الجميع يعلم أن وليد جنبلاط ونبيه بري وسعد الحريري وسمير جعجع وغيرهم من متزعمي الطوائف، يدينون باستمرارهم الطويل لعناية الخارج الموصوف، بدقة الحسابات ووضوح المرامي، كما لعجز الداخل وفساد قواه وتخلّفها. وعليه يمكن القول إنهم أكثر من مجرد نتائج لواقع البلد المحكوم بجملة من النواهي التأسيسية، وأول تلك النواهي منع المسّ بالميزان الطائفي الحاكم. بل إن الأشخاص الواردة أسماؤهم أعلاه، وبما يمثلون، باتوا إلى حد كبير أسباباً للمشكلة القابضة على رقاب أهل الرقعة المسلوخة أصلاً عن محيطها الجغرافي والتاريخي الطبيعي. وإذا ما فكّرنا في طريقة لكسر الحلقة التي تمنع المسّ بهذا الواقع العاصي على التغيير (هل هو فعلاً كذلك؟) فالأرجح أن «الخلاص» لا يمكن أن يقتصر على إطاحة هذه الأسماء التي صارت مع تقادم الوقت، وتفشّي الخراب، سبباً ونتيجة في آن واحد. بل إن الأمر يحتاج، في الحد الأدنى، إلى كسر منظومة القواعد والمفاهيم التأسيسية الراعية للدور المصطنع وللوظيفة المشبوهة التي اخترعها الاستعمار، وهذا ما لا تقوى عليه قوى «الاعتراض» الراهن، الفاقدة للنزاهة فضلاً عن الرؤية والبرنامج.

ليس هناك ما لا يمكن تصديقه في لبنان. ففي هذا البلد المشرّع أمام الاختراقات الأمنية والسياسية والثقافية وغيرها من ميادين الاجتماع اللبناني الهشّ، كل شيء قابل للتصديق. وخصوصاً متى ارتبط الأمر بهذا «الشخص» أو بواحد من أمثاله من صنّاع المجازر، ومرتكبي الموبقات الوطنية والقومية. وهم، مع الأسف الشديد، باتوا على درجة عالية من التكاثر الذي تزداد وتيرته وتتعاظم في فيء السفارات أو في الظلّ الوارف للـ«أن جي أوز.»، بفضل ما توفره من شروط ومزايا أساسها التمويل «السخي» وغيرها من العناصر المساعدة في نمذجة المرتزق الليبرالي كواش صغير أو مخبر رخيص، أو في ظل الإعلام الوهابي ومنابره المتعددة التي تصطنع «الأقلام» كما تصطنع الخناجر والسيوف والأحزمة الناسفة.
فخلف الروح الإجرامية التي استغلت نزيف الدم وسارعت إلى الاستثمار الوضيع في الكارثة التي ضربت بيروت، يتقدم الصفوف الشخص نفسه الذي امتهن الذبح واحترف الخيانة وأدمن الارتزاق واعتاد الطعن والغدر والانقلاب... وعلى منواله فعل ثوّار ربع الساعة الأخير الذين وجدوا في المأساة فرصتهم المنشودة لتلميع الشعارات البالية نفسها وتوجيهها في الاتجاه الذي يلبّي تطلعات ومخططات الخارج الحانق من تعاظم قوة الردع اللبنانية، فكان التكامل الموصوف الذي لم يغب يوماً بين شخص المنظومة القاتلة وثوارها. وعليه لا يمكن أن يكون هناك ما لا يمكن تصديقه.
ومع ذلك، ورغم كل ما هو معروف أو غير معروف عن هذا الشخص المقيت وعن سجلّه المرصّع بالجماجم البشرية، قد يحصل أن يحار المرء في فهم بواعث السلوك السياسي الشاذّ الذي لا يكف عن إظهار نفسه عند كل مناسبة وفي كل حين، وخصوصاً أننا، وبالنظر إلى هول ما أصاب المدينة، أمام لحظة إنسانية تبدو مختلفة وغير مألوفة، وفي وقت أحوج ما نكون فيه، في البلد، إلى إعمال العقل وتحكيم الضمير ووعي المسؤولية والسعي إلى تضميد الجراح الثخينة التي أصابتنا جميعاً. لكن الواقع أن ثمة من يجد في الأمر فرصته لاستكمال ما فات تاريخه الدموي الحافل فيبادر، ومن فوره، إلى رفع الصوت المنادي بالانتقام... المهم أن هذه الحيرة لا تطول، بل لا تلبث أن تتبدد بمجرد أن نتذكر أن هذا الشخص وأمثاله المعدودين من القابضين على السلطة الفعلية، هم عماد وأساس البنية التي تولت زمام الجرائم والمجازر طيلة أيام الحرب الأهلية اللبنانية وحكمت بعدها. والتكوين الميليشيوي - الأمني الصرف له ولأقرانه هو القاعدة الحاكمة والناظمة لأفعالهم، ولكل ما يصدر عنهم. ولا حاجة هنا إلى التذكير بكمّ المجازر التي ارتكبها هؤلاء، وشملت معظم الخريطة اللبنانية، بدءاً من الجبل وقراه الآمنة وصولاً إلى الاغتيالات التي طالت مواطنين وقادة... من غير أن ننسى عمليات الخطف والإخفاء والتنكيل التي عنونت لسبت المجازر الأسود في بيروت، وغيرها من المجازر...
