تطوّرات بالغة الخطورة شهدتها طرابلس على الصعيد الأمني في الساعات الـ 48 الماضية، تمثّل أبرزها في سقوط شهيد بالرصاص الحيّ ليل أول من أمس، بعد مواجهات عنيفة جدّاً بين الجيش اللبناني ومحتجّين. هو الشهيد الأول الذي يسقط في عاصمة الشمال، منذ اندلاع شرارة الحراك الشّعبي في 17 تشرين الأول الماضي. كذلك لم تشهد المدينة سابقاً المستوى نفسه من العنف، سواء من المحتجين الذين اعتدوا على آليات وعناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي، أو من الجيش الذي استخدم الرصاص الحي في بعض الأحيان. كما أنها المرة الأولى التي تكون فيها المصارف وجهة عنف المحتجين، إضافة إلى محال صيرفة ومحال سوبرماركت في المدينة.

في الأيّام القليلة الماضية، كانت مؤشّرات كثيرة تنبئ بأن طرابلس مقبلة على تطورات خطيرة وغير مسبوقة، وأن الأمور ستخرج معها عن السيطرة، في ظل استفحال مظاهر الفقر والعوز والجوع في مدينة تعدّ الأفقر في لبنان، وعودة المحتجين إلى الشوارع والساحات في المدينة ورفضهم التزام الحجر الصحّي في منازلهم خشية تفشّي فيروس كورونا بينهم. تُرك أغلبهم بلا أي دعم ومعونة ومساعدات لهم ولعائلاتهم، سواء من قبل الحكومة أو «فاعليات المدينة». الأخيرون اجتمعوا في 14 نيسان الجاري في معرض رشيد كرامي الدولي للبحث في وضع "خطة" لإغاثة الفقراء والمحتاجين من أبناء المدينة، واتفقوا بعد مناقشات على تشكيل لجنة متابعة لهذه الغاية. إلا أن هذه اللجنة تأخّر تأليفها 5 أيام بسبب خلافات حول أعضائها. وعندما شُكّلت برئاسة الوزير السابق أشرف ريفي وعضوية نقباء المهن الحرّة، عقدت جلسة واحدة فقط ثم غابت عن السمع.
يضاف إلى ذلك أنّ التناتش والتناحر بين القوى السّياسية والمالية في ضوء الانقسام السّياسي وتدهور سعر الليرة اللبنانية أمام الدولار، جعلهم يجدون كالعادة في طرابلس ساحة مناسبة لهم لتبادل الرسائل الساخنة فيها، وخصوصاً أنّ الأرضية فيها جاهزة لهذا الغرض، كما أنّها ساحة مفتوحة أمام كل القوى، ولو بنسب مختلفة، فضلاً عن معلومات وصلت إلى أكثر من جهاز أمني واطلع عليها سياسيون، أفادت بأنّ «شيئاً ما» يتم تحضيره في طرابلس.
غروب يوم أول من أمس، وما كادت تمضي قرابة ساعة بعد موعد الإفطار، حتى كان مئات المحتجّين يتجمّعون في ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النّور). أتوا من مختلف أنحاء المدينة، فيما حضر بعضهم من عكّار عبر باصات. بدأوا بالتحرك ضد فروع المصارف الموجودة في الساحة، وتحديداً بنك الاعتماد المصرفي وبيت التمويل العربي وبنك لبنان والمهجر والبنك اللبناني ــــ الفرنسي الذي كسروا واجهته الزجاجية قبل أن يقتحموا مكاتبه ويضرموا النار فيها. وعندما وصلت قوات الجيش اللبناني إلى المكان، حصلت صدامات عنيفة بين الطرفين، حيث تعرّض عناصر الجيش للرشق بالحجارة والمفرقعات النّارية، واستهداف آلية عسكرية بقنبلة مولوتوف أدت إلى احتراقها، ورمي قنبلة يدوية باتجاه دورية للجيش، ما أدى، وفق بيان للجيش، إلى إصابة 40 عسكرياً، بينهم 6 ضباط. واتهم الجيش «مندسّين» بأنهم «قاموا بأعمال الشغب والتعرّض للأملاك العامّة والخاصة».
