أخيراً، نجحت الاستخبارات الفرنسية في الوصول إلى نهاية سعيدة للدراجين الأستونيين السبعة الذين اختطفوا في 23 آذار الماضي، قرب مدينة زحلة في البقاع، بعد اجتيازهم بنصف ساعة فقط نقطة المصنع الحدودية، قادمين من سوريا الى لبنان على دراجات هوائية.


فالمفاوضات السرية الشاقة (راجع «الأخبار»، عدد 20 أيار 2011) التي تمت مع الخاطفين منذ شهر أيار الماضي حتى أمس، نجحت في تسجيل أكثر من خرق إيجابي لمصلحة فرنسا على حساب لبنان وأجهزته الأمنية، أفضت إلى إطلاق سراح الأستونيين السبعة من دون معرفة الثمن الذي «نقدته» فرنسا، ومن خلفها أستونيا ولبنان، في مقابل الإفراج عن الأوروبيين السبعة الذين تركوا في سهل قرية الطيبة (جنوب بعلبك) قبل ساعات من بدء الجيش اللبناني مناورات عسكرية في «حقل الطيبة». وقالت معلومات أمنية لـ«الأخبار» إن 4 سيارات ذات دفع رباعي تابعة للسفارة الفرنسية تولت فجر أمس عملية نقل الأستونيين السبعة الى بيروت. وسلك الموكب «الدبلوماسي ـــ الأمني» الفرنسي طريق الطيبة ـــ بريتال ـــ شتورة ـــ ضهر البيدر، من دون لفت انتباه حتى الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية العاملة في سهل البقاع، التي فوجئت بعملية الإفراج عن الأستونيين السبعة وعلمت به من خلال وسائل الإعلام. وأحدث ذلك بلبلة في صفوف الضباط اللبنانيين، نتيجة استيقاظهم على حدث أمني جرى قرب أسرّتهم، من دون «حسّ أو خبر». وسريعاً، بدأ تبادل الاتهامات بشأن التقصير الأمني في فشلهم بإطلاق سراح الأستونيين السبعة أولاً، وبشأن العملية الأمنية الفرنسية ثانياً في عقر مربعاتهم الأمنية التي تخرق بين الحين والآخر، إن كان من لصوص السيارات وتجار المخدرات والممنوعات، أو من أجهزة أمنية أجنبية حتى لو كانت صديقة. فالتقصير الأمني اللبناني على مختلف المستويات والأجهزة المتعددة أصبح بعد نجاح الاستخبارات الفرنسية في إدارة مفاوضات طيلة أشهر وتحرير 7 أجانب أوروبيين، تحت خانة «المساءلة» عن أسباب التقصير.
وقالت معلومات أمنية خاصة بـ«الأخبار» إن الاستخبارات الفرنسية أدارت عملية الإفراج عن السبعة من «الألف إلى الياء». وأوضحت المعلومات الخاصة بـ«الأخبار» أن الخاطفين اشترطوا لإيصال عملية إفراجهم عن الأستونيين السبعة، منع أي جهاز أمني لبناني من الدخول على خط المفاوضات المباشرة التي جرت في منزل محايد، قرب بلدة عرسال البقاعية، عبر وسيط لم تحدد هويته أو جنسيته، كان ينقل الرسائل والشروط المتبادلة بين الطرفين، ومنها شريط فيديو لم يبث يظهر السبعة بصحة جيدة. وكشفت المعلومات أن الخاطفين أصرّوا منذ بداية المفاوضات على ترك حرية اختيارهم لزمان الإفراج عن الدراجين السبعة ومكانه، وأن الجانب الأمني الفرنسي وافق على هذا الشرط، بعدما وصلت المفاوضات السرية الى خواتيمها السعيدة التي ترضي الطرفين قبل أيام. وتابعت المعلومات إن الخاطفين حددوا شتورة أو عرسال كمكانين محتملين لإطلاق سراح المخطوفين، من دون تحديد الزمان بدقة، إلى أن أبلغت الجهة المفاوضة عند الخامسة صباحاً (أمس) بأن الأستونيين في سهل بلدة الطيبة. وكشفت المعلومات أن الجانب الفرنسي كان يراهن خلال فترة المفاوضات الشاقة على عامل الوقت و«أطال عمداً عملية التفاوض لإرهاق الخاطفين والتقليل من قيمة شروطهم التي كانت تعجيزية في البداية، وبدأت بالتراجع لاحقاً».
