في أحد مشاهد الفيلم الإيراني «حالة تسلل»، تسأل إحدى الفتيات المعتقلات لمحاولة دخولها ملعب آزادي، الجندي المسؤول عن حراستها، عن سبب منع النساء من دخول ملاعب كرة القدم. يجيبها الجندي الريفي بالقول إنّ «النساء والرجال لا يجب أن يجلسوا معاً». جاء رد الفتاة: «لكن في دور السينما مسموح لنا أَيضاً أَن نجلس بجانب الرجال، فيما تكون الصالة مظلمة». يستمرّ الجدال بين الفتاة والجندي، الذي يصيح بوجهها بعدما تبين أنه لا يملك جواباً مقنعاً لتبرير هذا الحظر المفروض عليهنّ. مشهد بائس تعيشه مشجعات كرة القدم في إيران، ولا أمل قريباً في التغيير.

في حالةٍ نادرة في إيران، سمحت السلطات الإيرانية الثلاثاء الماضي، ولأول مرة في تاريخها، للنساء بحضور مباراة لكرة القدم مباشرة في الملعب، جمعت بين منتخبها الوطني ونظيره البوليفي. بمنتهى «الأبوية»، خصصت السلطات ثلاث حافلات لنقل جمهور النساء إلى ملعب آزادي غرب العاصمة طهران، الذي احتضن المواجهة التي انتصر فيها المنتخب الإيراني بهدفين لهدف واحد. وجاء قرار السماح للنساء بدخول الملعب بعد موافقة مجلس تأمين طهران على طلب قدمه اتحاد كرة القدم الإيراني لحضور النساء في الملاعب، كما تم تخصيص أماكن محددة للمشجعات لتجنب «الاختلاط» بالرجال. لكن، وفي أي حال، نظر المهتمون بكرة القدم إلى هذه الخطوة بتفاؤل، علّها تفتح الباب لاحقاً أمام السماح بالنساء لدخول الملعب. لكن الفرحة لم تدُم طويلاً، وأُغلق الباب بمصراعيه أمام المشجعات من جديد. في اليوم التالي لمباراة المنتخب الإيراني، منعت السلطات الإيرانية، مجدداً، النساء من حضور مباريات كرة القدم في الملاعب. وقال المدعي العام الإيراني محمد جعفري منتظري إنّ «السماح للنساء بحضور مباريات كرة القدم للرجال داخل الملاعب لن يتكرر مرة أخرى»، بحسب وكالة «مهر» الإيرانية.