لكن وجهة المحتجّين لم تكن الجيش والقوى الأمنية فقط، بل اختاروا من بين جميع نواب طرابلس النائب فيصل كرامي فقط، حيث توجّهوا للاعتصام أمام منزله، فضلاً عن الاعتصام أمام منزل وزير الاتصالات طلال حوّاط، المقرّب من كرامي، متجاهلين البقية، ما طرح عدّة أسئلة حول وجود نيّة مسبقة باستهداف كرامي وحواط دون سواهما من قبل جهات سياسية على خصومة معهما، وهل أن هذا التحرّك الاحتجاجي ضدهما جاء على خلفية قرار حواط استرداد شركتَي الهاتف الخلوي إلى الدولة، أم له اعتبارات وخلفيات أخرى؟
ومع أن الجيش أوقف تسعة أشخاص لإقدامهم على رمي المفرقعات والحجارة على منزل كرامي، فإن الصدامات التي دارت بينه وبين المحتجين في ساحة كرامي (النّور) ليل أول من أمس، أدت إلى إصابة فواز السّمان برصاص حيّ تسبّب لاحقاً بوفاته، في حادثة كانت بمثابة الشرارة التي جعلت طرابلس تشتعل أمس.
جثمان السمّان شيع بعد نقله من المستشفى الإسلامي الى منزل ذويه في ساحة الدفتردار في محلة باب الرمل، ونقله إلى شارع الحرية (أحد متفرعات ساحة النور) حيث أقيمت صلاة الجنازة أمام متجره لتصليح الدراجات النارية، ودُفن على وقع رشقات نارية أطلقت في الهواء. وما كاد التشييع ينقضي، حتى اندفع محتجون نحو الشوارع المحاذية وصبّوا فيها جام غضبهم على المصارف.
المحطة الأولى لهم كانت فرع البنك اللبناني ــــ الفرنسي في الزاهرية حيث كسروا واجهته الزجاجية قبل أن يضرموا النار في مكاتبه، كما هاجموا فرع مصرف بلوم بنك المجاور، وأحرقوا الصراف الآلي لفرع بنك عوده عند تقاطع شارع عزمي، قبل أن يتوجهوا إلى شارع المصارف حيث هاجموا عدداً منها. لكن الجزء الأكبر كان من نصيب فرع بنك بيت التمويل العربي الذي كسروا واجهته الزجاجية وأضرموا في مكاتبه النيران، وسط نداءات استغاثة وُجّهت من سكان المبنى الذي يقع فيه البنك لإنقاذهم. ما تقدّم اتخذته جمعية المصارف ذريعة للإعلان عن «إقفال جميع مقارّ وفروع المصارف في مدينة طرابلس ابتداءً من اليوم، إلى حين استتباب الأوضاع الأمنية فيها، حفاظاً على أرواح الموظفين والزبائن».
هذه التطوّرات دفعت بالجيش إلى استقدام تعزيزات إضافية لضبط الوضع، ما أجبر المحتجّين على التراجع باتجاه ساحة التل. وهناك أحرقوا سيارتي «رابيد» تابعتين لقوى الأمن الداخلي مركونتين في الساحة، إحداهما تابعة لفصيلة التل، وأخرى للشرطة القضائية، ثم هاجموا محال صيرفة في الساحة، قبل أن يجبرهم الجيش على التراجع باتجاه الأسواق والحارات الداخلية وسط انبعاث دخان حرائق حاويات النفايات. وجرت عمليات كرّ وفرّ بينهم وبين الجيش، الذي كان عناصره يطلقون الرصاص في الهواء لتفريق المحتجين، والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي باتجاههم، ومحاصرتهم قبل توقيف بعضهم. حاول الجيش إنهاء تحرّكهم ووضع حدّ لتحركاتهم، ما أسهم نسبياً في تراجعها، بالتزامن مع اقتراب موعد الإفطار. لكن ليلاً، تجددت الاشتباكات، والاحتجاجات في الشارع، التي استمرت إلى ما بعد منتصف الليل، ما أوقع عدداً من الجرحى.