فيما كان الرئيس سعد الحريري يستقبل الوزيرين جبران باسيل والياس بو صعب في باريس أمس، كانت كتلة المستقبل النيابية تعلن تأييدها ترشيح سمير جعجع لرئاسة الجمهورية. يمكن عدّ موقف الكتلة واحداً من مواقف المجاملة بين تيار المستقبل وحليفه حزب القوات اللبنانية. لكن ربطه بما جرى قبله بين الحليفين، وبما تسرّب بعده من اجتماع باريس، يتيح الجزم بأن التقارب بين الحريريين والعونيين وصل إلى حائط مسدود رئاسياً. هذا الاستنتاج تجاوز التقديرات، إذ يتحدّث به مسؤولون في قوى 14 آذار عموماً، وتيار المستقبل خصوصاً، بصفته محسوماً لا جدال فيه. تقول مصادر التيار الأزرق، وأخرى من فريق 14 آذار، إن الرئيس الحريري أبلغ حلفاءه وعدداً من أعضاء فريق عمله أن أمره الرئاسي بات محسوماً، وأنه لن يرضى بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. وبحسب المصادر، حرص الحريري على إبلاغ حلفائه بهذا الموقف قبل استقباله باسيل، مؤكداً لهم أنه سيواصل التشاور مع عون، لكن ليس على قاعدة وصول الأخير إلى قصر بعبدا.


بعض مسؤولي المستقبل حرصوا على نشر هذه المعلومات، مضيفين أن الحريري طمأن جميع حلفائه إلى عدم فك تحالفه معهم. مصادر نيابية مقرّبة من الحريري ربطت هذا الموقف بأمرين: الموقف السعودي الرافض لوصول عون إلى الرئاسة؛ وزيارة الوزير باسيل الأخيرة للعاصمة الروسية موسكو وحديثه عن النفط والغاز وتسليح الجيش هناك. وتقول المصادر إن المفاوضات التي كانت تُجرى بين التيارين في شأن النفط والغاز «لم تصِل إلى أي مكان». كذلك تكشف المصادر عن انزعاج الحريري «من المؤتمر الذي عقده الوزير باسيل في روسيا مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، تحديداً عندما عرض على روسيا شراء النفط والغاز من لبنان». وأشارت مصادر المستقبل إلى أن «النفط والغاز ليسا زيتاً يمكن عرض شرائه على أي كان». ومن الأمور التي أزعجت الحريري، كما تقول المصادر، «حديث باسيل في روسيا عن إمكانية تقديمها مساعدات للجيش اللبناني». ومن جهة أخرى أكدت المصادر أن «التقارب الأميركي ـــ الإيراني بات في خواتيمه، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على كل المنطقة، بما فيها العلاقة مع حزب الله»، مشيرة إلى أنه «حين توضح الصورة ستصبح الاتصالات بين المستقبل وحزب الله أي الأصيل مباشرة، لذا لم نعد بحاجة إلى وكيل بيننا».
في المقابل، استغربت مصادر التيار الوطني الحر الحديث الذي يشاع عن تراجع الحريري عن موقفه الإيجابي تجاه الجنرال عون. وأكدت المصادر أن «اللقاء الذي جمع الحريري وباسيل أمس أكثر من خمس ساعات في باريس، يدحض كل هذه التسريبات التي لا أساس لها من الصحة». ولفتت المصادر إلى أن «من يلجأ الى إشاعة هذه الأجواء السلبية هو جناح الرئيس فؤاد السنيورة داخل تيار المستقبل، لأنه الوحيد المنزعج من التقارب الحاصل»، والدليل ما «صدر أخيراً على لسان نواب مقربين منه». وأكدت المصادر أننا «في التيار الوطني الحر لم نعلن يوماً أن هذا التقارب سيؤدي إلى تبنّي الجنرال عون رئيساً للجمهورية، ونحن سبق أن قلنا إن الاتصالات تجري بشأن العديد من الملفات الداخلية»، مشيرة إلى أن «ما يقوم به بعض المستقبليين هو رسالة للرئيس سعد الحريري من قبل البعض في تياره».
