دمشق | أزمة السكن واحدة من أبرز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المواطن السوري. منذ عام 2002 حتى الآن، قدّرت بعض الدراسات الاقتصادية أن أسعار العقارات ارتفعت بمقدار 500% بسبب زيادة المضاربات العقارية، نظراً إلى توجّه الاستثمارات، لا سيما من رؤوس الأموال الخليجية الريعية في مرحلة ما قبل الأزمة، إلى تركيز استثماراتها في المجال العقاري. وقد بلغت أزمة السكن حد اللامعقول، بعد الانهيار الاقتصادي الكبير الذي سبّبته الحرب الدائرة في البلاد، وما خلفته من خراب ودمار في الأبنية والمساكن.


يوجد في سوريا حوالى 3.4 ملايين مسكن جاهز للسكن حسب إحصائيات عام 2009، توزعت بين 46% في الريف، و54% منها في الحضر. من ضمنها نصف مليون مسكن خال ومغلق، احتكرها تجار العقارات بقصد المضاربة بها، في الوقت الذي عانى ما لا يقل عن مليون ونصف المليون مواطن من حاجتهم إلى السكن.
هذا الواقع المرير دفع بالسوريين إلى التوجه نحو بناء العشوائيات التي بلغ عددها حوالى 209 عشوائيات في المناطق الزراعية غير المنظمة، ومناطق المخالفات القانونية. فحوالى 35% من سكان حلب، و45% من سكان دمشق، يعيشون في عشوائيات لا يتوافر فيها الحد الأدنى المناسب من الخدمات الصحية والتعليمية والحياتية الأخرى. وهذا ما جعل هذه العشوائيات تشكّل بيئة حاضنة للتطرف والعنف الاجتماعي.
وقد تحوّلت أزمة السكن إلى كارثة إنسانية حقيقية بعد أنّ دمرت الحرب الدائرة في البلاد زهاء 700 ألف مسكن، منها 400 ألف مهدّمة بالكامل، و300 ألف مهدمة جزئياً، الأمر الذي دفع بأعداد كبيرة من السوريين للجوء إلى الدول المجاورة، أو النزوح إلى مناطق أكثر أمناً في الداخل، حيث تلقّفهم سماسرة الحرب ليفرضوا استغلالهم على النازحين والمشردين. ففي بعض المناطق الآمنة، لا سيما في دمشق، وصلت قيمة الإيجار الشهري للشقة المفروشة إلى حوالى 50 ألف ليرة سورية، ما اضطر النازحين إلى بيع ما تبقى من ممتلكاتهم والرضوخ للأمر الواقع... لشريعة الغاب، نظراً إلى انعدام البدائل أمامهم، ومنهم من رفض سياسة الغاب هذه، فسكن في سيارته الخاصة، أو في المحال التجارية والأقبية، أو في المعامل، شريطة أن يقوم بدور الناطور الليلي للمعمل.
أبو أحمد الآغا من محافظة إدلب، وهو أب لطفلين، يعيش مع زوجته وطفليه. يصف حالته بابتسامة تخفي وراءها الكثير من الأسى، قائلاً: «انتقلنا إلى محافظة السويداء إثر العمليات العسكرية التي طالتنا في محافظة إدلب، وكان الحظ معنا حيث استقررنا في معمل للطوب، في غرفة الناطور. فأنا وأسرتي نسكن في هذه الغرفة، وفي النهار أعمل على مكبس الطوب». أبو أحمد محظوظ، مقارنةً بأسر أخرى عجزت عن إيجاد سقف تحتمي في ظله، فافترشت الأرصفة والحدائق والبيوت المهجورة.
وانتشرت، أيضاً، ظاهرة التعايش الأسري، كما في بعض قرى السويداء المجاورة لدرعا، حيث تسكن أسر عدة في بيت واحد. يقتسمون الغرف، كل واحدة منها لأسرة، وذلك لعجزها عن تأمين قيمة الإيجار بمفردها مع انعدام مصادر الدخل وفرص العمل المنتج، الأمر الذي أدّى إلى نزاعات عائلية وانتشار حالات الاغتصاب والأمراض الوبائية... إنّ هذه الملاجئ المشتركة للنازحين تفتقر إلى التجهيز وإلى الأثاث وإلى فرص الحصول على مرافق النظافة الأساسية. فحسب مشاهدات بعض الموظفين في المستشفيات الحكومية والخاصة، تبيّن ازدياد معدلات المصابين بمرض الليشمانيا (مرض مرتبط بسوء التغذية وضعف النظام المناعي) وأمراض الكبد والالتهابات الرئوية والتيفوئيد، نتيجة لعدم توافر المياه الصحية والتلوث الذي سببته شبكات الصرف الصحي وعدم توافر الكهرباء في بعض المساكن.