رمال أفغانستان: الغرقُ الأميركي بلا قعر



كلما ازداد استثمار واشنطن في الحرب، بدا الأمر كأنها تُمسِك بعجلة قيادة منفصلة عن بقية العربة (أ ف ب)

أكثر من 16 عاماً مرّت على أمر الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، لقواته بغزو أفغانستان وقصفها جواً وبراً، رداً على «غزوة بن لادن». دفعت الولايات المتحدة بعشرات الآلاف من قواتها، وأنفقت مليارات الدولارات على حرب لا تزال مفتوحة، وقد تكون مقبلة على تصعيد أخطر في ظلّ التعقيدات الإقليمية المتنامية وفي ظلّ «العقدة الباكستانية» التي يقترب دونالد ترامب من مرحلة «تفجيرها». ولكن بأي حال، لطالما جرى التحذير في واشنطن من الدخول في حرب ضد بلاد تقول كتب التاريخ الحديث إنّها هزمت كل الغزاة

محمد دلبح

واشنطن | مع توالي الأيام منذ عام 2001، كانت الحكومات الأميركية المتعاقبة تبرر حربها في أفغانستان بالسعي إلى «إنهاء الإرهاب والقضاء على طالبان». لكنّ التنظيم الذي انبثق من المدارس القرآنية في أفغانستان وباكستان، لا يزال بعد نحو 16 عاماً على السقوط الرسمي لدولته، حاضراً بقوة في مدن البلاد وأريافها، بما في ذلك العاصمة كابول.

يضرب في مختلف الأنحاء، فيما يتحرك مقاتلوه دون خوف أو فزع. أما واشنطن، فتبدو محتارة في ما ستفعل للخروج من بلد هي بالأصل لا تكادُ تُسقطه من أولوياتها المرتبطة مباشرة بمصالحها الاستراتيجية في ذلك الإقليم. إلا أنّ البحث عن خروج يحفظ ماء وجه جنرالات البنتاغون، لم يمنع الرئيس دونالد ترامب من القول في خطابه حول «حال الاتحاد» الأخير: «إنّ جيشنا إلى جانب شركائه الأفغان البطوليين، لم يعد تُضعفه جداول زمنية مصطنعة، ولم نعد نُخبِر أعداءنا بخططنا».

إلى باكستان در!

منذ تشكُّل دولة باكستان عام 1947 بقرار الانفصال عن الهند، تنظر الولايات المتحدة إليها عموماً بوصفها محوراً استراتيجياً في المنطقة، وأقرب حليف عسكري لها في جنوب آسيا منذ عقود. لكن مع تزايد الغرق في الرمال الأفغانية، ثمة جهات أميركية رأت أنّ باكستان قامت في مراحل مختلفة بتنفيذ «حملات أفغانيّة» كان ينجم عنها استمرار هدر أموال الأميركيين وأرواحهم. من بين الدلائل الأميركية على ذلك، أنّ السنوات التي أعقبت غزو أفغانستان، شهدت على بطء الحل الذي انتهجته واشنطن بالاعتماد على باكستان كطرف أساسي لإنجاح حربها وللقضاء على «تنظيم القاعدة» الذي كان يتخذ من أفغانستان مقراً له، في ظل حكم «طالبان». وفي كتابه «حروب الأشباح»، يشير ستيف كول، إلى أنّ «بذور عدم الثقة زُرِعت في وقت مبكر بين الطرفين، وأدت إلى تراكم الاتهامات المتبادلة باطّراد».
عملياً، منحت الولايات المتحدة باكستان دوراً مؤثراً في استراتيجيتها الأفغانية. غير أنّ الخطأ الذي ارتكبته إدارة جورج بوش الابن، هو في السماح لـ«تحالف الشمال» (جبهة عسكرية تأسست في منتصف التسعينيات، كان من أبرز وجوهها أحمد شاه مسعود)، بتولي السلطة بعد دحر «طالبان» من كابول وقندهار في أواخر عام 2001. وقد حذّر رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إي» في إسلام آباد، الحكومة الأميركية من الانحياز إلى «تحالف الشمال» الذي تعتبره باكستان ميّالاً إلى الهند على حسابها، بينما هي تريد عودة البشتون ــ حلفاؤها التقليديون ــ إلى السلطة كجزء من التسوية السياسية عقب «هزيمة طالبان».
هذا المسار من العلاقات المتقلبة بين إسلام آباد وواشنطن بما يخصّ الحرب الأفغانية، دفع بالرئيس دونالد ترامب، ذي الشخصية الجدالية، إلى أن ينشر في مطلع الشهر الماضي تدوينةً، قال فيها: «إنّ الولايات المتحدة، وبحماقة، أعطت باكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات في السنوات الـ 15 الأخيرة، في حين أنّها لم تُعطِنا سوى الأكاذيب والخداع».


