للمرة الأولى، تظهر مؤشرات كثيرة على اعتماد أداء مختلف عن السابق في ادارة القضايا المستجدّة والموروثة. تجلى هذا الأداء، أمس، برزمة من القرارات والاجراءات المتخذة بحق بعض سارقي الدولة والمتحايلين عليها، أولها استرداد الدولة لقطاع الخلوي. وثانيها الحكم الصادر على رئيس مجلس ادارة «أم تي في» في قضية التخابر غير الشرعي وهدر المال العام، وثالثها اصدار النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون مذكرة بحث وتحرّ بحق صاحب شركة ZR Energy وطلبها الاذن من وزارة الطاقة بملاحقة كل من المديرة العامة للنفط أورور الفغالي ورئيس المنشآت النفطية سركيس حليس في قضية الفيول المغشوش. طبعا، تبقى هذه الاجراءات بطيئة ولا تمسّ بأصل الأزمة؛ والأهم يفترض أن تكون طبيعية جدا خصوصا أنها تخص السطو على أموال الدولة ومحاولة الاحتيال عليها. لكن في بلد عاثت مافيات السياسة والمال فيه فسادا وهدرا، وفُقد الأمل فيه بأي محاسبة حتى لأصغر موظف، يصبح حكم قاضي الأمور المستعجلة في صور بمحاسبة بنك لبنان والمهجر وحكمه لصالح المودع الراغب بسحب أمواله الخاصة لمعالجة والدته المريضة انجازاً يُهلل له.

وكان لافتا أمس أيضا، في الشق السياسي، الاعلان عن تقدم في موضوع الكهرباء وامكانية تأمينها 24 على 24 عبر التفاوض من دولة الى دولة من دون المرور بالقطاع الخاص. وفيما كان هذا الموضوع مرتبطاً مباشرة بشروط سياسية، يعدّ هذا التقدم مؤشرا أوروبيا هو الأول من نوعه في التعامل مع حكومة حسان دياب. ويفتح الباب لايجاد حلّ جذري لمشكلة الكهرباء بعد رفض الدولة لعدد من الحلول السابقة، ومنها العرض الايراني، الى جانب افشال العمل بمعمل دير عمار عام 2015. الخبر الذي صدر عقب اجتماع لجنة الأشغال العامة مع وزير الطاقة ريمون غجر وشركتي «سيمنز» و«جنرال الكتريك» مفاجىء ويدعو الى التفاؤل. رئيس لجنة الأشغال النائب نزيه نجم أعلن بعد الاجتماع وضع خطة يؤمل من خلالها الوصول إلى كهرباء 24 على 24. وأوضح أن اللجنة طلبت من الوزير توقيع مذكرة تفاهم مع الشركتين غير ملزمة للحكومة، مشيراً الى أن غجر وعد بتقديم نتائج هذه المفاوضات خلال اسبوع. وفي اتصال مع «الأخبار»، أكد غجر أن التفاهم يتم من دولة الى دولة وليس عبر الشركات الخاصة التي تشترط على الدولة دفع اعتمادات مسبقة. وأوضح أن عرض «ٍسيمنز» كان أوفر وأشمل ويتضمن بناء معمل بطاقة تتراوح بين 950 و1100 ميغاواط اضافة الى محطة تغويز، واذا ما تم التوافق عليه فإن التمويل ستؤمنه الدولة الألمانية بنسبة 85%. ما يعني أن الـ15% المتبقية تقع على عاتق الدولة اللبنانية وهي بمثابة دفعة أولى. لكنه لفت الى صعوبة تأمين الدولة لهذه الدفعة والى أن هذا الطرح قابل للتفاوض والتغيير، بما فيه تأمين الشركة للتمويل المتبقي أيضا. ولا يمكن لعقارب الساعة أن تبدأ بالدوران الا عند تأمين هذه الدفعة، فعندها يمكن الحديث عن مدة معينة لتأمين كهرباء 24 على 24. من جهة أخرى، أشار غجر الى أنه سيتم جمع كل العروض ضمن نموذج موحد لمذكرة تفاهم يعرض على مجلس الوزراء خلال 4 أو 5 أيام، مشيرا الى أن الشركات لا تزال مهتمة بالقطاع رغم الأزمة ورغم احتمال تغييرات قد تطرأ على العروض المقدمة سابقا. وعن بناء معمل دير عمار-2، قال غجر إن تحالف علاء الخواجة - ريمون رحمة لم ينسحب بل يواجه صعوبة في تأمين التمويل نظرا الى الوضع المالي والاقتصادي.
