تصدّر زعيم «حركة إنصاف»، عمران خان، نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في باكستان، أمس، متقدماً على كل القوى السياسية التقليدية. فوز خان، السياسي المتهم بـ«التقلّب» في المواقف والطامح إلى بناء «باكستان جديدة»، والرافض بشدة لانخراط بلاده في حرب اليمن والمدعوم من مؤسسة الجيش، يمكن أن يتردّد في منطقتنا كخسارة جديدة للسعودية ومحورها، في العالمين الآسيوي والإسلامي، بعد أيام فقط على صعود مهاتير محمد في ماليزيا.


وصف خان حكام العالم الإسلامي بـ«الدمى التي تديرها واشنطن»(أ ف ب )

أفرزت الانتخابات التشريعية في باكستان مرحلة سياسية جديدة في البلد النووي الآسيوي، ستكون لها ارتدادات محلية ودولية، لما ستحمله من تغيير في السياسات الباكستانية على الصعد كافة. وقد عزّزت نتائج الانتخابات الخيبات السياسية السعودية المتتالية آسيوياً. فبعد الانتخابات الماليزية التي أوصلت خصم السعودية مهاتير محمد، إلى الحكم، مطيحاً حليفها نجيب عبد الرزاق الذي تم اعتقاله بتهم فساد، وجهت الانتخابات الباكستانية صفعة أخرى للرياض، بحصول خصمها عمران خان (65 عاماً) على الأغلبية البرلمانية، مطيحاً حليفها رئيس الوزراء نواز شريف المسجون بتهم فساد هو الآخر. وبحسب نتائج أولية غير رسمية، تقدم حزب «حركة إنصاف»، الذي يقوده خان، بحصوله على 116 من مقاعد البرلمان، من إجمالي 272. وحلَّ حزب «الرابطة الإسلامية» (جناح نواز شريف) في المرتبة الثانية، بحصوله على 58 مقعداً، فيما نال «حزب الشعب الباكستاني»، يقوده بيلاوال بوتو، 39 مقعداً.
جعل خان محاربة الفساد هدفاً رئيسياً لـ«حركة إنصاف» منذ تشكيله في عام 1996. وبعد أن حاز المركز الثالث في انتخابات عام 2013، فإنه فاز بالأغلبية في انتخابات العام الحالي، والتي ستؤهله لتشكيل الحكومة التي قال إنها «ستكون الأولى التي لن تقدم أيّ تضحيات سياسية».
يصل خان إلى الحكم في أوقات عصيبة تعيشها بلاده على الصعيدين الاقتصادي والأمني، وفي مرحلة حساسة دولياً، تتطلب جهوداً كبيرة لإبقاء باكستان بعيدةً عن تأثيراتها. ويبرز الرجل إلى واجهة الحكم في إسلام آباد، مستنداً إلى مواقف عديدة، عارض فيها سياسات الولايات المتحدة والسعودية، وهو ما جعله خصماً للرياض، التي وجهت إمكاناتها المالية والإعلامية ضده، في خلال السنوات الأخيرة. باكراً، بدأ الإعلام السعودي حملته الدعائية ضد خان. ففي كانون الثاني من عام 2016 وصفته صحيفة «عكاظ» بأنه «مندوب قم في إسلام آباد»، وأنه لعب دوراً كبيراً في تأليب الرأي العام ضد المملكة في أروقة البرلمان الباكستاني، وذلك بعد معارضته لأي مشاركة باكستانية في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. فمع بدء العدوان السعودي على اليمن، وفيما كانت الرياض تحشد «إسلامياً» لتشريع عدوانها، كان خان يدعو إلى أن تلعب باكستان دوراً قيادياً في المفاوضات والمساعدة في محادثات السلام، بدلاً من أن تصبح أحد المشاركين في الحرب، في ردّ على تصريحات رئيس الوزراء حينها، نواز شريف، الذي تعهد بالدفاع عن السعودية، معتبراً أن الدفاع عن سيادتها الإقليمية هو جزء أساس من سياسة باكستان الخارجية، حسب تعبيره.
خان، وعلى إثر سعي شريف إلى مشاركة السعودية في عدوانها، عمد في نيسان عام 2015 إلى إنهاء مقاطعته للبرلمان التي استمرت سبعة أشهر، وطالب مع أحزاب معارِضة في باكستان بعقد مؤتمر يجمع جميع الأحزاب لمناقشة التطورات في اليمن، كي لا يتفرّد الحزب الذي يتزعمه شريف بالقرار. وتحت الضغوط الداخلية التي قادها خان، فشلت حكومة شريف في الحصول على موافقة برلمانها للتدخل العسكري إلى جانب السعودية في اليمن. وأصدر البرلمان الباكستاني قراراً يدعم فيه الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية بالطرق السلمية فقط، مانعاً الحكومة من نشر وحدات عسكرية في الحرب اليمنية.
لم يكتفِ خان بمعارضة أي مشاركة باكستانية في العدوان السعودي على اليمن، بل إنه عارض أيضاً إرسال قوات باكستانية إلى السعودية تحت ذريعة تدريب جيش الأخيرة، على اعتبار أن تلك الخطوة قد تكون التفافاً على قرار البرلمان الباكستاني، حيث دعا، في شباط الماضي، إلى عدم السكوت عن إرسال الحكومة الباكستانية قوات من الجيش إلى السعودية، من دون اكتساب ثقة المجلس الوطني، وهو ما نتج عنه قيام رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني، السيناتور رضا رباني، باستدعاء وزير الدفاع خرم دستغير، لتقديم إيضاحات حول خلفية القرار.