ويبدو أنّ هذا التصريح يقفز فوق ما كان ثابتاً في واشنطن طوال ذلك المسار: تعتبر الدوائر الأميركية أنّ رهاناتها في باكستان عالية جداً بما لا يسمح لها بالتخلي عن علاقاتها معها، أو باتخاذ خطوات من شأنها زعزعة الاستقرار. وللإشارة، إنّ المقارنة بين «الرهانات الباكستانية» و«الرهانات الأفغانية» كانت تُبقي دوماً كفة إسلام آباد راجحةً أميركياً.

إضاءة على الماضي

بعد عام 2003، نتج من تركيز بوش الابن على استراتيجيته العراقية، تراجعاً في التركيز على أفغانستان. وهكذا، بدأت الاستخبارات الباكستانية العمل على تسليح «طالبان» وتمويله (البشتونية بغالبيتها في حينه) والجماعات المسلحة الأخرى المتعاطفة مع إسلام آباد، وذلك في مسعى لتعزيز نفوذها. في الأثناء، كانت الولايات المتحدة تتعثّر في مساومات غير رسمية وغير معلنة مع باكستان لمساعدتها في «مكافحة القاعدة»، في مقابل توقف الأخيرة عن «تخريب الحملة الأميركية» في الدولة الجارة. إلا أنّه في كتاب «حرب الأشباح»، يخلص ستيفان كول إلى أنّ الصفقات كانت «مربحة بشكل مذهل» لإسلام آباد، إذ بدأت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» بنقل «مئات الملايين من الدولارات نقداً»، سنوياً، إلى باكستان، بحجة «تشديد جيشها في عمليات مكافحة الإرهاب». ولكن في الحقيقة، كلّ ذلك كان بمثابة «الرشوة القانونية» إلى جنرالات الجيش الباكستاني.
كما حصل في عهد بوش الابن، فإنّ الكونغرس لم يتوقف خلال عهد باراك أوباما عن الموافقة على «مساعدة باكستان»، وسط بروز بعض التحفظات بين الحين والآخر. وقد مرّت السنوات قبل أن يُدرك أعضاء الكونغرس دورهم في «المهزلة الباكستانية». في السياق، أعرب العضو الديموقراطي البارز في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي غاري أكرمان، أثناء جلسة استماع جرت عام 2012، عن أسفه لأنّ «باكستان باتت ثقباً أسود للمساعدات الأميركية». وكنتيجة لذلك، بدأ أعضاء الكونغرس يدعون إلى وضع استراتيجية للضغط على باكستان عن طريق «خفض المساعدات السنوية».


