لا خيار سوى المواجهة في بلاد هوغو تشافيز. الثورة ومكتسباتها ومستقبلها واستقلال البلاد باتت كلها الآن أمام أقسى الاختبارات منذ زمن بعيد. أنصار الرئيس نيكولاس مادورو، وحكومته، أدركوا تماماً أن الخيارات تضيق، مع بلوغ التصعيد الأميركي حد اللاعودة وتحوله إلى ما يشبه العدوان، بعد حصار اقتصادي منهك لم تفرضه الولايات المتحدة إلا لبلوغ يوم مماثل.

سريعاً، منذ أمس، بدأ جدول أعمال المواجهة يفرض نفسه مقابل الخطوات الانقلابية المتصاعدة بزعامة رئيس البرلمان خوان غوايدو الذي يمثل رأس حربة الانقلاب الأميركي. نفّذ مادورو تهديده بقطع العلاقات مع واشنطن، إثر تبني الأخيرة إعلان غوايدو نفسه أمام تجمع لأنصاره رئيساً مؤقتاً للبلاد حتى «التوصل إلى حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة» كما قال.
«أمام الشعب والأمة والعالم، أُعلن باعتباري الرئيس الدستوري قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع الحكومة الأميركية الإمبريالية»، ردّ الرئيس الثوري أمام حشد من أنصاره، معلناً صفحة جديدة من الصراع، وممهلاً الدبلوماسيين الأميركيين 72 ساعة لمغادرة البلاد.
بالموازاة، نزل الفنزويليون إلى الشوارع، في خطوة تشي بأن المعسكر اليساري يعي أهمية عدم ترك سلاح الشارع للدعوات التي أطلقها اليمين أمس عقب محاولة الانقلاب العسكري الاثنين الماضي. عشرات الآلاف من الطرفين احتلوا شوارع العاصمة كاراكاس في عرضٍ للقوة لم يخلُ من العنف، إذ تناقلت وكالات الأنباء معلومات عن سقوط خمسة قتلى في نهار التظاهرات والليلة التي سبقته.

بدا إعلان مادورو وتظاهرات أنصاره إيذاناً بمرحلة جديدة


وإزاء التغطية الأميركية الصريحة لأعمال الفوضى والتخريب والاستفزاز في بلد يهدّد فيه الانقسام العمودي بالانزلاق نحو حرب أهلية دامية، كان لافتاً ورود أنباء عن إقدام محتجين في مدينة سان فيليكس (ولاية بوليفار) على إحراق تمثال لتشافيز، في تكرار مماثل لأحداث 2017.
إعلان مادورو والتظاهرات الحاشدة لأنصاره بدت إيذاناً بالمرحلة الجديدة التي تتقدم فيها مواجهة شاملة مع الانقلابيين، ومن خلفهم واشنطن، على حساب «التعايش» الهش الذي طال أكثر من عام، وجنوح نظام كاراكاس نحو التسوية والتهدئة. فالانتظار لم يعد في مصلحة النظام اليساري الذي يجد نفسه في مرمى مشروع الإدارة الأميركية وصقورها. مشروع يتحدث عنه صراحة مستشار الأمن القومي جون بولتون، وأشار إليه نائب الرئيس مايك بنس الذي حدد سابقاً محور «الدول المارقة» الخمس: إيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا ونيكاراغوا.
على الجبهة المقابلة، تعلو التهديدات الأميركية التي تواكب الانقلاب الذي ينفذه غوايدو، ووصلت إلى حد قول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للصحافيين في البيت الأبيض أمس، إن «كل الخيارات على الطاولة»، بعد أن أعلن اعترافه بغوايدو رئيساً واعتباره حكومة مادورو «غير شرعية». وفي تفسير لـ«الخيارات» الأميركية ضد كاراكاس، لم يستبعد مسؤول في الإدارة التدخل العسكري «إذا اختار مادورو وزمرته الرد بعنف»، كما نقلت وكالة «فرانس برس».
يذكر أن إعلان ترامب تضمن دعوة للدول الغربية إلى الانضمام إلى خطوته، وتهديداً بأن إدارته ستستخدم «إمكانات قوتها الاقتصادية والديبلوماسية كافة من أجل استعادة الديمقراطية في فنزويلا». ديموقراطية يبدو أنها لا تشمل أصوات من اقترع قبل أيام لدورة أخرى لمادورو، بل تقتصر على «الجمعية الوطنية» (البرلمان) المسيطر عليها اليمين الليبرالي، وتعدّ شرعيتها محط جدل دستوري واسع، فضلاً عن أن الدستور الفنزويلي لا يمنحها صلاحية إلغاء أصوات المقترعين للرئيس.
الحدث الفنزويلي منذ تطورات أمس، وفضلاً عن كونه محطّ استقطاب في القارة اللاتينية التي تشهد تراجعاً للقوى اليسارية في الحكم بلغ ذروته مع انتصار اليمين المتطرف في البرازيل، بات موضوع انقسام دولي بعد الاعتراف الأميركي بالانقلابيين. لكن الدعوة الأميركية التي رفضتها المكسيك عبر التمسك بالاعتراف بمادورو، وكذلك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي اختار إجراء اتصال تضامني مع مادورو، لم تلق تجاوباً حتى ليل أمس من كل الدول الغربية. وقد انضمت دول في الأميركتين إلى إعلان ترامب، هي كندا وتشيلي وبيرو وكولومبيا والأرجنتين والبرازيل والباراغواي، إلا أن الأصعب على مادورو هو «غدر» الإكوادور برئاسة لينين مورينو، المنقلب على يساريته.