الوقائع الصلبة المتصلة بالأزمة السورية تقول اليوم إن إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد تعني قدرة خصومه على اغتياله. غير هذه الفرضية، يبقى كل شيء في إطاره النظري. المعارضات السورية للنظام ليست في وضع يؤهلها لوضع برنامج عمل مشترك. القيادة السياسية والمالية والأمنية المتروكة لأطراف خارجية، تعكس الأزمة البنيوية التي لا فكاك للمعارضة منها إلا بموقف عملاني رافض للتعاون مع جهات عربية وغربية لا تريد سوريا قوية.

وإذا كانت الفترة الماضية قد شهدت الموجة الأعنف من الاعتراض، وما رافقها من حرب إقليمية ودولية لإطاحة الأسد، فإن فشلها في تحقيق النتيجة، دفعها إلى المربع الثاني، الذي يقوم على حرب استنزاف مفتوحة، وشاملة لكل أنواع الأسلحة. من الحصار الاقتصادي والمالي المفتوح، إلى إضعاف قدرات دولة مترهّلة أصلاً، وصولاً إلى دعم النشاط المسلح ضد الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية. وهي حرب تستند إلى تعبئة مذهبية وطائفية لا سابق لها، وستكون نتائجها بطيئة التراكم، لكنها نوعية النتائج، لناحية الفرز الأهلي الأكثر خطورة على تماسك أي مجتمع في العالم.
لنفترض أن السوريين المعارضين للنظام لا يريدون إعادة النظر في برامج عملهم، أو لنفترض أن لديهم قراءة مختلفة للوقائع، ما يدفعهم إلى البقاء في المكان الذي هم فيه الآن. لكن، هل يمكن مطابقة حسابات الآخرين، من قوى ودول وشعوب على حسابات هذه المعارضة؟ وبالتالي، هل صحيح في السياسة، كما في الأخلاق، أن تترك الأمور بإدارة من أثبت فشلاً ذريعاً في إدارة أخطر الأزمات الوطنية التي تواجهها سوريا منذ زمن بعيد؟
داعمو مشروع إطاحة الأسد، ينطلقون في مقاربتهم للأزمة السورية من مبدأ استحالة التعايش مع الحكم الموجود الآن في دمشق، وأنه غير قادر على تلبية موجبات تطوير سوريا وحفظ استقرارها وسلمها الأهلي ومصالحها القومية. يتصرف هؤلاء على أساس أنهم قوى عظمى، أو أنه بمقدورهم قلب الطاولة ساعة يشاؤون، أو أنهم يقدرون على مدّ المعارضة السورية ــــ على اختلاف أطيافها ــــ بما تحتاج إليه من أدوات في هذا الصراع. لكن هؤلاء ينسون أنهم خارج دائرة التأثير الفعلي، وأن الأدوار الوحيدة المتاحة لهم، هي أشبه بأدوار «الكومبارس» لا أكثر ولا أقل. وكل ما يقدرون عليه، مجرد إطلاق مواقف وبيانات ومقالات وخلافه من أدوات الحرب عبر شاشات البلازما... وإذا وجد هؤلاء أن أضعف الإيمان عندهم إعلان موقف من زاوية أخلاقية، فهم أحرار؛ لأنه ليس بمقدور أحد منعهم من هذا الحق، لكن قد يكون من الضروري لفت انتباه اللبنانيين إلى أن الحرية التي يتغنّون بها والتي تتيح لهم قول الكثير، لا معنى لها في غياب القدرة على تحويلها إلى قوة مساءلة أو محاسبة. وهذا هو مرض «الحرية في لبنان».
الواقعية السياسية تفترض التعامل مع المرحلة، الآن، على أساس تلبية متطلبات مرحلة «ما بعد بقاء الأسد»، لا مرحلة «ما بعد رحيل الأسد». وإذا كان هؤلاء يريدون لنا بعد سنوات أو عقود أن نقرّ لهم بأنهم توقعوا لنا، قبل أربعين سنة، رحيل الأسد، فلهم ذلك. لكن، ليتعاملوا مع عقولنا بشيء من الجدية، وليتوقفوا عن هذا السيل من المزاج السمج، وخصوصاً عندما يذهب الحديث بعيداً عن التغيير الديموقراطي الكبير الذي ينتظرنا. وهو حديث افتراضي، يشبه بيانات «الإخوان المسلمين» وتعهداتهم. هذا التنظيم الذي يسيطر مناصروه على المشهد الشعبي في غالبية الدول العربية اليوم، لكنه التيار الذي يمارس سلوكاً شبيهاً جداً بسلوك القوى الشيعية العراقية التي تمسك البلاد هناك منذ عقد إلى الآن، وكل همها الانتقام من سنوات الإقصاء التي عاشتها في السجون أو المنافي.
أليس هذا هو واقع الإسلاميين هؤلاء اليوم، حيث نراهم يتبنّون سريعاً ألعاب الحكومات التي انقضّوا عليها؟ من تونس حيث بدأت «عائلة النهضة» تستولي على المناصب واحداً تلو الآخر، في المرافق السياسية والاقتصادية، إلى مصر حيث يختصر الإخوان المشهد النيابي والدستوري والرئاسي بفرضية «نحن أو لا أحد»، إلى ليبيا التي ترك أمر حكم الشريعة الإسلامية فيها للقبائل، فصارت الدولة بكل ما فيها، أو بكل ما كان فيها، متروكة لوحوش الميليشيات، ومن خلفهم عصابات القتل الأميركية والفرنسية والبريطانية، وحشد من الانتهازيين العرب والأجانب. أما في اليمن، فالمشكلة أن الإسلاميين لا يرسون على برّ يفيد الآخرين في كيفية التعامل معهم، بينما يعقدون تسوية سياسية في المغرب والأردن، ويحاولون «رد الرجل» في الجزائر الآن. أما في بلاد الشام، فلم يظهر لنا منهم، حتى الآن، سوى العنف المكتوم الذي شاهدنا بعض فصوله الدموية في الأزمة السورية، بينما نشهد فصوله الكلامية المفتوحة في لبنان... وما بقي في العالم العربي، يمكن اختصاره لمن يرغب بتجربة هؤلاء على أنواعهم في العراق تحت الاحتلال وبعده، بينما تستقر الوهابية على «أم المعارك في دول الجزيرة العربية».
مبروك لثائري الطقس العربي بكل فصوله. هذا الحشد من الانتهازيين والقتلة وعملاء الاستعمار الذين ينتشرون في أروقة الحكم وعوالم المال والإعلام الآن.