ثمّة صفة تُجمع عليها سيَر الجزائريّة باية محيي الدين (1931 ــ 1998)، رغم تفاوتها، هي أنها الفنانة التي ألهمت بيكاسو في مرحلة من حياته. يسبق هذا التفصيل أي معلومة أخرى عن باية الفلاحة، التي عملت في الخدمة المنزليّة لدى فنانة فرنسية قبل أن تبدأ الرسم. كأن هذه الكتابات تفضي إلى أن لوحتها لم تكن، قبل أن تؤثّر في بيكاسو ويؤثّر فيها. مثلاً، تقول «سوذبيز» إن «بيكاسو أغنى الأسلوب الجمالي لباية، لا سيما استخدامها للون والخط، في حين أن حيوية باية الثقافية كانت بمثابة شريان إبداعي لبيكاسو» خصوصاً في مجموعته «نساء جزائريات». وصلت لوحة الفنانة باكراً إلى باريس في معرض أوّل أقامه لها أندريه بروتون، لكن هناك تفصيل أساسي يظهر عادة على الهامش هو امتناعها عن القبول بإدراج أعمالها تحت تسمية السوريالية، الذي قبلته لاحقاً. لم ترد الفنانة ربّما أن تأخذ لوحتها في أي اتجاه آخر غير بيئتها الأولى، تلك البيئة الخاصّة باللوحة وحدها، بتأثيراتها من الفن القبلي في الجزائر والزخارف المستخدمة في المنسوجات اليدوية. لذا، ستكون الطريقة المثلى للتعرّف إليها هي الاستغناء عن كلّ ما سبق، والاكتفاء بالنظر إلى لوحتها النضرة بعصافير ملوّنة، ونساء يمشين في الحقول بعباءاتهن المزركشة. الألوان وحدها كافية لأن تسدّ كلّ حاجة إلى التصنيف.


«لباس خمس مناطق من فلسطين» للفلسطيني عبد الحي مسلم زرارة (زيت وأكريليك على لوح خشبي ــ 63×80 سنتم ــ 1990)


أعمال للسوري أبو صبحي التيناوي واللبناني شاكر مظلوم (من المعرض)

تلتقي في تجربة باية، وسيرتها لاحقاً، معظم الإشكاليات التي يتناولها معرض «الفنان العربي الساذج/ سُذّج، فن من نوع آخر، والفن الخام في الشرق الأوسط» (تنسيق أوكتافيان إيسانو) في استعادته وجمعه لتجارب فنانين ظلّوا يُعاملون كخوارج عن الفن السائد والتيارات النقدية في العالم العربي والشرق الأوسط. المعرض كان مقرّراً أن يُقام في «الجامعة الأميركية في بيروت»، لكن الوباء منح هؤلاء الفنانين فرصة أخرى للهرب من الإقامة بين جدران الصالة. في السابق كان هربهم هرباً بديهيّاً من مدارس الفن في العالم أو من أي ممارسة موجّهة مثل الفن الثقافي كما أطلق عليه الفنان الفرنسي جان دوبوفيه، مميّزاً الفارق بين تجربة تلقائية وأخرى موجّهة (راجع الكادر). بعضهم جاء إليه بالمصادفة، بينما كان بالنسبة إلى آخرين حاجةً لا أكثر، أو انفلاتاً يخلو من أي طموحات أو تكلّف، على هامش مهنهم اليومية.
أمامنا فرصة واحدة إذاً لرؤية الأعمال الفنية، افتراضيّاً في فيديو، ونصّ يتناولان الظروف والروايات التي رافقت الفن الساذج والتلقائي الخارج عن التعليم الأكاديمي، ولا يغفلان الأطر الكسولة التي استُخدمت لتصنيف هذه التجارب الفنية. وباعتماده طرح سيرة كلّ فنان على حدة برفقة أعماله، فإن المعرض يتنصّل قدر الإمكان من تأطير هذه الأعمال التي وقعت أسيرة تسميات إيجابيّة وسلبية مثل الفن المدّعي السذاجة أو أخرى تمدح صدقه وبراءته. وإذا كان من سبب لتعدّد هذه التوصيفات، فإنه يعود وفق بيان المعرض إلى محاولات التاريخ الفني لمقاربة هذه التجارب، وعجزه أحياناً عن وضعها في سياق واحد.
لا يحيط المعرض بكلّ هذه التجارب في العالم العربي. يقدّم أعمالاً متفرّقة من المغرب وفلسطين وسوريا ولبنان ومصر والجزائر والعراق لأجيال متعدّدة من فنانين لم تنَل أعمالهم الاهتمام نفسه الذي نالته تجارب أخرى اعتُبرت أكثر جديّة أو انضوت تحت تصنيفات الفن الثقافي. لذلك، تبدو الطريقة الأجدى لرؤية هذه الأعمال من خلال موادها، وأساليبها الفنيّة المختلفة التي تدفع وتوسّع حدود هذا الفن. لا يغطي فيديو المعرض الفنانين كافة، وهم اللبناني خليل زغيب، المغربية الشعيبية طلال، الفلسطيني عبد الحي مسلم زرارة، السوري أبو صبحي التيناوي، ناديا الأيّوبي الخوري، ثيو منصور، مصطفى خالدي، شاكر المظلوم، جورج رياض كرون، بولس ريشا، رمزي سلامة، شيبيا طلال، صوفي يراميان، إبراهيم غنّام، برهان كركوتلي وإ. جرداق.