يوجّه خان، الذي فاز مع بلاده في بطولة العالم للكريكت كلاعب، أنظاره باتجاه ما تعانيه بلاده على الصعيد الداخلي. وفي العديد من إطلالاته الإعلامية، أكد أن قضية باكستان لا علاقة لها بالليبرالية أو الأصولية، كما ينظر إليها الغرب، بل هي قضية حكم. ويرى الرجل أن مشكلة الغرب هي في النظر إلى باكستان على أنها قضية ليبرالية وأصولية، مسخّفاً تلك الرؤى، مقارنةً بما تعانيه بلاده، التي يوجد فيها 25 مليون طفل خارج المدرسة، ومعدلات وفيات أطفال هي الأعلى في العالم. وعلى رغم دراسته في «أكسفورد» البريطانية وحياته وزواجه السابق في المملكة المتحدة، فإن خان ينظر إلى الولايات المتحدة من زاوية المآسي التي خلفتها بعد اجتياحها لأفغانستان، وينفي مزاعمها حول أن بلاده توفر «ملاذات آمنة» لحركة «طالبان» الأفغانية وحلفائها. وقد واجه خان اتهامات بالتساهل مع «التطرف الإسلامي»، حيث أطلق عليه مناوئوه لقب «طالبان خان»، لكنه رفض بشدة تلك المزاعم، موضحاً أنه دعا فقط إلى محادثات سلام مع تلك الجماعات كطريقة لحل الصراع في باكستان.
في أعقاب اتهام الرئيس الأميركي لباكستان بدعم الإرهاب، قاد خان حملة واسعة في البرلمان لحثّ الحكومة على إعادة النظر في العلاقات مع واشنطن. تحركات خان البرلمانية تلك، في تموز من العام الماضي، أرغمت وزير الخارجية خواجة محمد آصف على إلغاء زيارته لواشنطن، ورفض سفر الممثل الأميركي لشؤون أفغانستان وباكستان إلى إسلام آباد، معلّلاً ذلك بالسياسات الجديدة لإسلام آباد، التي أقرها البرلمان. وفي خلال المسيرات الانتخابية الأخيرة التي نظمها حزب خان في المناطق الباكستانية، ارتفعت شعارات عديدة رافضة للسياسات الأميركية في جنوب آسيا. وفي مسيرة لاهور، نقلت «بي. بي. سي.» عن سياسي بارز من حزب خان قوله إن «أي شخص يوالي الولايات المتحدة فهو خائن». وكان خان، بدوره، قد وصف سياسة الولايات المتحدة في أفغانستان بأنها الأسوأ، وأن واشنطن فشلت في حل المسألة بالطرق العسكرية.
فشِل عمران خان مراتٍ عديدة في تحقيق فوزٍ كاسحٍ يخوّله الوصول إلى السلطة، فهو لم يفز بأي مقعد في انتخابات عام 1997، قبل أن يفوز بمقعدٍ واحدٍ فقط في انتخابات 2002، وقد مرّ بتقلباتٍ سياسية عديدة، تجلت في دعم انقلاب برويز مشرف عام 1999 ثم انتقاده في انتخابات 2002، وأيضاً في 2007، حينما انضم إلى المطالبين باستقالة البرلمان ما لم يستقل مشرف من الجيش، قبل دخوله الانتخابات. ويصل خان إلى الحكم حالياً كخصم لنواز شريف، الذي كان قد أطاحه مشرف في انقلابه، قبل أن يشكل حكومة ثالثة في عام 2013، بعد عودته من منفاه في السعودية عام 2007، إلا أن شريف تابع الانتخابات التشريعية من داخل السجن، حيث يقضي محكوميته منذ الثالث عشر من الشهر الحالي، والبالغة 10 أعوام، بعد توجيه اتهامات فساد بحقه، على خلفية وثائق بنما، حيث سلّم رئاسة حزبه إلى أخيه شهباز، بعد قرار المحكمة منعه من القيام بأي نشاطٍ سياسي.
تغيير وجه الحكم في ثانية أكبر الدول الإسلامية، لا يمكن تجاهله من قبل السعودية والولايات المتحدة. فوصول عمران خان الذي وصف حكام العالم الإسلامي بـ«الدمى التي تديرها واشنطن»، إلى الحكم، سيكون له تأثير مباشر على سياسات باكستان الخارجية بشكلٍ عام، وعلى علاقة إسلام آباد مع الرياض بشكلٍ خاص. السعودية ستجد نفسها أمام خطاب سياسي جديد في البلد النووي، الذي حاولت جاهدة استمالته إلى جانبها بوجه إيران، في الآونة الأخيرة، من دون أن تحقق نتائج ملموسة على هذا الصعيد، لا سيما بعد ما تردّد عن رفض الحكومة الانتقالية الباكستانية أخيراً طلباً تقدمت به ​الولايات المتحدة​ و​السعودية​ لإنشاء غرفة عمليات في ​بلوشستان​ الباكستانية، لزعزعة النظام في إيران. والآن، مع وصول خان، المدعوم من قادة الجيش، واستناداً إلى مواقفه السابقة، فإن عاملاً حاسماً في العلاقات الأمنية والسياسية مع الرياض وواشنطن قد فرضَ نفسه. فالسعودية التي سعت إلى محاصرة إيران «إسلامياً وجغرافياً»، تبدو هي محاصرَة الآن، بعد تفرّق معظم حلفائها عنها، أو سقوطهم بقرار شعبي داخلي، الواحد تلو الآخر.