الجنرال الباكستاني كياني: نتحوّل إلى «تابع لواشنطن»

لكنّ الإدارة الأميركية واجهت مأزقاً حقيقياً، أو بالأحرى دوامةً حقيقيةً: مع تزايد الأهداف الأكثر طموحاً التي وضعتها الولايات المتحدة في أفغانستان (في البداية، كان أوباما يريد خفض عديد قواته، والانسحاب)، كانت الحاجة إلى مساعدة باكستان تتزايدُ بدورها! في المقابل، وبينما بدا أنّ المسؤولين الأميركيين الذين تعاملوا مع باكستان كانوا ينظرون إليها بوصفها «الزوجة التي استنزفت حساب البنك العائلي، ثم نامت مع الجار الغامض»، كان يصعب في الوقت نفسه إرضاء «الحليف الباكستاني»: مثلاً، بعد أسابيع من الغارة التي شنتها فرقة كومندوس أميركية في عام 2011، وقتلت أثناءها أسامة بن لادن في الأراضي الباكستانية، نُقِلَ عن قائد الجيش الباكستاني الجنرال أشفق برويز كياني، الحديث عن عجز بلاده التي تحوّلت في لحظة فارقة إلى «تابع لواشنطن»، تتلقى منها الدعم المالي «في مقابل تقديم خدمات».

قيادة عربة مفككة

كلما ازداد استثمار الولايات المتحدة في الحرب الأفغانية، بدا الأمر كأنها تُمسِك بعجلة قيادة منفصلة عن بقية العربة: خطوط التموين الرئيسة للقوات الأميركية التي يتزايد عددها تمرّ عبر باكستان، فيما تمكنت الحكومة في إسلام آباد من قطع الإمدادات، وترك قوافل من الشاحنات متوقفة بين ميناء كراتشي ومختلف المعابر الحدودية (فعلت ذلك لمدة سبعة أشهر في عام 2011).
من هذه الزاوية، تُظهِرُ سنوات الحرب عدم وجود سياسة كبرى للولايات المتحدة في أفغانستان، وهو أمرٌ كان يصعب لبعض اللاعبين الرئيسيين، ولا سيما الرئيس الأفغاني الأسبق حميد قرضاي، والجنرال الباكستاني كياني، قبوله. اختار هؤلاء ملء الفراغ بـ«نظريات المؤامرة»، إذ كان كياني وغيره من كبار المسؤولين العسكريين الباكستانيين، يُعرِبون عن اعتقادهم بأنّ الولايات المتحدة تعمل سراً مع حكومة قرضاي بغية تعزيز نفوذ الهند فى أفغانستان كثقل يُوازن ثقلهم. إضافة إلى ذلك، كان الباكستانيون يعتقدون أنّ قرضاي يُشارك في مؤامرة أكثر تفصيلاً، تتمثل في: إرسال واشنطن المزيد من قواتها إلى بلاده «للحصول على موطئ قدم دائم في آسيا الوسطى، يمكن للولايات المتحدة من خلاله منافسة روسيا والصين من أجل التفوّق في المنطقة». (مثل هذا التفكير، شكّل أحد الأسباب الأميركية التي دفعت بنائب الرئيس السابق جوزيف بايدن، إلى إبلاغ قرضاي، وفق ما نُقِلَ عن اجتماعهما في كابول في مطلع عام 2009، وتحديداً بعد شهرين من تولي أوباما للحكم، بأنّ «باكستان أكثر أهمية من أفغانستان بخمسين مرة»).

هدف ترامب ... الباكستاني

في الخطاب الذي أعلن فيه ترامب استراتيجيته في جنوب آسيا وأفغانستان، في شهر آب الماضي، عرض خطة جديدة لأفغانستان تتضمن استراتيجية عسكرية وتحذير باكستان بشأن «دعمها لطالبان»، معلناً أنّ إسلام آباد مصدر تهديد في تلك الاستراتيجية التي تنصّ على حسم حرب أفغانستان عن طريق إرسال مزيد من القوات والضغط على إسلام آباد «لإنهاء دعمها» للجماعات المسلحة، مثل «شبكة حقاني» التي «تتعاون مع طالبان» في استهداف القوات الأميركية. وهدد ترامب بـ«قطع المساعدات» عن إسلام آباد.