لوحة للفنان اللبناني مصطفى خالدي (من مجموعة الفنان)


«امرأتان مع مزهرية وخلفية صفراء» للجزائرية باية محي الدين (ألوان مائية على ورق ـــ 98×147.5 سنتم ــ 1997)

يتوقّف المعرض عند الموافقة الاستعماريّة أو الغربيّة، والدور الذي لعبته في تقبّل هذه الأعمال كفنّ، ما فتح لها باب العرض في الغاليريات والمتاحف المحلية والعالمية. وفي الشرق الأوسط والعالم العربي، تضاف هذه السلطة إلى السلطة الأكاديمية التي تفرّق بين ما هو فني وغير فني. بعض أعمال هؤلاء لم تعتبر فنّاً في بلادهم إلا حين أخذت موافقة غربية كما في حالة الفنانة المغربيّة الشعيبية طلال التي حقّقت شهرة بعدما وقعت أعمالها بيد ناقد فني فرنسي يدعى بيار كودير. كانت طلال فلاحة، وأماً عازبة في وقت مبكر، قبل أن تتحوّل إلى الرسم في لوحات طفوليّة ملوّنة.
أمامنا سياقات متعدّدة للدخول إلى هذه التجارب. غالباً ما تبدو سيرهم في صلب ممارستهم الفنية وجزءاً جوهرياً منها، مثل حيوات الفقر والهامش والسير البائسة التي ولّدت هذه الأعمال الفنية. هناك المهن العاديّة، مثل الحلّاق والفنان اللبناني خليل زغيب. كان عرض أعماله في الجامعة الأميركيّة في بيروت، بمثابة عبور له إلى الوسط الفني في بيروت ومتحف سرسق، قبل أن يُقتل برصاص القناص بداية الحرب الأهليّة. في لوحاته، مشاهد ومناسبات من الضيعة اللبنانية، ومساحات طبيعية بأسلوب تبسيطي ملوّن يقترب من الكاريكاتورية.
يتوقّف المعرض عند الموافقة الاستعماريّة أو الغربيّة، والدور الذي لعبته في تقبّل هذه الأعمال كفنّ محلياً وعالمياً

