لم يطل الأمر بعد اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بنظيره الأميركي دونالد ترامب، في وقت متأخر من ليل أول من أمس، حتى بدأت القوات الأميركية إخلاء بعض نقاط المراقبة والمواقع الصغيرة المنتشرة في المنطقة الحدودية شمال شرق سوريا. وفق المعلومات الميدانية، بدأت القوات، التي كانت تنفذ الدوريات المشتركة مع نظيرتها التركية في إطار تنفيذ اتفاق «المنطقة الآمنة»، الانسحاب بداية من نقطة تل أرقم في ريف الحسكة الشمالي الغربي، ثم من موقع أميركي في مدينة تل أبيض الحدودية، قبل أن تبدأ انسحاباً من كامل نقاط المراقبة والمواقع الممتدة على طول الشريط الحدودي من تل أبيض حتى رأس العين شرقاً، باتجاه القاعدة الأميركية في الجلبية على طريق الرقة ـــــ حلب.

ومساء أمس، شهدت منطقة المالكية الحدودية، في أقصى الشمال الشرقي، تحليقاً مكثفاً لطائرات حربية تركية. وبعد ذلك، أفادت مصادر محلية بأن قصفاً مدفعياً طاول مواقع للوحدات الكردية في تل طويل في أقصى ريف المالكية الشمالي الشرقي، بالقرب من المثلث الحدودي التركي ـــ السوري ـــ العراقي. وبالتزامن، نشرت مواقع كردية مشاهد قالت إنها لقصف معبر سيمالكا الحدودي نحو كردستان العراق، نافية وقوع أي خسائر. بعدها مباشرة، أفادت وسائل الإعلام السورية الرسمية بأن «العدوان التركي طاول جسر معبر سيمالكا»، فيما تحدثت تنسيقيات المسلحين عن أن «الغارة استهدفت شحنة أسلحة نوعية تابعة لقسد قرب سيمالكا»، مبينة أن من الأسلحة التي تم تدميرها مضادات طائرات ودروع. كذلك، انتشرت مساء أمس صور ومقاطع مصورة لعدد كبير من الشاحنات التي تعبر من العراق نحو منطقة شرقي الفرات. وقدّر «المرصد السوري المعارض» عدد الشاحنات التابعة لـ«التحالف الدولي» بنحو 80 شاحنة مغلقة ومن ضمنها سيارات عسكرية. كما تحدثت معلومات ميدانية عن قصف تركي على نقاط تابعة لـ«قسد» شرق تل أبيض، من دون التمكن من التحقق من ذلك.

تتريث دمشق في أي قرار حتى تتلمس تحولاً في الموقف الكردي


في المقابل، سارعت «قسد» إلى التلويح مجدداً بورقة معتقلي «داعش»، عبر تأكيد مدير مركز إعلامها، مصطفى بالي، أن «قواتنا بدأت فعلياً تخفيف عدد عناصر الحراسة في المعتقلات والسجون التي يوجد فيها عناصر من داعش، لمواجهة الغزو التركي»، مستدركاً: «نأمل أن نستطيع التصدي للغزو ونحمي السجون والمعتقلات معاً». ووصف بالي القرار الأميركي بأنه «خطأ»، وأنه سيؤدي إلى «حرب جديدة في المنطقة»، معتبراً أن «قرار الانسحاب سيخدم روسيا وإيران والنظام السوري كما سيخدم داعش». جراء ذلك، سحبت «قسد» عدداً من قواتها التي تتولى حماية حقل العمر النفطي شرقي مدينة الميادين في محافظة دير الزور، الذي يشغله أميركيون وأوروبيون، للإيحاء بأن الانسحاب الأميركي سيؤدي إلى «اضطرار» القوات الكردية إلى التخلي عن حماية حقول النفط ومخيمات المعتقلين. وأصدر «مجلس سوريا الديموقراطية» بياناً قال فيه إن «واشنطن تخلت عن مسؤولياتها في الحرب على الإرهاب»، مبدياً «استعداده للقيام بكل ما يلزم من خطوات وتفعيل قنوات الحوار، مع مختلف الأطراف الدوليين، ذوي الشأن بالملف السوري، لوقف هذا الاعتداء».
وبسرعة أيضاً، بدأت «قسد» ترويج أن نتائج الانسحاب ستكون حتماً لمصلحة لجيش السوري وحلفائه، وذلك بنشر الصفحة الرسمية لها تغريدة على «تويتر»، أكدت فيها أنه «كنتيجة أولى للانسحاب الأميركي، وفشل المنطقة الآمنة، قوات النظام مدعومة من روسيا تستعد للتحرك عسكرياً باتجاه منبج». وتزامن ذلك مع نشر مواقع إعلامية مقرّبة من «قسد» أن ضباطاً من القوات الروسية الموجودة في محيط منبج التقوا نظراءهم الأميركيين في قرية المحسنلي في ريف منبج مساء أمس. ونقلت تلك المواقع أن الروس أبلغوا الأميركيين نيتهم دخول منبج، كما وردت أنباء في وقت متأخر من ليل أمس عن دخول تعزيزات تركية تضم مدرعات وآليات من بوابة جرابلس الحدودية، باتجاه المعبر الفاصل بين جرابلس ومنبج الخاضعة لسيطرة «قسد».
على المقلب الآخر، تؤكّد الأوساط في دمشق، التي التزمت الصمت أمس، أن «أي عملية تركية في المنطقة ليست سوى احتلال صريح». وتشير هذه الأوساط إلى أنه «لطالما حذّرت دمشق القوى الكردية في شرقي الفرات من عواقب التحالف مع الأميركيين»، مبيّنة أن «المفاوضات مقطوعة نهائياً منذ عام تقريباً بسب تعنّت المسؤولين الأكراد، وإصرارهم على الحصول على حكم ذاتي، وهو ما استمرت دمشق في رفضه». كما ذكرت أن محاولات التفاوض فشلت «على رغم دخول وسطاء من شخصيات ودول... في اليومين الأخيرين، جرى أكثر من اتصال من القوى الكردية بالحكومة»، لكن دمشق «تتريث في اتخاذ أي قرار، لأنها تريد تلمّس تحوّل حقيقي في مواقف ومقاربة الأكراد للقضايا كافة».