أيضاً، دعا الرئيس الأميركي الهند، وهي العدو التقليدي لباكستان، إلى القيام بدور أكبر في الشؤون الداخلية لأفغانستان، وهو تهديد يهدف بوضوح الى تخويف المسؤولين الباكستانيين ودفعهم نحو التراجع. وقال ترامب في خطابه إنّ بلاده تريد أن تنجح الحكومة الأفغانية، مضيفاً أنّ «الدعم الأميركي ليس شيكاً على بياض». كما تحرك ترامب بشكل حاسم، بعيداً عن سياسة عهد بوش الابن التي كانت تدّعي في ظاهرها أنّ «الولايات المتحدة قوّة تنشر الديموقراطية». وقال ترامب: «نحن لسنا دولة مهمتها بناء دولة (أخرى)... نحن نقتل الإرهابيين»، فيما ذهب وزير خارجيته ريكس تيلرسون، إلى أبعد من ذلك، إذ أعلن في بيان عقب انتهاء خطاب ترامب، أنّ بلاده «توضح بأنّ طالبان لن تربح المعركة».
إثر ذلك، بدأت واشنطن في بداية الشهر الماضي تنفيذ تهديدها لباكستان من خلال تعليق مساعدات عسكرية بقيمة 255 مليون دولار، تلاها تعليق مساعدات أمنية تبلغ نحو ملياري دولار، كما طالبت وزارة الخارجية الأميركية، إسلام آباد، في بيان في الرابع من الشهر الماضي، بـ«تحرك حازم» ضد فصائل «طالبان» الموجودة في باكستان، إلى جانب التحرك ضد «شبكة حقاني». أيضاً، وإلى جانب النبرة الجديدة لواشنطن والتي تتابعت في تصريحات مختلفة (لا تزال متواصلة إلى اليوم)، وُضِعَت باكستان على «قائمة المراقبة الخاصة» لاتهامها بارتكاب «انتهاكات خطيرة للحرية الدينية». (وفق هذا التصنيف، قد يتمّ فرض عقوبات على الدولة المشمولة بهذه القائمة، وبالتالي التمهيد لدخول مرحلة العقوبات، وليس فقط تعليق المساعدات). جديرٌ بالذكر، أنّ هذه ليست المرة الأولى التي توقف فيها الولايات المتحدة مساعداتها لباكستان، إذ كانت وجوهٌ في الكونغرس قد طالبت في أواخر الثمانينيات بوقف المساعدة، بدعوى أنها تُستخدم لصناعة القنبلة النووية، وفي عام 1992 تمّ وقفها أيضاً بدعوى «دعم باكستان لجماعات إرهابية» داخل الهند.

مواجهة... باستخدام الهند!

مع ظهور الإحباط على سيّد البيت الأبيض، الذي نشر في مطلع عام 2018 تغريدة غاضبة تدين سنوات الـ«لا شيء، سوى الكذب والخداع»، ويُعلن فيها الانقلاب على باكستان، محمّلاً إيّاها مسؤولية 16 عاماً من الإخفاق في أفغانستان، ومع ما تلا ذلك من تعليق للمساعدات، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الأمر يأخذ أبعاداً أخرى: الصراع الجيوسياسي في آسيا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، يبدو أنّه انطلق، ما يخلخل ثوابت راسخة لنظام ما بعد انتهاء القطبية الثنائية.
جزء كبير من العقوبات على باكستان، يستهدف الضغط عليها لوقف تهديداتها لحليف واشنطن «الجديد»، الهند، التي رفعت أخيراً من مستوى علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، وخاصة في مجال التعاون العسكري. وتسعى أميركا إلى أن تكون نيودلهي رأس حربة في مواجهة الصين التي تدعم باكستان. ولذلك، حين أطلق ترامب استراتيجيته الجديدة لجنوب آسيا، خرجت الهند لتعلن دعمها بشدّة لأنّ في ذلك فرصة لإضعاف عدوّها التقليدي (باكستان)، الذي خاضت ضده ثلاث حروب.
تحاول الهند أن تحلّ مكان باكستان في أفغانستان، وهي رفعت استثماراتها هناك إلى 3 مليارات دولار، وتريد من خلف ذلك اتباع استراتيجية «لتطويق باكستان»، مستفيدةً من الدعم الأميركي والحاجة إليه أيضاً لأنّ واشنطن لا يمكنها الانسحاب من أفغانستان دون تحقيق أهدافها بالتعاون مع وكيلٍ قويٍ يحفظ مصالحها في هذه المنطقة التي تخشى عليها من الصين.
كذلك، جاء انقلاب ترامب على باكستان نتيجةً لتصاعد التعاون بين باكستان وروسيا التي تريد، وفقاً للدوائر الأميركية، «تقويض الوجود الأميركي في جنوب آسيا» القريب من حدودها، وذلك من خلال التعاون مع الصين وإيران وباكستان، وتركيا. ولذلك، خرجت موسكو سريعاً لتعلن رفضها لاستراتيجية ترامب الجديدة هناك، ورفضها الاتهامات الموجهة إلى باكستان وإليها أيضاً، وكذلك فعلت الصين وتركيا.