ورفضت المعلومات الأمنية الحديث عن «فدية» مالية دفعت في مقابل الإفراج عن الأستونيين السبعة، مكتفية بالقول: «لا معلومات لدينا عن أموال دفعت. لكن سمعنا أن الخاطفين طلبوا مبلغاً مالياً كبيراً (14 مليون دولار)، لكن لبنان لم يدفع قرشاً واحداً، ولا نملك معلومات عما إذا كانت أستونيا أو فرنسا قد دفعتا الأموال، في مقابل الإفراج عن الرهائن». ونفى المصدر الأمني علمه بوجود «أي دور سوري» في عملية الإفراج عن السبعة، وقال: «لا معلومات لدينا أن الاستخبارات السورية قد ساهمت في عملية الإفراج بشكل أو بآخر، لكن الجهات الفرنسية والأستونية كانت قد أجرت اتصالات سياسية وأمنية مع الجانب السوري، ولم نعلم صراحة بما أفضت إليه هذه الاتصالات التي كانت بعيدة عن الأضواء، ولا نخفي أننا بدورنا أجرينا اتصالات مع السوريين الذين نفوا علمهم بوجود الأشخاص السبعة على أراضيهم أو حتى في مواقع فلسطينية على الحدود المشتركة بيننا». وعن اللغز في تحديد مكان إطلاق سراح الرهائن بعدما كان العمل الأمني منصبّاً على البقاعين الأوسط والغربي، وخصوصاً في مجدل عنجر ومنطقتها، قال المصدر الأمني إن «مكان إطلاق سراح الأستونيين حُدد فجأة للفرنسيين الذين كانوا في البقاع بعد اتفاق مسبق على موعد الإفراج. أما كيف نقل السبعة من مكان احتجازهم الى منطقة الطيبة، فلا معلومات لدينا».
ويقول المصدر: «يوم عملية الاختطاف، شاهد أحد رجال الأمن اللبنانيين موكب سيارات جيب مدنية تعبر مسرعة طريق الدلهمية ـــ حوش حالا ـــ رياق، وحين وصل الى مكان عملية الخطف قرب المدينة الصناعية، ربط بين المشهدين. لكن المعلومات الميدانية كانت تقول لنا إن موكب الخاطفين اتجه من مكان الخطف نحو منطقة مجدل عنجر، وقد عثرنا على أدلة وأوقفنا 3 أشخاص على علاقة بالعملية». وتابع: «لا أخفي أن الخاطفين قد نجحوا في تضليلنا. تركز بحثنا الأمني في مجدل عنجر والبقاع الغربي، حيث توصلنا الى خيوط عدة انقطعت كلها عند رأس مجموعة التنفيذ، وائل ع. وقد استطاعوا نقل السبعة من دون إثارة أمنية وبسلاسة».
السياسيون مبتهجون
وكما في الأمن، كذلك في الأوساط السياسية، أحدث تحرير الأستونيين صدمة. وسرعان ما بدأ السياسيون اللبنانيون، على جري عادتهم، التهليل لـ«الإنجاز» الذي حقق، فيما استغل البعض ما جرى للتصويب على طرف سياسي.
وزير الداخلية مروان شربل، انتقل إلى السفارة الفرنسية حيث التقى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. ورأى شربل أن الإفراج عن الأستونيين السبعة «انتصار للدولة والشعب اللبناني»، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية الرسمية تابعت هذا الملف «في عهد الحكومة السابقة والحالية، فأدّت القوى الأمنية دوراً مهماً جداً». وشدد على أنه «لم نعرف بعد من وراء خطف الأستونيين»، مشيراً إلى أنّ «النيابة العامة ستقوم بالتحقيقات، وبالتالي سنعرف كل التفاصيل». وذكر الوزير أنّ قوى الأمن الداخلي «ألقت القبض على تسعة أشخاص، من بينهم لبنانيون، إضافة إلى جنسيات أخرى، وسنترك الأمر للتحقيق»، مؤكداً مشاركة الأجهزة الأمنية اللبنانية «من بعيد»، في عملية الإفراج عن الرهائن «حتى لا تتعرقل الأمور، ونحن نملك كل المعلومات، وستظهر النتائج في وقت لاحق»، مضيفاً إنه «سنجري التحقيقات مع الرهائن لجلاء كل الأمور المتعلقة بخطفهم». وعن الموقوفين، لفت شربل إلى أن «قوى الأمن الداخلي ألقت القبض على سبعة أشخاص بعد مرور 24 ساعة على الخطف، وأصبحوا تسعة بعد المتابعة»، مشيراً إلى التنسيق بين المؤسسات الأمنية، ومشيداً بفرع المعلومات الذي «كان له الدور الأكبر في الإفراج عن الأستونيين». وسئل شربل عن دور السفارة الفرنسية، فأوضح شربل أنه ليس للدولة الأستونية سفارة في بيروت «ولذلك، وبما أنها في الاتحاد الأوروبي أصبح من واجب كل الدول التي هي في الاتحاد الاهتمام، والسفارة الفرنسية تابعت الموضوع مع قوى الأمن الداخلي، واستمر هذا التنسيق مع الشرطة الأستونية حتى توصلنا الى هذه النتيجة». وقال شربل إن الخاطفين «تقريباً هم عصابة منظمة، وأنا لن أتكلم قبل التحقيق معهم، فالمدعي العام سيأخذ إفاداتهم»، شاكراً الدولة الفرنسية على «النشاط والجهود المبذولة التي قامت بها».