والأرجح أنه لولا الخوف والخشية من تكرار مشهد الاستسلام المهين والجبان الذي أعقب مؤامرة ٥ أيار ٢٠٠٨، وتعذر القدرة على إعادة استعطاف سيّد المقاومة اللبنانية والعربية واستحالة النجاح في تكرار اللوذ بطلال أرسلان أو نبيه برّي، ولولا الفرملة الفرنسية، النسبية، والتي لها حساباتها الخاصة البعيدة عن اللحظة، لرأيت الشخص الآنف ذكره يتقدم الصفوف حاملاً بلطته على رأس المبادرين إلى قطع الرؤوس وحزّ الرقاب على مثال أفعاله التاريخية المسجلة ضد سكان الجبل «المخالفين». والشخص الذي كُلف بإعطاء إشارة الهجوم الشامل على «الدولة»، يبدو كأنه المكلف بدور رئيس أركان حرب «المستعربين اللبنانيين» وهو يحاول، اليوم، ومن بعد تعذر المحاولات المباشرة وغير المباشرة، منذ تحرير العام ٢٠٠٠ وانتصار تموز ٢٠٠٦، الوصول إلى تحقيق حلم أسياده التاريخيين في كسر لبنان وتجريده من عناصر قوته الفعلية المتمثلة في المقاومة وسلاحها الذي بات كابوساً استراتيجياً ثقيلاً على قادة الثكنة الاستعمارية المزروعة في قلب المنطقة ورعاتها العضويين وغير العضويين، ومهدداً حقيقياً لوجودها الذي يتعذر استمراره يوماً بعد آخر، ربطاً بأسباب القوة والخبرات الاستراتيجية والتكتيكية التي أمكن للمقاومة مراكمتها.
ولقد كشف تسارع الأحداث والمواقف المتتابعة الصادرة عن الكتيبة السياسية والإعلامية المموّلة بالدولار النفطي والغازي، والتي تتابع التحريض الطائفي والفتنوي، أن الخطة التي انطلق تنفيذها بعد أقل من ساعة على وقوع الكارثة التي ضربت مرفأ بيروت هي في الأصل الخطة التي كانت معدّة لملاقاة القرار الدولي، وكانوا بصدد الشروع في تنفيذها بالتزامن مع إعلان ما يسمى «المحكمة الدولية» للحكم النهائي في قضية مقتل رفيق الحريري، فكان توزيع الأدوار وإسناد المهمات وتحديد الساعة الصفر، إلا أن وقوع الحادث المفاجئ دفع بمشغليهم إلى الإيعاز بضرورة المسارعة والبناء على الفرصة التي لاحت.

أحطّ أنواع الوعي هو ذلك الذي نظّر لقوة لبنان في ضعفه، أو ذاك الذي رأى في السرّية المصرفية عنوان فرادة وتقدم


يبقى أن الفصول التي تتوالى تحريضاً صريحاً ودعوات إلى العنف أصرح مع ما يتزامن معها من مواقف مشبعة بالحقد والغرائزية لا تترك مجالاً للشك بأن اللبنانيين مدعوون، شاءوا أم أبوا، إلى الوقوع في حفرة الموت الجماعي التي يترصدهم بها أمراء الطوائف.
لم يسبق للبلاد أن كانت على هذا القدر من التخلّع. وفي الوقت الذي يجري فيه تقاذف المسؤولية بين «حكّام» البلد أنفسهم، تنحسر فرص «الإنقاذ» وتتضاءل. فالمسؤولون الحقيقيون عن وصول البلاد إلى ما وصلت إليه من انهيار وضيق وعوز مالي واقتصادي توّجها انفجار المرفأ، يبذلون جهدهم لتحميل الفقراء وزر سياساتهم وأفعالهم الإجرامية، وكيف لا يفعلون وقد ضمنوا ما يمنع عنهم المساءلة ومعها المحاسبة. فرأس الكنيسة المارونية، المؤتمن على كنيسة الفقير الأكبر، بشارة الراعي، قد هبّ وانتفض ليس دفاعاً عن حقوق الناس ولا عن الحقوق الوطنية والقومية بل عن المدعو رياض سلامة وما يمثله من أداة تنفيذية مسؤولة، وتالياً، عن مجمل المنظومة التي كانت أوكلت إلى سلامة مهمة السهر على نهب الناس وتبديد الدولة خدمة لمصالحها الأخطبوطية. وما يسمى «لجنة المال والموازنة النيابية»، نجحت بفضل جبن الحكومة المستقيلة وتراخيها، وألاعيب المدعو إبراهيم كنعان وبهلوانياته، بالنيابة عن مشغليه من أصحاب المصارف، في ضرب أي محاولة ولو بائسة للنيل من وحدانية القرار المحتكر من قبل المنظومة السياسية والمالية المتعددة الرؤوس، الطائفية والمذهبية، التي ولّيت حكم البلد والسيطرة على مقدراته، بعيداً عن القوانين التي سنّتها بنفسها.
