لم تكن علاقة الحاج قاسم سليماني بسوريا وليدة الحرب، على الرغم من أنها بلغت ذروتها خلالها. هذه العلاقة بدأت مبكرة قبل تحرير الجنوب في العام 2000 بسنتين، حين تمّ تعيينه كقائد لـ«فيلق القدس» عام 1998. آنذاك، كان قادة «الحرس الثوري» المعنيون بمتابعة الملفات الخارجية، وخصوصاً العلاقة مع قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، يتخذون من سوريا مكاناً لإقامتهم. منذ ذلك الوقت، كان الحاج قاسم ينظر إلى سوريا كقاعدة «آمنة» لتوزيع المهام وعقد اللقاءات، والاستفادة من موارد الجيش السوري وقدراته، وأيضاً من وجود شخص رئيس الجمهورية بشار الأسد. في ما بعد، كان الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث ظهرت سوريا كهدف تالٍ للغزو الأميركي، وشكّلت في ذلك الوقت قاعدة لرفد المقاومة العراقية بالتجهيزات والسلاح لقتال الأميركيين، وهو ما كان لقاسم سليماني دور بارز فيه.

على الرغم من قِدَم نشاط سليماني في سوريا، إلا أن التحوّل الحقيقي في العلاقة كان بعد حرب تموز 2006. في تلك الفترة، بدأ دوره في سوريا يكبر باطّراد، مع انطلاق مرحلة جديدة من العمل برفقة صديقه وشريكه في حزب الله الشهيد القائد عماد مغنية. آنذاك، وفي ظلّ العمل على نقل تجربة حزب الله إلى الفصائل الفلسطينية، تحوّلت سوريا إلى أكثر من خط إمداد للمقاومة، إذ صارت حلقة وصل حقيقية بين قوى المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين، وبإشراف من الحاج قاسم. بعد سنتين، استشهد مغنية، شريك مشاريع سليماني في سوريا، لتتحوّل كلّ أعباء الملف إلى مسؤولية الأخير وحده.
نقطة التحول الثانية في سياق علاقة سليماني بسوريا كانت في العام 2011. تنبّه الحاج مبكراً لما يخطط لهذا البلد. بعد فترة قصيرة من المراقبة، اتخذ قراراً بتعزيز دور المستشارين الإيرانيين هناك، بموجب الاتفاقات الموقعة مع بين طهران ودمشق، قبل أن يضع خطة عمل مبدئية تقوم على: «أولاً، الحفاظ على الرئيس الأسد كشخص وموقع. ثانياً، الحفاظ على تماسك الجيش السوري قدر الإمكان. ثالثاً، الحفاظ على العاصمة دمشق بعد بدء سقوط المحافظات الأخرى. رابعاً، منع قطع الوصل بين غرب سوريا وعاصمتها دمشق عبر منع سقوط حمص». بعد ذلك، شرع الحاج بالتعاون مع القيادة السورية في بناء جيش رديف (الدفاع الوطني) وتطويره. كان تشخيص الحاج قاسم أن «الأعداء ذاهبون إلى تدخل أكبر بكثير في الحرب في سوريا، ولن نقف مكتوفي الأيدي». أظهر اهتماماً خاصاً بمعارك محافظة حمص، وخصوصاً منطقة القصير، ومعارك ريف دمشق الشمالي الغربي، وخصوصاً منطقة القلمون. تابع معارك القلمون الأولى والثانية بنفسه، وجال خلالها ميدانياً. «كان يرى فيها بعدين: الأول أن هذه المناطق تمنح قدرة على تأمين شريان حياة للعاصمة دمشق نحو لبنان وحماية الأخير، والثاني تأمينها ضمن خطط تحصين العاصمة السورية». في تلك الفترة، بدأت المعارك في الساحل أيضاً، ليبدأ الحاج بتعزيز «الدفاع الوطني» بالعتاد والعديد، مولياً اهتماماً أيضاً للحرب الإعلامية والنفسية ضدّ المسلحين ومشغليهم.
في العام نفسه الذي انطلق فيه العمل لتأمين دمشق، خصوصاً من جهة لبنان، برز تهديد الولايات المتحدة بـ«الردّ» على هجوم كيميائي مفترض وقع في ريف دمشق، واتُهَم به الجيش السوري. في ذلك الوقت، تواجد الحاج قاسم في دمشق، وأجرى اتصالات عدة، فضلاً عن عمليات تعزيز عسكرية، وإجراءات ميدانية في عدة بلدان في المنطقة. كما وجّه رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الأميركي تحذّره من مغبة الخوض في حرب على سوريا. «نُصح أوباما بأن هذه تجربة العراق أمامك»، يقول أحد المقرّبين من الحاج، مضيفاً: «كان القرار أن سوريا لن تسقط حتى لو ذهبنا إلى خيارات استشهادية». حينها سُرِّب إلى الإعلام نقلاً عن سليماني قوله: «بلاد الشام هي معراجنا إلى السماء وستكون مقبرة الأميركيين»!
العام التالي، عام سيطرة تنظيم «داعش» على أجزاء من العراق، رصدت فرق الحاج تحركات التنظيم ونشاط عناصره. مباشرة، حطّ ليلاً في بغداد: «كان التشخيص منع سقوط بغداد»، يقول مصدر مقرب من سليماني. بعد مدة قصيرة، ظهر أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم، في خطبة في غرب الموصل أعلن فيها قيام «الخلافة». تسارعت الأحداث، فتمدّد «داعش» في العراق ثم سوريا. مباشرة، شرع الحاج في رسم خريطة عمل، أقرّ بموجبها «علاجاً» باتجاهين: الأول تعزيز «الحشد الشعبي»، والثاني تعزيز الجيش السوري والقوى الرديفة في سوريا والتجهيز لقتال التنظيم. في عام 2015، مع تعاظم خطر «داعش» واستعار المعارك حول مدينة حلب، بدأ سليماني مساعيه لإدخال روسيا على خطّ الحرب السورية. هكذا، توجّه إلى موسكو، بعد «اتصالات روسية إيرانية رفيعة المستوى أدت إلى اتفاق يقضي بضرورة ضخّ دعم جديد للأسد»، و«توفير أسلحة روسية أكثر تطوراً للجيش السوري، وإنشاء غرف عمليات مشتركة تجمع هؤلاء الحلفاء معاً بالإضافة إلى العراق».
جنوباً، ومع بدء الغارات الإسرائيلية في سوريا، ذهب الحاج مباشرة بإطلاق المقاومة الشعبية في الجولان، وكان مسألة «ربط نزاع» أكثر من كونه اتجاهاً عملياتياً ضخماً. بعد غارة القنيطرة الشهيرة التي استشهدت فيها مجموعة من حزب الله والحرس الثوري، أخذ سليماني قراراً بالذهاب نحو أبعاد أخرى للعمل في الجنوب، عبر توسيع العمليات في المدن والبلدات الجنوبية (الشيخ مسكين ...). وفي السياق نفسه، سعى دائماً الى تفعيل برامج التطوير والتحديث في الأعمال العسكرية والتسليحية لقوى المقاومة في سوريا وانطلاقاً منها. وعلى هذا المنوال، وضع برامج تشغيلية لعدد كبير من القوى متعددة الجنسيات للعمل عليها وتدريبها وتجيزها لقتال إسرائيل، والإعداد لـ«المعركة الكبرى».

