رغم أن تدهور سعر صرف الليرة وحّد غالبية اللبنانيين، كما وحّدهم ارتفاع الأسعار والغلاء، إلا أنه يكفي أن تظهر مجدداً عناوين العلاقة مع سوريا ومراقبة الحدود وسلاح حزب الله وكلام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، حتى يعود الاستنفار الى جماهير القوى السياسية فيعود الكباش السياسي، وكأن لا انتفاضة وقعت، ولا فقر يدق الأبواب، ولا مصارف تسرق أموال المودعين.

عوّم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الملف السياسي، بتصويبه على موضوع العلاقات مع سوريا والحوار معها، فيما ينصبّ الاهتمام بانطلاق التفاوض مع صندوق النقد الدولي واستيضاح سلّة شروطه. فتحوّلت بذلك كلمته تنازعاً بين سقفين، بين أنه يحيد النظر قصداً عن المفاوضات المالية الدولية التي قد يضطر لبنان الى القبول بها، أو أنه يرفع شروطه الداخلية والإقليمية، فيما تحاول واشنطن تصعيد ضغطها في المقابل على دوره في لبنان وسوريا. وفي كلتا الحالتين، أخرج المشهد السياسي من الحدث اليومي المالي والاقتصادي والصحي، ليضع مجدداً قواعد اللعبة في شكل أحادي. وهو بذلك أعاد ترتيب الأولويات حول ملفات كان لبنان يتفاداها لشهور بفعل التظاهرات ومن ثم أزمة تفشي الوباء، من ضمن رؤية تتعلق بساحات المنطقة. فتح كلام نصر الله الباب أمام توحيد خصومه ومعارضي الحوار مع سوريا، بما في ذلك بعض الأصوات الغائبة منذ زمن عن مقاربة هذه الملفات. لكن في كل ذلك، هناك عنصر سياسي مفقود يتعلق بـ«بيت الوسط»، ليصبح السؤال تلقائياً عما حققته عودة الرئيس سعد الحريري الى بيروت حتى الآن، وما هو المشروع السياسي الذي يمكن أن يواجه به المستجدات، بدءاً من كلام نصر الله وانتهاءً بمواجهة العهد والحكومة على السواء.
ساهم انتشار كورونا في تأخير المحكمة الدولية تحديد موعد صدور الحكم العلني في قضية «عياش وآخرين»، بحسب تسمية المحكمة لقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد يكون هذا التأخير ملائماً للحريري، الذي ينتظر كلمة سر لم تأته لا في الرياض ولا في باريس. لأن توقيت الحكم، راهناً، يحمل التباسات كثيرة، وهو الذي لا يزال يعوّل على عودته الى السرايا الحكومية، من خلال رفع راية تهدئة الشارع السني. لكن كلمة السر لم تصل بعد، بفعل انشغال الدول في أزماتها الصحية والاقتصادية، وتعليقها التداول بالملف اللبناني. يضاف الى ذلك أن أحداً من الدول المعنية مباشرة لم يعد يتعامل معه على أنه الرقم الصعب في معادلة الحكم. لذا يقبع في غرفة الانتظار، لا تُسحب منه ورقة التكليف لمصلحة آخر، ولا يعطى في المقابل الضوء الأخضر لتغطية تكاليف العجز السياسي والمالي على السواء.

حزب الله لم يسهّل المهمة للحريري، فأضيف له عجز آخر على مسيرة متعثرة


رغم كثرة اللقاءات الدبلوماسية، فإن الحريري لا يزال على ضفة الحدث المحلي. كان يفترض بعودته الى لبنان أن تعيد إليه بعضاً من الحضور السياسي، وخصوصاً أنه لا يزال يملك عدة الشغل، وخصوصاً في مواقع حساسة أمنية ومالية وإدارية له فيها حصة كبيرة، وهذه العدة التي استثمر فيها لسنوات لا تتعلق فحسب بمواقع سنية. وهو حاول في الأيام الأخيرة ألا يخوض معارك مباشرة في مواجهة الحكومة والعهد بـ«أدوات سنّية» وحسب، بل جيّش أيضاً من خلال طوائف مسيحية له فيها حضور وشخصيات تنتمي الى النادي السياسي والمالي نفسه. لكن السقف الأساسي له يكمن في ملاقاة حلفائه وخصومه في نصف الطريق فحسب، فلا يرفع مستوى تنسيقه مع حلفائه ولا يعيد تجميع الصفوف، إلا بالقدر المضبوط، كي لا ينسف الجسور التي سبق أن بناها مع حزب الله. لكن تطور مواقف حزب الله ومنها ملف سوريا والحدود، سيضع الحريري أمام محك اختبار قدرته على التكيف مجدداً مع متطلبات التهدئة واستشراف آفاق العلاقة المستقبلية. لأنه حتى الآن لا يزال محافظاً على إطار مضبوط، يخرقه فقط موقفه من العهد ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. وفي هذه النقطة، يتقاطع مع الرئيس نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. لم يعد للحريري ما يعتاش عليه أكثر من مطالبته بتعزيز صلاحيات رئيس الحكومة، وشنّه هجوماً على العهد وباسيل، لكن هذين العاملين غير قادرين على وضعه مجدداً في مقدم المشهد في غياب برنامج سياسي واضح، وتضعضع قاعدته الشعبية، وتراجع نفوذه وفراغ خزنته، لأن الحريري في نسخه المتعددة منذ أن جاء الى السياسة، اعتاد أن يوضع له برنامج عمل محدد سياسي محلي وإقليمي، ومالي ــــ اقتصادي. في حين أنه اليوم يفتقر إلى الغطاء أولاً، وإلى البرنامج ثانياً. وها هو حزب الله لم يسهّل له المهمة، ليصبح مجدداً أسير التقاطعات الإقليمية والدولية، فيضيف عجزاً آخر على مسيرة متعثّرة.