على المقلب الآخر، وكما هي العادة مع الوعي القاصر والفهم المنقوص، وبعيداً عن البلاهات الثورية الضاربة أطنابها، تجدر الإضاءة على مسؤوليتنا كجمهور عن الوصول إلى ما وصلنا إليه من تخلّع الدولة وتهتك نسيجنا الاجتماعي نتيجة لصمتنا المديد. فالجمهور اللبناني (غالبيته!) يواصل سيرته السابقة على انفجار الأزمة. وبدلاً من التواضع (المنبوذ من قاموسهم) والأخذ بدروس الماضي (أقله القريب) ومراجعة النفس وتبيّن حجم ومستوى المسؤولية المؤكدة عن المآلات الكارثية التي توقعها غير عاقل وحذر منها، ها هم يعاودون مهنتهم الأثيرة في التعميم الأبله، وتالياً التنصّل من مسؤوليتهم عمّا حلّ بهم. وكأن ما أصاب البلد لا يعدو أن يكون فعلاً تآمرياً قام به الحاسدون والطامعون، أو اعتباره بمثابة حادث طبيعي تسببت فيه عوامل الطبيعة واختلالاتها. والأنكى ممّا سبق أن هذا الجمهور، الذي لا يختلف عن حكامه، إلا في قلة الحيلة، لا يتوانى، رغم الوقائع المخالفة، عن ادّعاء البراءة وتصوير نفسه كضحية لغدر الآخرين. والمفارقة الأكبر أن كل ذلك يحصل استناداً إلى ثقة صادمة بالنفس، واتهام قاطع ضد الآخر (الغريب!).
وانسجاماً مع السياق الناظم هذا، وربطاً مع فائض الأزمات التي تضرب ذات اليمين وذات اليسار، وفيما يتابع جمهورنا العظيم لعبته الأثيرة في التنصّل ممّا جنته أيديه، والتنصّل من المسائل العابرة للانقسامات التي تشكل واحدة من هويات الاجتماع اللبناني، تتواصل المشاهد المقززة التي تعرض ليأس هذا أو ذاك من الأفراد، أو لـ»ثورية» هذا المراهق أو جرأة تلك المعتوهة.
حين اتفق مجرمو الحرب الأهلية اللبنانية على شطب المسؤوليات وفبركوا قانون العفو العام، لم يأتوا بجديد يخالف الاجتماع اللبناني القائم على الجريمة الأساس التي اصطنعت الكيان ومدّته بأسباب الحياة القائمة على الكذب والنفاق وفساد الأخلاق، بل هم اكتفوا بأن ترجموا ما ينطوي عليه هذا الاجتماع من عناصر فحسب.
لقد شهد لبنان، في الماضي، أنواعاً كثيرة من انحطاط الوعي. وأحطّ الأنواع هو ذلك الذي نظّر لقوة لبنان في ضعفه، أو ذاك الذي رأى في السرّية المصرفية عنوان فرادة وتقدم. أما أحطّ أنواع الوعي الراهن، فهو ذاك الذي يروّج لتبرئة النفس مرفقاً التبرئة بالإصرار على الترداد الببغائي لزجليات الرسالة والفرادة، وغيرها من الشعارات الفارغة التي لا تفعل غير تسميم العقول، وزاد عليها انسياق «ثوار» اللحظة الأخيرة خلف حفنة المجرمين التي تتولى قرع طبول الحرب من جديد، بحجة الانتقام أو الثأر، على ما دعا إليه شخصنا الوارد ذكره أعلاه.
المؤسف والمحزن أن الشعب الذي صدق أطروحة العظمة يواجه واقعاً مخالفاً. وبلد «الرسالة» و»أرض المرسلين» يعجز عن الاتفاق على أدنى ما يمكن الاتفاق عليه للخروج من هذا المأزق الذي يحتاج إلى إعمال العقل والحزم. وها هو اليوم مرة جديدة يصدق حفنة التجار أنفسهم الذين يريدون لمصالحهم أن تستمر ولو انهار البلد.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا