لم يعد أمر المفاوضات الجارية بين السعودية و«أنصار الله» سرّاً. على أكثر من مستوى وفي غير مكان تدور مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة (عبر وسطاء) بين الطرفين، يبدو من المبكر التكهّن بنتائجها، وإن كانت المؤشرات تفيد إلى الآن باقتصارها على هدنة محدودة. على الجبهات الحدودية، يلتقي قادة عسكريون يمنيون وآخرون سعوديون عبر دوائر تلفزيونية مغلقة، في اجتماعات تتناول خصوصاً الشؤون العسكرية والأمنية. وفي سلطنة عُمان، يواصل وفد «أنصار الله» التفاوضي مشاوراته مع أطراف دوليين عديدين، فيما تتولى الأمم المتحدة نقل رسائل بين الحين والآخر، بعضها يأتي من الولايات المتحدة. أما في الأردن، فتدور منذ أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي محادثات غير رسمية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» أمس عن مصادر مطّلعة. وبينما قال مسؤول سعودي إن «لدينا قناة مفتوحة مع الحوثيين منذ 2016، ونواصل هذه الاتصالات لإقرار السلام في اليمن»، أشار مسؤول في «أنصار الله» إلى أن الحركة تبحث «وقف إطلاق نار موسعاً» مع الرياض، مستدركاً بأن «صبرنا يوشك على النفاد».

مردّ ذلك، على ما يبدو، أن السعودية ما زالت تراوغ وتحاول شراء الوقت. ففيما تشترط صنعاء أن تكون الهدنة محدودة بسقف زمني معين (ستة أشهر على سبيل المثال)، ومشروطة بإنهاء الحصار وفتح مطار العاصمة، تريد الرياض أن تكون الهدنة مفتوحة وغير مشروطة، بغية إبقاء قدرتها على التحكّم في ورقة الاقتصاد اليمني، وامتلاك فرصة التحلّل من الاتفاق عندما يصبح الظرف مناسباً لها. بمعنى آخر، تُفاوض المملكة الجانب اليمني لرفع الضيق عنها، وليس رغبة في السلام وإنهاء الحرب. أما ما يشاع بخصوص طلبها، ومن ورائها جهات غربية وتحديداً بريطانية، «تقنين» العلاقة مع إيران ومحور المقاومة، فهو غير وارد البتّة لدى «أنصار الله»، التي تعتبر علاقاتها بالدول شأناً سيادياً وليست بنداً للنقاش على طاولة المفاوضات.

يبدي أصحاب القرار السعوديون، للمرة الأولى، نوعاً من الجدّية في المفاوضات


مع ذلك، يبدي أصحاب القرار السعوديون، للمرة الأولى، نوعاً من الجدّية في المفاوضات، وهم تعمّدوا تسريب خبرها إلى أكثر من جهة إعلامية، بعدما أظهروا في الشهور الماضية مرونة مستجدّة لم تكن موجودة في السابق. مرونةٌ أنبأت بها مواقف وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، وشقيقه نائب وزير الدفاع خالد، وإن اكتنف تلك المواقفَ الغموض، ولم ترقَ إلى الصراحة المطلوبة. ولم يكن هذا التحول ليظهر لولا التطورات الكبرى في الإقليم لمصلحة محور المقاومة، والتغيرات في موازين القوى في الحرب على اليمن لمصلحة الجيش واللجان الشعبية، فضلاً عن الاستحقاقات التي تنتظر المملكة في الفترة المقبلة. كلّ ما تقدم يمكن تلخيصه وفق الآتي:
- الخشية السعودية من تكرار ضربة «أرامكو» أو ما يعادلها، وما قد يترتب على ذلك من أعباء سياسية ومالية واقتصادية ومعنوية.
- استضافة السعودية أعمال الدورة الـ15 من قمة «مجموعة العشرين» يومَي 21 و22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، والمؤتمرات المُمهّدة لتلك القمة في منتصف العام المقبل، مع الإشارة إلى أن الكثير من دول هذه المجموعة تتعرّض لضغوط داخلية، إعلامية وحقوقية، في شأن الحرب على اليمن وما تُخلّفه من مآسٍ.
- الخوف من فقدان السيطرة على المنشآت الحيوية والمطارات الجوية في جنوب السعودية، من جرّاء تعرّض تلك المنشآت والمطارات للاستهداف المتكرر من قِبَل منظومتَي الصواريخ والمسيّرات التابعتين لصنعاء.
- الهجمات البرية للجيش واللجان الشعبية لاجتياز الحدود، والسيطرة على مدن وقرى في جنوب المملكة، مع ما ينطوي عليه ذلك من إسقاط للهيبة السعودية، وإظهار لعجز جيشها ومرتزقتها في الحرب البرية.
- حاجة السعودية الشديدة إلى التقاط الأنفاس وإعادة رسم استراتيجيتها وتكتيكاتها بعيداً عن ضغوط المعارك والحرب.
- الخشية من انفراط عقد «التحالف» بعد الاتجاه الإماراتي نحو الانسحاب التدريجي من اليمن.
مع ذلك، لا يبدو إلى الآن أن ثمة تغيّراً حقيقياً في العقلية السعودية التي لا يزال يركبها العناد والمكابرة، على رغم الإخفاقات العسكرية والميدانية المتتالية، وانتقال المعركة إلى أراضي المملكة، وانسداد أفق الحرب. على أن «أنصار الله» تجد اليوم أن الفرصة سانحة لمنح الجانب السعودي السلّم الذي لا يزال يبحث عنه للنزول عن الشجرة، وهذا تحديداً هو الذي حرّك مبادرة صنعاء نحو وقف إطلاق الصواريخ والمسيّرات على دول العدوان.