الأميركيون ... «كفانا!»

يعتقد الخبير في العلاقات الباكستانية ــ الأميركية في «مجلس الأطلسي» في واشنطن، شجاع نواز، أنّ «من غير المرجح أن يكون للتهديد بقطع التمويل الأميركي ــ أو تغريدات ترامب المثيرة ــ تأثير كبير من شأنه تغيير سلوك باكستان». ويضيف أنّ «الأخيرة مترددة في إرضاء الولايات المتحدة لجهة التحرك ضد قيادة طالبان الأفغانية، إذ تعتبر أنّ واشنطن حليف بعيد المنال ومتقلب».
من جهة أخرى، ففي مقالة عن الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان، ينتقي الباحث إدوارد هانت، من جلسة الاستماع التي أُجرِيَت مع وزير الدفاع جايمس ماتيس، في بداية شهر تشرين الأول الماضي، تحت عنوان «الوضع الأمني والسياسي في أفغانستان»، المقطع التالي ليختتم به تقريره:
عندما سألت السيناتور الديموقراطيّة إليزابيث وارن، وزير الدفاع عن استراتيجيّة الإدارة في أفغانستان، أكد الأخير الوضع المعروف. أجاب بأنّ «الفساد مستفحل... ولا يوجد دعم للحكومة المحلية، وعدد الموتى في ارتفاع». لكن رغم كلّ ذلك، تُضيف وارن: «يُواصل جنرالاتنا القدوم إلى هنا والقول: امنحونا خطّة عسكريّة أخرى، وسوف تعمل»، مختتمة بالقول: «يصعب تبنّي ذلك، وخاصة إذا كان بالنيابة عن الناس الذين يخاطرون بحياتهم»... (أمام هذا الحديث، فإنّ) كلّ ما نجح ماتيس في قوله، وباختصار: «طبعاً»!


«الوضعُ ليس وردياً»

يوم الثلاثاء، أعلن راندال سكريفر، وهو مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن في آسيا والمحيط الهادئ، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أنّ «إجمالي نفقات الحرب في أفغانستان تبلغ سنوياً 45 مليار دولار، تشمل 5 مليارات دولار للقوات الأفغانية و13 مليار دولار للقوات الاميركية داخل افغانستان، فيما يذهب الكثير ممّا يتبقى للدعم اللوجستي». وأشار إلى أنّ «التكاليف الآن لا تزال أقل بكثير مما كانت عليه في أوج الحرب في أفغانستان بين 2010 و2012 عندما كان لدى الولايات المتحدة ما يصل إلى 100 ألف جندي هناك، وتجاوزت الكلفة 100 مليار دولار سنوياً. ويوجد حالياً حوالى 16 ألف جندي أميركي في أفغانستان».
أمام اللجنة نفسها، اعترف نائب وزير الخارجية، جون سوليفان، الذي زار كابول الأسبوع الماضي، بأنّ «الوضع ليس وردياً... هجمات الشهر الماضي شكّلت صدمة حقيقية». وأضاف: «لا أريد المجيء إلى هنا وأقول كما قال هنري كيسنجر، إنّ السلام في متناول اليد... ولكن لدينا سياسة نعتقد بأننا نريد أن نتمسك بها». وبينما أشار إلى أنّ بلاده ما زالت ملتزمة بالوساطة في «محادثات السلام» بين الحكومة وعناصر «يُمكن التوافق معهم»، جدير بالذكر أنّ «البنتاغون» أقرّ في نهاية الشهر الماضي بأنّ «طالبان» تحتفظ بقوة قوامها نحو 60 ألف مقاتل، وهذا يمثل زيادة كبيرة مقارنة بتقديرات عام 2014 (نحو 20 ألفاً). وكان مندوب «طالبان» لدى باكستان قبل «الغزو»، الملا عبد السلام ضعيف، قد أعلن في حديث صحافي أخير أنّ «قرار واشنطن بالضغط على طالبان عبر قتالها، سينتج منه المزيد من الدماء، فقط».