الفنان اللبناني بولس ريشا جاء إلى الفن من عمله كحدّاد أوّلاً، قبل أن ينتقل إلى النحت من الحديد ومواد معدنية منها الأسلحة وقطع السيارات...أنجزها في محترفه في أجدبرا (البترون) بعيداً عن الحياة الثقافيّة في بيروت. الفنان الفلسطيني عبد الحي مسلم زرارة كان عاملاً في الكهرباء. تأثراته تلتقي بطريقة أو بأخرى بأعمال جيل من الفنانين الفلسطينيين ممن عملوا بعد النكبة واستعانوا بالأدوات الفولكلورية الشعبية من الوطن الغائب، إذ استخدم الخشب والصمغ في لوحاته لشخوص بالعباءات المطرّزة وبالكوفيّة. واحدة من النظرات التي رافقت هذا الفن هي نظرات الأطباء النفسيين، حيث عثروا فيه على مساحة وافرة للتأويل. ارتبطت أعمال الفنان اللبناني مصطفى خالدي بالعلاج النفسي. التحق بأكاديمية للفنون في بنسلفانيا، لكنه لم يكمل دراسته. رافقه الرسم خلال فترة علاجه النفسي، حيث رسم بعض اللوحات تحت تأثير الأدوية. في لوحاته، وجوه ملوّنة بأعين واسعة، ورسومات للمسيح، ولكائنات مركّبة بين الحيوانية والبشرية، وتعبيرات تقوم على التكسّر والانقسام وإن كانت مسطّحة في الظاهر.
يشكّل المعرض والبحث المرفق به، خطوةً أوّليةً من أجل بحث أشمل في هذه التجارب الهامشيّة محليّاً وعربيّاً، لا سيّما أنّها ليست من الأعمال المفضّلة للغاليريات. ما يثير سؤالاً أوّلياً حول كيفيّة كتابة تاريخ للفن لا يبقى محصوراً بما تنتجه وتعرضه المؤسسات الفنية. هكذا يسترجع المعرض تجربتين ظلّتا خارج تقليد العرض السائد. الأولى للفنان السوري أبو صبحي التيناوي (1888 – 1937) الذي رسم على الزجاج مع تأثيرات شعبية مختلفة يتصدّرها الأبطال العرب من القرون الوسطى على الألواح الزجاجية. أما الثانية فللفنان شاكر مظلوم، الذي حملت لوحاته وجدارياته وظيفةً دينيةً بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي، إذ كان يرسم الزخارف والوجوه الدينية الشيعية في مساجد بعلبك والمقامات الدينيّة.



«الفن الخام»
ابتكر الفنان الفرنسي جان دوبوفيه (1901 ــ 1985) مصطلح «الفن الخام» لوصف أعمال الغرافيتي، وأعمال الفن الساذج والطفوليّة، ورسمات السجناء والمجانين. وقد طرحه تحديداً في نصّ كتبه لأحد المعارض الفنية في باريس لمجموعة من 60 فناناً من خارج التجربة والتدريب الأكاديمي: «نقصد بالفن الخام الأعمال الفنية التي أنجزها أشخاص لم تمسّهم الثقافة الفنية. وبعكس ما يحدث لدى المثقّفين، فإن هؤلاء الفنانين يرسمون ويختارون الموضوعات والمواد المستخدمة والوسائل والإيقاعات... من أعماقهم الخاصة لا بالاستناد إلى كليشيهات الفن الكلاسيكي أو الفن الدارج». ظهرت هذه الأعمال خارج السياق الفني الأكاديمي أو المؤسساتي، ولو أنها لاقت لاحقاً احتفاء من قبل المتاحف والغاليريهات الفنيّة. أراد دوبوفيه ممارسة فنية أكثر أصالة وإنسانية من تلك التي تفرضها الأكاديميات على الفنون. دفعه هذا الرفض إلى الامتناع عن الرسم لمدةّ ثماني سنوات قبل أن يعود بأسلوبه المتفلّت من سطوة التعليم. في لوحاته ومنحوتاته، اتبع هذا التلقائيّة للوصول إلى تعبيره الأوّل، حيث تجاوز المقاييس المعتادة كما يمكن رؤية ذلك في لوحاته، خصوصاً لكائناته المنتفخة بتعبيرات مباشرة وخطوط واضحة على كثافة لونيّة. اهتم الفنان بهذه التجارب الفنية الهامشية في العالم. جمع حوالى 5000 عمل فني ساذج أو خام، ومنحها لمتحف «الفن الخام» في لوزان.