وعشية الجلسة الثانية لانتخاب الرئيس الجديد أكد رئيس المجلس نبيه بري أن كتلته النيابية ستحضر، ولن تشارك في إفقاد النصاب تأكيداً لما قاله قبل انعقاد جلسة 23 نيسان، وهو «أن كتلة التنمية والتحرير تكون أول من يحضر الجلسة وآخر من يغادر»، ولفت إلى أنه سينتظر اكتمال النصاب القانوني نصف ساعة، حتى إذا تيقن من عدم التئامه رفع الجلسة إلى موعد لاحق.

لم يخفِ بري قلقه
من استمرار إفقاد النصاب ما يوصل البلاد الى ايام قليلة تسبق 25
ورغم أنه لم يحدد الموعد التالي، مؤكداً أنه ينتظر ما قد يستجد في جلسة اليوم، قال بري إن أمامه موعدين محتملين لجلستين أخريين، فإذا لم يكتمل نصابهما، لن يقف عندئذ موقف المتفرج وحصر دوره بتحديد مواعيد الجلسات، بل سيبادر إلى التحرك، من موقع مسؤوليته رئيساً للمجلس، في محاولة لإخراج الاستحقاق من مأزق. مع ذلك، لم يخف قلقه من استمرار إفقاد النصاب، ما يوصل البلاد إلى أيام قليلة تسبق 25 أيار، وهو موعد نهاية المهلة الدستورية. وقال: «المعطيات المتوافرة حالياً تشير إلى أن لا توافق بعد على الرئيس الجديد، وتالياً لن يكتمل نصاب الثلثين». وأوضح أنه لم يتلق بعد معلومات عن نتائج اجتماعات باريس بين الرئيس الحريري والوزير باسيل، وقال: «إذا حصل أمر إيجابي أو اتفاق، فإن ترجمته ستستغرق بعض الوقت ريثما يتولى كل من الفريقين ترتيب الاتفاق لدى حلفائه. لكن لا شيء ملموس حتى الآن بعد. ما إن يحصل أي اتفاق ينتخب الرئيس في غضون يومين حداً أقصى».
وهل لمس تحركاً خارجياً حيال الاستحقاق؟ قال رئيس المجلس: «كنت أبلغت إلى السفراء الذين التقي بهم ضرورة الحرص على اللبننة التي أتمسك بها، وبعض المواقف التي تصلني من الخارج مباشرة من السفراء أو على نحو غير مباشر تؤيد هذا التوجه. تبلغت مثلاً من الأميركيين موقفهم من الانتخابات الرئاسية اللبنانية، وهو أنهم ليسوا مع مرشح ضد آخر، ولا يضعون فيتو على أي مرشح، ومع إجراء الانتخابات في موعدها».
على صعيد آخر، دار سجال بين نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري ووزير الصحة وائل بو فاعور. ففي تصريح له قبل ظهر أمس، استبعد مكاري إمكان حصول توافق بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر. إلا أنه رأى أن «الحسنة الوحيدة لتوافق المستقبل والوطني الحر هو إلغاء دور رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط كبيضة قبان بين الأكثريتين في البرلمان».
وردّ بو فاعور على مكاري ببيان أكّد فيه أنه «لم تفاجئنا محبّة نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري لنا، كما لم يُفاجئنا حجم ضيقه من دور رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، الذي يشهد له الجميع بأنّه ساهم إلى حدٍّ كبير في حفظ السلم الأهلي وتغليب الخيارات الوفاقية وحماية الاستقرار». ولفت إلى أن «هذا الدور لجنبلاط يكفينا أن يقدّره العقلاء، ولا يغيظنا أن لا يفقه معناه من شحّت بصيرته وقصُر نظره في رؤية الأمور».