من جهتها أشارت مصادر اللجنة إلى أن عرض «سيمنز» كان أكثر جدية لانه أشمل، ويتضمن بناء محطة تغويز إلى جانب معمل الكهرباء، إضافة إلى كل التمديدات اللازمة. وقد تراوح عرض سيمنز بين 2 سنت و2.1 سنت للكيلوواط، بما يجعل كلفة الكيلوواط تساوي، مع الغاز، نحو 7.1 سنت. بحسب العرض المقدم، تناهز كلفة المعمل 700 مليون دولار، وهو مبلغ يمكن تعويضه خلال عام، إذ ان الوفر الناتج عن بناء المعمل وتشغيله على الغاز يصل إلى 600 مليون دولار سنوياً. ويفترض، وفقا للخطة المقدمة، إنجاز المعمل في مرحلته الأولى (التوربينات) خلال 20 شهراً على أن ينتهي إنشاؤه كاملاً (combined cycle) بعد عشرة أشهر أخرى.
ووفق هذه التطورات، ينعقد مجلس الوزراء اليوم وعلى جدول أعماله النصوص والصيغ النهائية المتعلقة بالمواضيع التي سبق للمجلس ان وافق عليها في جلسته الأخيرة: اجراء تحقيقات لتحديد الحسابات التي أجريت منها تحويلات مالية واتخاذ إجراءات بحق أصحابها، اتخاذ تدابير آنية وفورية لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، مشروع قانون معجل يتعلق باسترداد تحاويل الى الخارج جرت بعد تاريخ 17/10/2019، اضافة الى استكمال البحث في الصيغة النهائية للخطة الإصلاحية المالية التي أعدها المدير العام لوزارة المال ألان بيفاني بالتعاون مع شركة «لازارد». الاعلان عن هذه الاجراءات كان كفيلاً بعودة جوقة «التطبيل السعودية» بأمر من الرياض، وبث من قناة «العربية». من جهة يؤكد هؤلاء «بصمهم» على الاصلاح ولكنهم من جهة أخرى يريدونه وفقا لمصالحهم، أي اصلاحا مستقبليا من دون مفاعيل رجعية. هكذا، خرج رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة ليتحسر على سيطرة حزب الله والتيار الوطني الحر على ما تبقى من الدولة. ومثله فعل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في حديث الى «العربية» أشار فيه الى أن «حكومة حسان دياب لم تحقّق أي شيء للبنان ويجب تشكيل جبهة معارضة لحزب الله»، رافضا الدخول في أي حكومة يسيطر عليها الحزب رغم أن أحدا لم يقدم له عرضا كهذا. قبلهما كان رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط يردد المعزوفة ذاتها ويلوح بفتح ملفات فساد بحوزته، بما يشكل ادانة له قبل غيره لتستره على هذه الملفات لغاية في نفسه. علما ان هؤلاء كانوا حتى الأمس ينفون اي امكانية لاستعادة «أمجاد» 14 آذار ولا يتشاركون النظرة نفسها والمصالح نفسها. لكنهم، بعد التدخل السعودي، نفذوا أوامر الاصطفاف سريعا من دون اعتراض وفي مقدمتهم القوات اللبنانية. فبعدما كان خطاب جعجع «معتدلاً» تجاه التطورات السياسية والتي تطال حاكم مصرف لبنان، تبدل ليتطابق مع خطابات أصدقائه السابقين منذ الاعلان عن نية الحكومة اقالة رياض سلامة ومحاسبة ناهبي المال العام. وفي هذا السياق، لا يزال طرح اقالة سلامة على طاولة البحث رغم الهجوم المضاد لحزب المصرف متسلحا بغطاء المرجعيات الدينية، أكان بكركي أو دار الفتوى. بالتزامن مع ذلك، يصدر سلامة غدا، بياناً يتلوه عبر الفيديو، «يصارح فيه اللبنانيين بالوقائع والأرقام عن الأسباب التي أوصلت الوضع المالي الى ما وصل إليه» على ما أورد في حديث مع «المستقبل ويب».