كسر الحدود
كان استحقاق الشمال السوري (حلب 2015 – 2016 / الشرق 2017) منعطفاً حقيقياً في الحرب، أولاه الحاج قاسم اهتماماً كبيراً. يقول أحد القادة الميدانيين الذين شاركوا تحت قيادته في المعركة إن الحاج «تواجد شخصياً في الميدان وعاين السواتر بنفسه»، كما كان يقوم «بعشرات الرحلات، بعضها يومي، بين بغداد ودمشق وبيروت وطهران» لتنسيق العمليات. شكّلت معركة حلب بالنسبة إليه «المعركة الحاسمة». كان الرئيس الأسد، بعد السيطرة على المنطقة الوسطى، قد ارتأى أن تكون حلب هي الوجهة المقبلة، وهو ما تبنّاه الحاج أيضاً. لم يتأخر سليماني عن المهمة: سرعان ما بدأ بالتخطيط، ليُعلَن لاحقاً عن غرفة «عمليات الحلفاء» وينطلق التحشيد العسكري والإعلامي. أراد الحاج معركة حلب «باكورة التعاون بين قوى محور المقاومة وروسيا»، بحسب ما يقول قائد ميداني كان برفقته حينها. أشرف سليماني شخصياً على التجهيزات، وأجرى لقاءات مع كلّ الفصائل المشاركة في العمليات. وفي العام 2016، بدأ الحديث عن سلامته الشخصية، وإمكانية تعرّضه لاغتيال. يومها، قال له القائد علي خامنئي: « شاهدتك على التلفاز».

كان استحقاق الشمال السوري منعطفاً حقيقياً في الحرب، أولاه الحاج قاسم اهتماماً كبيراً


أما في معارك الشرق السوري، خصوصاً عمليات البادية السورية، فقد كان الحاج قاسم حاضراً شخصياً أيضاً. تهيّب الجميع الدخول في تلك المعارك: صحراء قاحلة ومساحات مفتوحة ممتدة على العراق، ولا أفق للعمليات فيها. أصرّ على خوض غمار البادية مقاتلاً. أعلن بدء عمليات «والفجر» الكبرى، وكان يقودها ميدانياً. يروي أحد القادة أن سليماني أرسل مبعوثاً إلى مقرّ واحد من «الكوادر» في حزب الله، طالباً ملاقاته على وجه السرعة. كان ذلك في يوم من أيام شهر رمضان من العام 2017. تحرّك المسؤول سريعاً، وحين وصل سأل الحاج: ألم تكن تنتظر المسألة إلى ما بعد الإفطار؟، فردّ سليماني: «يجب أن نهزم أميركا». كان الحوار المتقدم قبيل توجّه الرتل الأول من قوى المقاومة نحو الحدود مع العراق، والإعلان عن التقاء القوات السورية والعراقية والحليفة عند الحدود. قبيل ذلك، وصل الحاج قاسم إلى خط الجبهة في البادية، وأجرى اجتماعاً مع القادة الميدانيين هناك، وأعلمهم أن «الأميركي يريد الدخول إلى البوكمال إذا لم ندخل خلال 5 أيام»! بعد الاجتماع، خرج ووقف على الساتر، وطلب من العسكريين فتحه أمامه، ليتقدم بنفسه بسيارته وسيارات مرافقيه، حتى قطع 35 كم في ساعة ووصل إلى البوكمال، قبل أن يصل الأميركيون.