لا يحتاج السياسيون في لبنان إلى مواد لزيادة الحريق القائم. لكن، مع قرب الاستحقاق الرئاسي، تبدو الجهات اللبنانية العاجزة عن إدارة نقاش للتفاهم حول هذا الأمر، أقرب إلى مناخ التوتير السياسي العام الذي يواكب عمليات شد العصب الطائفي، كما حصل مع الاستعدادات للانتخابات النيابية. ويحسن السياسيون في لبنان استخدام أي حدث، عادي أو غير عادي، في هذه المعارك. وهو ما بدا واضحاً في قضية المطران موسى الحاج.

صحيح أن زيارات المطران إلى فلسطين المحتلة ليست جديدة. لكن الصحيح، أيضاً، أن جهات قضائية معنية لفتت انتباه المطران نفسه إلى ضرورة التنبه من استغلال العدو للأزمة الاقتصادية في لبنان واللعب على ملف المساعدات بما يخلق مشكلات لا يقصدها المطران نفسه. وهذا ما جعل الأمر يتفاقم بعدما تبين أن ما يسمى بـ«دعم الأهل في فلسطين لإخوتهم في لبنان» قد تجاوز المنطق، وبعدما أظهرت تحقيقات أمنية أن بعض هذه «المساعدات» تشق طريقها لتصل إلى أشخاص يعملون مع العدو لأهداف سياسية. وهذا ما رفع مستوى الضغط والنقاش عند الجهات القضائية والأمنية، بالتالي كان منطقياً بالنسبة إلى هذه الجهات أن يجري التحقيق مع المطران عند دخوله إلى لبنان.
لكن، وكما في كل ملف قضائي، لا يترك الأمر في إطاره التقني. هكذا، حصل استنفار سياسي واسع جعلت أصل سؤال المطران عما يقوم به وعما يحمله معه، وكأنه خطأ وجبت إدانة من قام به. ولجأت جهات سياسية، قريبة أو بعيدة من بكركي، إلى استخدام الحادثة لتصوير الأمر وكأنه استهداف للبطريركية المارونية وللمسيحيين. علماً أن التحقيقات تشير بوضوح إلى أن المطران الحاج سبق أن أبلغ الجهات القضائية والأمنية أنه يحمل معه أموالاً لا تخص رعيته فقط، بل تخص أبناء طوائف أخرى، ولم يزعم الرجل بأن دوره يقتصر على توفير دعم للمسيحيين.
عملياً، يتضح من سياق الحملة السياسية القائمة أن في لبنان فريقاً يريد اعتبار التطبيع مع العدو أمراً عادياً وكأنه يتماهى مع خطوات التطبيع القائمة مع بعض الدول العربية. كما أنه يريد إثارة استنفار سياسي على خلفية طائفية بقصد استثمار المناخ في سياق التحشيد لمعركة الرئاسة. وثمة من يريد النفخ في نار الفتنة بالتلطي خلف الكنيسة المارونية، وهو أمر لا يهدف سوى إلى منح بكركي نفوذاً إضافياً في معركة الرئاسة بعدما أظهرت الانتخابات النيابية أن القوى الطامحة للرئاسة لا تملك القوة الكافية، لا مسيحياً ولا وطنياً، للوصول إلى مبتغاها.
وإلى ذلك، ثمة نشاط مفتوح لجماعة الفريق المعادي للمقاومة، والذي يدعي من جهة حرصه على السيادة ويرفض «احتكار» المقاومة صفة معاداة إسرائيل، فيحاول استخدام حادثة المطران الحاج لشن هجوم على حزب الله واتهامه بالسعي إلى النيل من صورة الكنيسة وصدقيتها. مع العلم أن حزب الله لا يزال متمسكاً بالسياسة التي أطلقها منذ أيام التحرير قبل 22 عاماً والقائمة على ترك ملف التعامل مع العدو للقضاء المعني، وظل متمسكاً بهذه السياسة على رغم «التهاون المستمر» في التعاطي القضائي والأمني الرسمي مع العملاء، خصوصاً أن لبنان يشهد منذ ستة شهور فصلاً جديداً من المعركة الأمنية المفتوحة في مواجهة «اجتياح استخباراتي» إسرائيلي للبنان.

في لبنان فريق يريد اعتبار التطبيع مع العدو أمراً عادياً وإثارة استنفار سياسي على خلفية طائفية لاستثماره في معركة الرئاسة


وفيما تواصلت أمس حملة التجييش الطائفي على خلفية التحقيق مع الحاج واستهدفت الرئيس ميشال عون، خصوصاً من نواب القوات اللبنانية، ولم تستثن حزب الله، علمت «الأخبار» أن عون سيستقبل اليوم المطران الحاج مع موفد من الراعي.
واعتبر رئيس التيار المرده ​سليمان فرنجية​ بعد لقائه الراعي في الديمان أن «هناك طابوراً خامساً في قضية المطران موسى الحاج»، لافتاً إلى أن «القضاء اليوم في لبنان مسيّس والمشكلة أن القاضي أصبح يخضع للترهيب السياسي والإعلامي». ودعا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي «المعالجة الهادئة» للقضية بعيداً من الضجيج، مشدداً على «أن احترام المؤسسات في هذا الظرف الصعب فوق كل اعتبار، ورافضاً «الاستغلال الإسرائيلي لمقام رجال الدين في محاولة تهريب الأموال لمآرب سياسية». ورأى شيخ عقل ​طائفة الموحدين الدروز​ الشيخ ​نصر الدين الغريب​، في بيان، «أننا نرفض أيّة علاقة مع العدو الإسرائيلي مهما كانت الأسباب والذرائع والدوافع».