إضراب الصرافين: السوق تستقر عندما يضخ مصرف لبنان دولارات

وسيتضمّن البيان «أرقاماً عن تطوّر الدين العام وعن النفقات التي سجّلت من دون واردات وأبرزها سلسلة الرتب والرواتب». وذلك بعد مطالبة رئيس الحكومة حسان دياب له قبيل أيام بضرورة مصارحته اللبنانيين بأسباب تدهور الليرة بهذا الشكل. وكان دياب قد صرح في مستهل الاجتماع الوزاري الاداري لمكافحة الفساد الذي عقد في قصر بعبدا بأن «االفساد متضخم في لبنان ويتمتع بحماية السياسة والسياسيين والطوائف ومرجعياتها». وأشار الى عدم وجود محاسبة لأي فاسد «إلا من كان مرفوعا عنه الغطاء، أو تمرد وفتح على حسابه». كذلك أكد رئيس الجمهورية ميشال عون أن «التصدي لآفة الفساد لا يمكن أن يكون ظرفيا أو جزئيا أو انتقائيا أو استنسابيا، كي لا نقع في المحظور الأخطر المتمثل بعدم المساواة في المساءلة بين المفسدين والفاسدين من جهة، وتسلح هؤلاء بالمرجعية الروحية أو السياسية للتفلت من تلك المساءلة».
في معرض آخر، أوقفت القوى الأمنية عشرات الصيارفة أمس، لعدم تقيدهم بسعر صرف الدولار المحدد من مصرف لبنان، وعمدت في بعض الأحيان الى ضبط الدولارات الموجودة في محال الصيرفة وختمها بالشمع الأحمر وإحالتها مع المضبوطات إلى النيابة العامة المالية. كما تم توقيف بعض الصيارفة بسبب تمنعهم عن العمل. رئيس نقابة الصرافين محمود مراد قال «الأخبار» إن «توقيف بعض الصيارفة وختم ابوابهم بالشمع الأحمر بتهمة عدم بيع الدولارات في السوق يناقض السوق الحر، علما بانه لم يتوافر لدى الصرافين دولارات بالاسعار التي حددها مصرف لبنان لان الناس احجمت عن صرف الدولارات التي تملكها بالسعر الذي حدده». وبالنسبة للدولارات المتوافرة في صناديق الصرافين «فهي قد تكون مخصصة لتسديد التزامات عليهم». اذا السؤال متى يتوافر الدولار بالسعر المحدد من مصرف لبنان؟ يجيب مراد: «عندما يضخ مصرف لبنان دولارات في السوق. فمصادر ضخ الدولارات حاليا شبه معدومة لا عبر التحويلات الالكترونية ولا عبر المصارف ولا عبر السياحة ولا عبر المغتربين... الدولار الوحيد المتوافر في السوق هو ذلك الموجود بين ايدي الناس وهم يرفضون صرفه بالسعر المحدد من مصرف لبنان. لذا سيواصل الصرافون الاضراب حتى ترك الموقوفين منهم وفض الشمع الاحمر عن محلاتهم».