في إيران 23 ألف فتاة يمارسنَ كرة القدم

ونقلت الوكالة عن منتظري قوله: «أعترض على حضور النساء في الملاعب، نحن دولة مسلمة، نحن مسلمون». لم يكتفِ منتظري عند هذا الحدّ، بل توعد بالتصدي «لأي مسؤول يريد السماح بدخول الملاعب تحت أي ذريعة، فعندما تذهب امرأة إلى الملعب وتواجه رجالاً شبه عراة بملابسهم الرياضية سيقود هذا إلى الوقوع في المعصية». تصريح منتظري لا يفاجئنا كثيراً، فهذا هو التبرير الذي يقدم دائماً لدى السؤال عن السبب الذي يقع خلف الحظر. الهدف، والذي يبدو أشبه بمزحة في 2018، هو «الحفاظ على شرف النساء»، بسبب أجواء الملعب والاضطرابات التي تحصل. لهذا، لا يوجد مكان للمرأة في مدرجات الملاعب. منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، تمنع السلطات الإيرانية النساء من حضور منافسات رياضية أبرزها كرة القدم للرجال والمصارعة. ورغم أنّه لا يوجد حظر رسمي على النساء أو قانون يمنعهنّ من حضور مباريات كرة القدم، إلا أنّ السلطات المحليّة اعتادت على ممارسة مثل هذا الأمر وفرضته عليهنّ. ويُعدّ الرئيس حسن روحاني وحكومته من المناهضين لحرمان النساء من الذهاب إلى الملاعب الرياضية، ولكنه لم يتمكن حتى الآن من التغلب على «المحافظين» فوق العادة في بلاده الذين يقفون وراء هذا القرار، إذ تصطدم تطلعات روحاني بمعارضة السلطات المقربة من المرشد الأعلى، الإمام الخامنئي الذي يرى أنّ «أمن» المرأة سيكون في خطر. لم يقتصر الأمر على كرة القدم، فكرة الطائرة كان لها نصيبٌ من الحظر أيضاً. ففي عام 2014، صدر قرار بمنع النساء من حضور مباريات اللعبة، لكن السلطات عادت ورفعت هذا الحظر بعد نحو عامين وسمحت لهن بالجلوس في أقسام خاصة على المدرجات. وقد جاء هذا التغيير بعد أن حوكمت طالبة إيرانيةـ بريطانية، تدعى غونشي غافامي، بالسجن لمدة عام بتهمة «الدعاية ضد النظام»، وذلك لمحاولتها الدخول إلى مباراة للكرة الطائرة. يا لها من جريمة مشينة!
وعلى عكس كرة القدم، تسمح إيران للنساء بحضور مباريات كرة السلة في أقسامٍ خاصة بهنّ أيضاً في الملاعب. وللاحتجاج على منعهنّ، تتجمع بعض الإيرانيات خارج الملاعب أحياناً، أثناء المباريات، وقد تتسلل مشجعات إلى الداخل متنكرات بأزياء رجال. وقد شهدت الملاعب العديد من حالات كسر الحظر، حيث تضع النساء المتسللات إلى الملعب شعراً قصيراً مستعاراً إلى جانب لحى زائفة، أو يعمدن إلى رسم شاربٍ باستخدام مساحيق التجميل. هكذا، تتحايل النساء على رجال الأمن لحضور المباريات، لكن الكثير من هذه المحاولات تبوء بالفشل، مما يعرّض الموقوفات للمحاكمة وحتى السجن. ولا تكتفي السلطات الإيرانية بمنع النساء من دخول الملاعب وحسب. بعد ساعات عن إزاحة الستار عن مونديال روسيا 2018، صدر قرار بحظر مشاهدة مباريات كأس العالم في الأماكن العامة. والسبب كان الخوف من حضور النساء. وقد برر المساعد الأمني والسياسي لمحافظ طهران محسن همداني، بالقول إنّ «وجود النساء مع الرجال لمشاهدة مباريات ​مونديال روسيا​ سيكون لها مشاكل ومعاناة للناس». لكن بعد موجة من الاحتجاجات على المستويين المحلي والدولي ضد القيود المفروضة على الإيرانيات، سمحت السلطات للنساء بالدخول إلى مدرجات ملعب آزادي لمتابعة مباراة منتخبي إيران وإسبانيا في المونديال، ولاحقاً مباراة إيران والبرتغال، اللتين جرى بثهما في الملعب على الهواء عبر شاشة عرض عملاقة، لتكون بذلك المرة الأولى التي يسمح فيها للإيرانيات بدخول استاد آزادي منذ 39 عاماً!
ومن المستغرب أيضاً أنّ السلطات التي تمنع الإيرانيات من دخول الملاعب لمشاهدة مباريات الذكور، ليس لديها مشكلة وجود الأجنبيات على مدرجات الملاعب. وهذا، بطبيعة الحال، ينطلق من أساس «بطريركي». السياسة ذات الوجهين التي تعتمدها السلطات تثير سخط الإيرانيات، اللواتي حاولن التسلل إلى الملاعب في المباريات الدولية عبر الادعاء أنهنّ أجنبيات. طبعاً، حرص الدولة و«غيرتها» تطال مواطناتها فقط، ولا شأن لها بغيرهنّ. ورغم أنّ الإيرانيات يتمتعن بحريات أكبر من نظيراتهنّ في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنّ نزعة إيران «المحافِظة» دينياً حدّت من هذه الحرية. تضمّ إيران 23 ألف فتاة يمارسنَ كرة القدم، وهذا أكبر دليل على توجه الإيرانيات لهذه اللعبة. المرأة كما الرجل، تملك شغفاً رياضياً، ولديها الحق أن تشجع فريقها، أشاءت في المنزل، أم في المقهى، أم في الملعب.