تذكير (واشنطن) بـ«كابوس مشرف»

على الرغم من الاتهام الأميركي لباكستان في بإفشال عملياتها في أفغانستان، ولكن لا يُنسى أنّ برويز مشرف، هو من وافق على مطالب الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، باستخدام أراضي بلاده لضرب «طالبان» التي كانت ترفض في عام 2001 «تسليم أسامة بن لادن». في حينه، وبعد عامين فقط من انقلاب مشرف على نواز شريف، تحوّل الأول إلى حليف واشنطن الأبرز إقليمياً في سياق «الحرب الإرهاب»، ما أدى إلى تراجع كبير في شعبيته محلياً.
وقد «عزز اعتقال أبو زبيدة وخالد شيخ محمد عامي 2002 و 2003 وجهة نظر بوش الابن بأنّ باكستان تقف إلى جانبنا وهي حليف موثوق». كما أمر مشرف جهاز الاستخبارات العسكرية التابع له، «بالعمل مع الـ»سي آي إي» لمطاردة قادة القاعدة فى المدن الباكستانية، وأبلغ المسؤولين الأميركيين بأنّ باكستان تستحق لقاء هذا العمل الحصول على مساعدات عسكرية كبيرة».
في المقابل، حين بدأت أزمات الحكم تواجه مشرف، والتي أدت إلى خروجه من الحكم في صيف 2008، فإنّ طاقم بوش للأمن القومي والسياسة الخارجية أصابه الارتباك إزاء ما اصطُلح عليه بـ«سيناريو الكابوس» بسبب «العنف الذي امتدّ إلى باكستان وانهيار حكومة مشرف»، إضافة إلى الخشية من «احتمال وقوع ترسانة البلاد النووية في يد الجنرالات الباكستانيين الذين يتعاطفون مع طالبان» (كانت هذه دعاية أميركية في الأصل لدعم مشرف). وقد قضى مشرف نفسه سنوات طويلة في إثارة هذه المخاوف، وكثيراً ما حذّر المسؤولين الأميركيين من أنّه «كلما تبنى مطالب واشنطن، قلّ الدعم الذي يلقاه داخل الجيش، مما يزيد من فرص سيناريو الكابوس».


تعتقد الكاتبة الباكستانية رافيا زكريا بوجود سبب آخر للضغوط الأميركية الحالية على باكستان، «يتعلق بالسعودية». فالرياض تستفيد من انقطاع الدعم الأميركي عن باكستان لرفع الضغوط عليها: سعت السعودية إلى ضمّ باكستان إلى «التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب» الذي شكلته مع زيارة ترامب للرياض واجتماعه مع زعماء 56 دولة إسلامية في شهر أيار الماضي، والذي يستهدف إيران أيضاً. إلا أنّ إسلام آباد لم تنضم عملياً، وهو ما شكّل سبباً سعودياً لدعم «توجهات ترامب الباكستانية».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]