وفي سياق متّصل، تابع أمس رئيس مجلس الوزراء، نجيب ميقاتي، عملية الإفراج عن الأستونيين واطّلع من قادة الأجهزة الأمنية على تقارير تفصيلية عن وضعهم ونقلهم الى بيروت. كما اطّلع من السفير الفرنسي دوني بييتون على الجهود الفرنسية في هذا الإطار. وتلقى الرئيس ميقاتي اتصالاً من وزير خارجية أستونيا، أورماس بات، تشاورا في خلاله في الموضوع، وجرى الاتفاق على عقد اجتماع في السرايا الحكومية فور وصول الوزير الأستوني الى لبنان ليل أمس.
من جهة أخرى، عبّر وزير الخارجية الفرنسي، آلان جوبيه، عن سروره للإفراج عن الرهائن الأستونيين، مذكراً بأن «فرنسا بذلت كلّ الجهود الممكنة للمساهمة في ذلك نظراً إلى أن أستونيا ليس لديها سفارة في بيروت». وأشار جوبيه في بيان صادر عن الخارجية الفرنسية الى أنّ «الأستونيين وصلوا هذا الصباح إلى مقر السفير الفرنسي في بيروت وأصبحوا الآن في مكان آمن، وسينضم إليهم خلال النهار وزير الخارجية الأستوني»، موضحاً أنه «منذ عملية الخطف، كنت على اتصال دائم مع نظيري الأستوني، أورماس بايت، لتأكيد دعم فرنسا الكامل لأستونيا في هذه المحنة، ولقد أكّدت له أننا سنبذل كل ما بوسعنا لمساعدة أصدقائنا الأستونيين لكي يتمكن مواطنوهم السبعة من استعادة الحرية سريعاً». وأشاد جوبيه بجهود «كل الذين ساهموا في هذه النهاية السعيدة، وخصوصاً السلطات اللبنانية».
كذلك أشار السفير الفرنسي في بيروت، دوني بييتون، إلى أنّ «عملية الإفراج جاءت نتيجة التحقيقات التي جرت»، لافتاً إلى أنه «منذ وقوع عملية الخطف، تحركت فرنسا كما كل الدول الشريكة والصديقة الأخرى لأستونيا، من أجل توفير الدعم الدبلوماسي واللوجستي، إذ إنها مسألة أستونية ـــ لبنانية، ونحن سعداء لأننا استطعنا المساهمة من جهتنا في هذه العملية الإيجابية لإطلاق سراح هؤلاء، لكنني أكرر أنها مسألة أستونية ـــ لبنانية». وأكد بييتون أنّ «الأستونيين المفرج عنهم يرتاحون في السفارة الفرنسية، بانتظار عودتهم الى بلدهم بأسرع وقت ممكن، وأعتقد أنهم بصحة جيدة».
من جهة أخرى، أكد وزير العدل، شكيب قرطباوي، أنّ «قضية خطف الأستونيين لم تنته بعد بالنسبة إلى القضاء»، مشيراً إلى أنه لن يكون هناك «عفى الله عما مضى، والتحقيق سيكون جدياً في الموضوع».
وعلّق عضو المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، على إطلاق الرهائن الأستونيين باعتباره «خطوة إيجابية وجيدة»، مؤكداً أنّ الحزب «ضد الممارسات والأعمال التي تعرض لبنان لأزمات وتشوّه صورته في الخارج، وتؤثر على استقرار لبنان ومصلحته وأمنه».
أما عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل، النائب الأسبق مصطفى علوش، فقد رأى أنّ عملية تسليم الأستونيين جرت «ضمن أسلوب سوري إيراني»، لافتاً الى أن هذا الأمر يشير الى العودة لاستخدام ملف الإرهاب للضغط في السياسة.