز لعلّة في الإجراءات والمعايير التي اعتمدت في الغرفة والمحكمة! (راجع البرواز الخاص برأيه في المحكمة الدوليّة).
قدم الراحل في كتبه وإطلالاته الإعلامية ومحاضراته مساهمات فكرية وقانونية ساعدت على بلورة مفاهيم الديموقراطية، وحكم القانون في العالم العربي. وقد تميز بحجته الدامغة في الدفاع عن القضايا الوطنية، وأهمها: مقاومة المشروع الصهيوني والإرهاب القاعدي الداعشي. لقد جسد الراحل التفاعل الحي بين الأصالة والعولمة، فهو ابن عائلة لبنانية متجذرة بالوطنية والنضال، ورث منها الأصالة، واكتسب من بلدته بحمدون حب التراث وصلابة الجبل. كما تعلّم في أميركا الوعي العلمي العقلاني. لذلك بنى تفكيره على أن السياسة يجب أن تقوم على الأخلاق لا على البراغماتية فحسب، من هنا كانت حربه على الفساد التي بقيت شغله الشاغل طوال حياته.
تكوّنت شخصيته من ركيزتين اثنتين: الحياة القروية في بحمدون التي زرعت فيه قيماً مجتمعية وتراثية عميقة الجذور، وحساً صلباً بقيم العدالة وقدرة راسخة على مواجهة التحديات بمرونة لا تساوم. أما الأثر الذي تركته فيه أميركا، فهو اعتماد المناهج الواقعية الوضعية، فكانت مقاربته تتجلى بالسياسات التشاركية الإنسانية، ورفض الاستسلام والسلبية، فضلاً عن اقتناعه بأن التغيير السياسي لا بد أن يأتي عن طريق العمل العقلاني والقانوني.

آمن بالهوية الوطنية القائمة على العدالة ورفض الانعزالية التي تُفكك المجتمع وتُعيق بناء الدولة


انطلاقاً من رؤية فكرية متطورة، غلّب العمل على التنظير، فكانت حياته نضالاً من أجل التنفيذ والتجسيد. لم يكلّ ولم يملّ من إلقاء المحاضرات، وتدبيج المقالات ونشرها في الصحف والمجلات. وكانت له مداخلات في العديد من شاشات التلفزة العالمية والعربية واللبنانية، وخاصةً في مسألة الفساد في الحكم، وأهمية الحكومة النزيهة.
حجر الزاوية في تفكيره، هو الهوية الوطنية القائمة على العدالة واحترام حقوق الإنسان. وعلى هذا الأساس، رفض الولاءات الجزئية والتيارات الانعزالية، والحركات القائمة على النزعات الإثنية والعرقية التي تُفكك وحدة المجتمع وتُعيق بناء الدولة الوطنية.
وأخيراً لا آخراً، كان الرجل قارئاً نهماً يُواكب التطورات العالمية والنتاج الثقافي والفكري، في العالم ودنيا العرب. كما كان عاشقاً للشعر والأدب العربيين، حافظاً من التراث القصائد والأبيات، ويتمتع بموهبة أدائها في مجالسه. كان دائماً يخلق مناخات مشبعة بالثقافة على مائدته، وهو يتذوق اللقمة الطيبة، وخاصة من المطبخ اللبناني البلدي. لقد فقدنا رجل القانون الشاهد للحق، والمثقف الملتزم الذي عشق الحياة بتجلياتها الشعبيّة حتى رقص الدبكة، وكان يستمتع بالحوار الفكري وتبادل المعارف والكفاح من أجل تحقيق المثل والمبادئ.