«إذا ربحت دمشق الحرب، فلا ينبغي أن تربح السلام». توجز هذه الجملة كثيراً من الأوراق وتقارير الوضع والتقديرات التي أنجزَتها في خلال العام الماضي مراكز بحثية غربية عديدة، أُفرد معظمها للبحث في السبل المتاحة للحيلولة «دون إرساء تسوية على مقاس النظام». وعلى رغم أن ملفات عسكرية كثيرة لا تزال معلّقة في المشهد السوري، إلا أن انحسار رقعة الحرب في خلال العامين الماضيين كان قد أفرز موجات من التفاؤل، وصلت ذروتها في افتراض البعض أن الحرب بعمومها قد دخلت مرحلة الخواتيم، وأن «الاحتفال بالنصر» بات ممكناً.

ويقف المشهد السوري اليوم أمام بوابات مفتوحة على مختلف الاحتمالات. وهو أمر طبيعي، في ظلّ التعقيدات الهائلة التي راكمها الملف على امتداد السنوات السابقة. ويجدر، في ظلّ هذه التعقيدات، تبويب أيّ انفراجة جزئية في إطار التسابق على شروط الحل النهائي، من دون أن يؤشر ذلك على حلحلة وشيكة حتمية. ضمن هذا الإطار، يمكن إدراج انفتاح بعض العواصم العربية على دمشق علانية في الشهرين الأخيرين. وللمفارقة، إن الإطار نفسه يصلح لإدراج بعض التطورات الميدانية الكفيلة بتأجيج جولات صراع عسكرية جديدة، ولا سيما هيمنة «جبهة النصرة» على محافظة إدلب بشكل شبه كامل، وعلى أجزاء من ريفَي حماة وحلب (راجع «الأخبار»، 8 كانون الثاني 2019).
ومع التسليم بقدرة بعض اللاعبين الإقليميين على التأثير في المُجريات (حرباً أو سلماً)، فمن المؤكد أن الأدوار الإقليمية وحدها قاصرة عن وضع نقطة في آخر السطر السوري، بمعزل عن القوى الكبرى المنخرطة في الصراع (روسيا، والولايات المتحدة، وأوروبا بدرجة أقل). ولا تستثني هذه المعادلة أي طرف إقليمي، بمن في ذلك طهران وأنقرة، التي باتت صاحبة اليد الإقليمية الطولى في سوريا. وسط هذه المعمعة، يمكن فهم التصعيد الاقتصادي الأخير، الذي اشتمل حتى الآن على توسيع لقائمة العقوبات الأوروبية، وعلى قطع «قانون قيصر» الأميركي خطوة إلى الأمام. وكان مشروع القانون المذكور حاضراً منذ ثلاث سنوات، قبل أن ينجح أخيراً في تحقيق قدر من التوافق بين النواب الديمقراطيين والجمهوريين، أهّله للوصول إلى طاولة مجلس الشيوخ. ومنذ طرحه في نسخته الأولى، بذلت أطراف معارضة (وعلى رأسها الخط «الإخواني») مساعي كبيرة لتحشيد الدعم اللازم له، قبل أن تتلاقى هذه الجهود أخيراً مع رغبات الساسة الأميركيين الناقمين على قرار الانسحاب العسكري.

يتكامل إدراج ملف الإعمار على لائحة العقوبات الأميركية مع الرؤية الأوروبية


ومن المعروف أن العقوبات الاقتصادية الأميركية قد انتعشت منذ العام الأول للأزمة السورية، يوم كانت جهود واشنطن منصبة على التركيز على العقوبات الاقتصادية، وتشجيع الانشقاقات، ودعم المعارضة المسلحة في حال تشكُّلها. ومع أن إجراء العقوبات ليس جديداً، إلا أن تصعيده على النحو الذي يتضمنه «مشروع قيصر» يجيب بوضوح عن تساؤلات سبق طرحها حول «الخطة ج» الأميركية (راجع «الأخبار»، 19 آذار 2018). ويشكل القانون ـــ حال إقراره ـــ منظومة ضغط متكاملة، تستهدف قطاعات شديدة الأهمية، بما في ذلك عملية إعادة الإعمار. ويتكامل إدراج ملف الإعمار على لائحة العقوبات الأميركية مع الرؤية الأوروبية التي أعلنها الاتحاد بوضوح منذ عام 2016، وعدّت ملف إعادة الإعمار واحداً من أربعة عناصر أساسية في تشكيل «الوضع النهائي المُرضي لجميع الأطراف».
ويبدو التلويح بورقة التصعيد الاقتصادي كفيلاً بتقويض مكتسبات اقتصادية أفرزتها تغيرات الجبهة الجنوبية، وما تبعها من فتح معبر نصيب بين سوريا والأردن، ووعدت بها توافقات أستانة وسوتشي لجهة فتح أوتوسترادَي «حلب – اللاذقية» و«حلب – دمشق» الحيويين، وصولاً إلى إعادة تفعيل أوتوستراد «حلب – غازي عنتاب». في الوقت نفسه، يأتي هذا التصعيد في ظلّ احتقان كبير يعيشه الشارع السوري، ولا سيما الفئات الأشدّ فقراً (النسبة العظمى)، من جراء الأوضاع الاقتصادية المرتدية، معطوفاً على خيبة أمل أسهم في تعزيزها انعدام الشفافية وتغوّل الفساد، وتسويق وهم انتهاء الحرب.
ودخلت الحكومة السورية في مرحلة استنفار في الأسبوع الأخير، بحثاً عن استراتيجيات تناسب المرحلة. وتنقسم التحديات الاقتصادية الراهنة إلى قسمين: أولهما ملحّ، ويتمثّل في ضرورة توفير احتياجات حوامل الطاقة (غاز، مشتقات نفطية)، والسعي إلى ضبط أسعار الصرف؛ والثاني مستقبلي، يتعلق بإعادة الإعمار. ويقود التحدي الأول إلى ضرورة إيجاد صيغ تفاهمات مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على معظم منابع النفط والغاز، الأمر الذي قد تعدّه الأخيرة دافعاً إلى التصلّب في المسار التفاوضي (المضطرب أصلاً) بينها وبين دمشق. ويتزامن ذلك مع تزايد طروحات داخلية في بعض دوائر القرار السوري، تدعو إلى ضرورة السعي إلى «اختراق إيجابي» على خط دمشق ـــ أنقرة.
حتى الآن، يبدو أن كل هذه المعطيات مجرد تفاصيل في سياقات غامضة أوسع، تبتغي خلط الأوراق في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الأميركي. ولا تزال خيارات معظم الأطراف تراوح بين احتمالين اثنين: الاستعداد لـ«النوم مع العدو»، أو الانجرار إلى سيناريو التفجير، مع ما يعنيه من مخاطر تتهدد الجميع (بنسب متفاوتة). الصورة العامة توحي بأن معظم الأطراف ليست مستعدة لـ«التفجير» أو راغبة في اختباره. لكن، في الوقت نفسه، قد يشعر كثير من اللاعبين بأن ثمن «النوم مع العدو» سيكون باهظاً جداً، ما قد يدفع الأمور نحو التصعيد الكارثي.