فتح وليد جنبلاط الباب واسعاً في معركة قانون الانتخاب قبل الدخول في مرحلة الانتخابات نفسها، وحتى قبل التيقن من ان الانتخابات النيابية ستأخذ طريقها الى الواقع في العام 2013، او انها ستصطدم باستعصاء محلي يحيلها الى تأجيل او تمديد للمجلس الحالي. وليد جنبلاط عبّر منذ اللحظة الاولى عن رؤيته الفعلية لما يحاول خصمه تنفيذه: الغاء له ولدوره، وقال ان المواجهة ستكون: اما ان نكون او لا نكون.


لا شك في ان موقف جنبلاط هذا خطابي اكثر منه واقعياً او مبنياً على قراءة هادئة لما يجري حوله من طرح للنسبية او رسم للدوائر الانتخابية وتقسيم المقاعد، ما بين مقاعد منتخبة بالنسبية واخرى بالدوائر الصغرى او خلاف ذلك. موقف جنبلاط يأتي من ضرورة تعبئة جمهوره المذهبي وتنبيهه الى ان زمن العقاب من سوريا قد حان، وان اقرار قانون انتخاب لا يضمن له الحصة نفسها من المجلس النيابي يعني ان العقاب قد حلّ، وان حجم تمثيل طائفته (التي يقودها هو، بغض النظر عن امكانية تعويض المقاعد لمصلحة اطراف درزية اخرى) قد بدأ بالتقلص وصولاً الى الغاء فاعلية الطائفة الصغيرة في النظام اللبناني، وتحويل دورها الى ما يشبه دور الطائفة العلوية، المقاربة بالعدد للموحدين الدروز.
ولبدء معركة الحفاظ على موقع الطائفة، اشار جنبلاط الى من يرفضون الوسطية، عانياً طبعاً حزب الله، وبدأ باستعادة خطابه السابق، لناحية السلاح ودوره وموقع حزب الله، وعتب على الحزب لخروجه عن اتفاق الدوحة، مع اشارة الى السلاح (مجدداً) ما يمكن ان يقود جنبلاط من جديد الى الخطاب الاعنف ضد الحزب في حال استمر ميشال عون بخطابه المطالب بالنسبية.
هي المعركة نفسها التي يخوضها ميشال عون الآن. ليس من المهم ان نصل الى الانتخابات، او الاوضاع الامنية في البلاد، ولا معالجة اي من الملفات العالقة في البلد، فكل الاطراف السياسية عملياً غير معنية بدفع اي ثمن مقابل ولاء المواطنين السياسي لها، لا على المستويات المعيشية او الخدمية العامة فضلاً عن التنموية. المهم الوصول الى البرلمان بأكبر كتل ممكنة، وهذا هو صراع الحياة او الموت بالنسبة إلى الاطراف الاقلوية في النظام، وقد اصبح ممثلو الطوائف المسيحية مسكونين بالهاجس نفسه.
ميشال عون يرى في النسبية وسيلة افضل لتجميع قواه واصوات ناخبيه، مقابل ادراكه لحجم تراجعه الشعبي، وهو تراجع لا علاقة له بدهاء القوات اللبنانية، وقدرتها على استقطاب الشارع المسيحي، او الشباب الجامعي، بل بأداء ميشال عون وتكتله النيابي ووزرائه، خاصة مع اصطدامه الدائم بتحالف مضاد هو تحالف وليد جنبلاط ونبيه بري، مضافا اليهما نجيب ميقاتي وميشال سليمان.
فها هو عون يستخدم كل اساليب الاقناع في خطابه «لبنان القوي لبنان الاقوى» ليقنع الشارع المسيحي بصحة خياراته، وها هو يكتشف الزرقاوي في العراق، والاخوان في سوريا وباقي الدول العربية، مثيراً في نفس جمهوره المسيحي عقدة الاضطهاد قبل ان يقع الاضطهاد، بعد ان كانت المارونية السياسية الى زمن قريب توزع على مناصريها عقدة جنون العظمة قبل ان تقود كل البلاد الى الجنون المطبق. وكل ذلك من اجل ضمان الوصول الى قانون انتخابي على قاعدة النسبية.
سيكون من الصعب تجاوز وليد جنبلاط وميشال عون، هواجس الاول ومتطلبات الثاني، وسيكون من العسير اجراء انتخابات من دون الخضوع لكلا الطرفين، اذ إن تفجير البلاد برمتها يحصل عادة عبر تجاوز فئة دون هزمها عسكرياً، ففي لبنان لا بد من التقاتل ان اردنا تجاوز طائفة او اكثر من مكونات البلاد، اما الوصول الى انتخابات مع اصرار كل طرف على مطالبه، فذلك يتطلب تسوية او تأجيلاً كاملاً للعملية الانتخابية، وبالتالي الاعتراف بعدم قدرة النظام على تجديد نفسه والتعبير عن احتقانه الداخلي عبر صناديق الاقتراع، عدا اختيار الجهة التي ستقوم بادارة البلاد في المرحلة المقبلة، والجهة هنا هي ممثل لقوة خارجية ما، بعد ان استحال على البلاد القيام بادارة نفسها من الداخل العام 1990.
وها هو سعد الحريري يعبّر تماما في الوسط التجاري عن ماهية الانتخابات في لبنان حين يقول: «انتخابات في سوريا تحت إرهاب السلاح، وفي لبنان يريدون أيضا انتخابات وقوانين انتخاب تخضع لإرهاب السلاح. قرارنا أن نواجه هذه المؤامرة على النظام الديموقراطي والمحاولات المتجددة لإلحاق لبنان بالنظام السوري وأدواته»، والمقابل التلقائي لعدم إلحاق لبنان بالنظام السوري (بحسب المنطق الحريري) هو إلحاقه بالغرب الاميركي طبعاً.
بكل الاحوال فإن لحظة التعقد في القانون الانتخابي وصعوبة ايجاد قاسم مشترك للتسوية بين القوى المحلية تتطلب اشخاصاً من طينة خاصة، كرئيس البلاد او مروان شربل، الذي لا شك يحمل في جيبه عدة خيارات من قانون غازي كنعان الى تأجيل الانتخابات لعامين.
املنا بالرئيس ووزير داخليته كبير.