يُسحَب لبنان تدريجياً نحو ممرّ خطِر، وسطَ إصرار أميركي - إسرائيلي على أن تكون المفاوضات غير المباشرة مع العدو على ترسيم الحدود البحرية هي سقوط آخر ستار فاصِل، لتُصبِح بيروت وكأنها انضمت الى ركب المطبّعين، عبرَ القبول بمحادثات ذات طابع سياسي.

تتكشّف الأدلة على ذلك، الواحد تلوَ الآخر. رمَت تل أبيب مساء أول من أمس صنارتها، عبرَ الإعلان عن الوفد الذي سيمثلها على طاولة المفاوضات في الناقورة، ليتبيّن بأنها رفعت مستوى التمثيل من عسكري - تقني، إلى سياسي من الوزن الثقيل، إذ سيضمّ الوفد المستشار السياسي لرئيس حكومة العدو، رؤوفين عازار، ورئيس المنظومة السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ألون بار. وعازار ليس مستشاراً وحسب، بل هو يرأس شعبة السياسة الخارجية في رئاسة حكومة العدو، التي تنسّق التخطيط السياسي الإستراتيجي في مجلس الأمن القومي لمصلحة «السلطة السياسية» الإسرائيلية. فكيف سيتعامل لبنان الرسمي مع هذا الأمر؟ هل على طريقة «أخذ العلم» به والتكيّف معه؟ أم سيقف بالمرصاد ضد إصرار العدو الإسرائيلي على جرّ قدم لبنان إلى الفخّ؟
الأمر صارَ في عهدة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. هذا ما قاله رئيس مجلس النواب نبيه برّي يومَ أعلن اتفاق الإطار من عين التينة، مؤكداً انتهاء دوره، وانتقال المسؤولية إلى الرئاسة الأولى وقيادة الجيش. وهو ما ثبّته عون بالإشارة إلى تسلّمه المفاوضات وفقَ ما ينصّ عليه الدستور. مصادِر «بعبدا» أشارت إلى أن موضوع الوفد «قيد النقاش»، وأن الرئيس عون «بدأ مشاورات في هذا المجال، وسيتحدث إلى قيادة الجيش». المصادر نفسها أكدت أن «لا قرار بشأن الوفد الإسرائيلي، فنحن لم نتبلغ من الأمم المتحدة أي شيء رسمي، كما لم تتبلغ منا أيضاً لأن الوفد اللبناني لم يكتمل بعد». وبينما أكدت مصادر الجيش بأن «القرار هو حصراً بيد رئيس الجمهورية»، أشارت إلى أن «القيادة تقوم بالتحضيرات الروتينية، لجهة تجميع المعلومات عن وفد العدو، وتحضير الخرائط وكل ما يحيط بالملف».
في هذا الإطار، جرى التداول بمعلومات عن تعديلات سيجريها لبنان على الوفد الذي سيمثله، رداً على الاستفزاز الإسرائيلي. علماً أن الرئيس عون كان قد حسم أسماء أعضاء الوفد، وهم: العميد الطيار بسام ياسين (نائب رئيس أركان الجيش للعمليات)، إضافة إلى كل من: العقيد الركن البحري مازن بصبوص، الخبير في المفاوضات الحدودية نجيب مسيحي، ورئيس هيئة إدارة قطاع البترول وسام شباط وعدد من الخبراء. لكن المثير للغرابة، هو ميل بعض الجهات إلى توسيع الوفد ليضمّ شخصية دبلوماسية تمثل وزارة الخارجية، مع أن الاتفاق اللبناني كانَ ينصّ على مفاوضات تقنية. وقد علمت «الأخبار» أن الاختيار وقع على هادي هاشم، مدير مكتب وزير الخارجية. لكن «ميزته» الأساسية هي في أنه كان مدير مكتب الوزير جبران باسيل، وكان ولا يزال مستشاراً له وقريباً منه، إلى حد أن باسيل عطّل مناقلات «الخارجية» لأجله. لكن المسألة ليست في قرب الهاشم من باسيل أو غيره، بل في أن ضمّه إلى الوفد اللبناني هو كمن يُلاقي العدو في منتصف الطريق، وإن عن غير قصد. فهل هذه مسايرة للوسيط الأميركي؟
أمرٌ آخر لوجستي يجب على لبنان أن يقف عنده، وهو جلوس الوفدين في غرفة واحدة. صحيح أنهما لن يتبادلا الحديث بشكل مباشر، لكن على لبنان أن يكرّس فكرة التفاوض غير المباشر، وأن يتمسك بصيغة لجنة نيسان ١٩٩٦ التي تُعد هذه المفاوضات امتداداً لها، لقطع الطريق على «الوسيط» الأميركي والعدو الإسرائيلي، ومنعهما من استغلال مفاوضات تقنية وتحويلها إلى انتصار سياسي لهما.

مصادر بعبدا: الرئيس عون يدرس القضية والأمر «قيد النقاش»


مصادر رفيعة المستوى في فريق ٨ آذار أكدت أن «التجرؤ الذي نشهده قبل موعد الجلسة الأولى من المفاوضات غير مقبول». وفي المقابل فإن «الكلام عن ضمّ شخصيات غير تقنية وغير عسكرية إلى الوفد اللبناني أمر غير بسيط على الإطلاق، فنحن بذلك نؤلف وفداً سياسياً فضفاضاً يوازي الوفد الإسرائيلي، ولا يجوز السكوت عن ذلك».
يعود عمر ملف الترسيم عشر سنوات إلى الوراء. عقد من الزمن، تصدّر فيه هذا الملف الواجهة أحياناً ونام في الأدراج أحياناً أخرى. أكثر من موفد أميركي تسلّموا مهمة التفاوض مع لبنان، وفشلوا جميعاً في انتزاع تنازلات تتناسب والمصلحة الإسرائيلية، بعدَ أن رفض لبنان كل الطروحات التي أتت إما ترغيباً أو ترهيباً، قبل أن ينجح في فرض إطار التفاوض الذي يُريده لبنان، وأهم ما فيه التفاوض غير المباشر برعاية الأمم المتحدة، والتلازم بين البرّ والبحر، وهما نقطتان كان العدو الإسرائيلي يرفضهما بالمطلق. فهل تضيع جهود السنوات الماضية في أسبوعين؟ على رئيس الجمهورية تدارك الأمور، وإلا فإن هذه «الشكليات» بما تحمله من دلالات رمزية ستتراكم أمام أيّ تهاون لبناني، فيحصل العدو على ما يريده على طبق من فضة!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا