زيلينسكي ونتنياهو: ما يجمعهما وما يفرّقهما

ليس من السهل توصيف مسيرة حياة الرئيس زيلينسكي في مجالي التمثيل والسياسة، فهي لا تشبه البتة على سبيل المثال مسيرة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ولا يُمكن استيعابها إلّا إذا أُضيف إليها مزيج من الدهاء الاجتماعي والمعطيات الاستخبارية: السياسي الأوكراني المحنّك فلوديمير زيلينسكي الذي بات رئيساً للجمهورية منذ 20 أيّار 2019، والذي تخرّج في مجال الحقوق والدراسات القانونية وحصل على الإذن المرخّص لمزاولة مهنة المحاماة، اكتسب شهرته بعد تحصيله الجامعيّ كممثّل كوميديّ ناجح وفنّان ساخر لافت للانتباه، بالإضافة إلى كونه منتجاً تلفزيونيّاً بارعاً، وفي الأمر الكثير من الغرابة! ومن الفنّ انتقل بسرعة البرق إلى عالم السياسة حتى القيادة، ممثلاً هذه المرّة حزبه: خادم الشعب، عنوان مسلسله الأخير، فيا للعجب!
أعطت الحروب الأخيرة على غزّة والضفّة ولبنان، بنيامين نتنياهو صفة السياسيّ الماكر المستعدّ لاستخدام الجرائم الإنسانية في مجال الاستثمار السياسيّ. وقد تولّى نتنياهو رئاسة الوزراء في الكيان الإسرائيليّ منذ 29 كانون الأوّل 2022، وكان قبل ذلك رئيساً للوزراء أيضاً بين 31 آذار 2009 و13 حزيران 2021، وبين 18 حزيران 1996 و6 تمّوز 1999، وكان زعيماً للمعارضة حين لم يكن في رئاسة الحكومة، كما شغل مناصب وزارية عدة... اليمينيّ المتطرّف من أصل بولنديّ، والذي شغل رئاسة حزب «الليكود»، عُرف عنه تأييد إقامة المستوطنات، وتشجيع الهجرة الأوروبية والعالمية إلى الكيان الإسرائيليّ، وبشكلٍ خاصّ دعم حركة المهاجرين الروس والأوروبيّين الشرقيّين. كما اتّصف بتشدده التاريخيّ والثابت تجاه الحقوق الفلسطينية العادلة! وكما أنّه يعدّ أوّل رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل مولود فيها والأصغر عمراً في تولّي هذا المنصب، وينتسب إلى أصلٍ بولنديّ من جهة والده بن صهيونيون نتنياهو، البروفسور الأكاديميّ والمؤرّخ المتخصّص بتاريخ اليهود الأشكناز - ساكني ضفاف نهر الراين في ألمانيا وشمال فرنسا خلال العصور الوسطى، والذين جاؤوا إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية وعقدة الهولوكوست ليشكّلوا حزب العمل الحاضر بقوّة في الحياة السياسية الإسرائيلية لمدة ثلاثة عقود. ومن المفارقة أنّ نتنياهو الأب والابن، لشدّة مبالغتهما في التشدّد، وجدا نفسيهما مرفوضين من مجموعة الأشكناز العرقية، فبدّلا الولاء من حزب العمل إلى حزب الليكود اليمينيّ الأكثر تطرّفاً.
بنيامين نتنياهو، الملقّب «بيبي»، المتخصّص في الهندسة المعمارية وإدارة الأعمال والعلوم السياسية من أرقى الجامعات الغربية، الماهر في توصيل أفكاره باللغة الإنكليزية عبر كلامٍ متداخل وشامل وحركات استعراضية مختلفة، لن يكون عابراً في السياسة الإسرائيلية بل صاحب أخطر مشروع على الإطلاق، في مواجهة الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، وإن لاحقته وزوجته تهم عدة من المحاكم الإسرائيلية بممارسة الفساد الإداريّ وتلقي الرشاوى والاحتيال وخيانة الأمانة حتى حدود السرقة كما وإنفاق الأموال العامة في سبيل مصالحه الخاصّة، فإنّ ذلك لم يزده إلّا إصراراً على الاستفادة من كلّ الفرص السياسية المُتاحة للاستمرار في الحكم بحجة علنية هي تطبيق خططه اليمينية المتطرّفة، ولكن بحجة خفية لا تقلّ خطورة عن الحجة المعلنة، ألا وهي حماية مصالحه الخاصّة ومصالح عائلته والمقرّبين منه!
بديهيّ أنّ الكثير من الصفات تجمع علناً بين فلوديمير زيلينسكي وبنيامين نتنياهو، من حيث الكاريزما والدهاء النفسيّ والاستعراض السياسيّ والجرأة العسكرية أو الاستخبارية حتى حدود التهوّر على ضفاف الحروب والجرائم، إلّا أنّ أخطرها على الإطلاق في مسارهما الأخير سواء في حرب أوكرانيا أو في حرب غزّة: لعب دور الضحية واستفزاز الخصم إلى أقصى حدود لدفعه نحو حراكٍ هجوميّ استباقيّ، وفي المقابل بذل الغالي - تحت ستار الاستفادة من الدعم المُطلق من الولايات المتّحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي - لإطالة عمر الحرب ودفعها نحو اتّجاهات الدمار الشامل حتى حدود الحرب العالمية الثالثة! وما خفي في علاقة الرجلين خطير أيضاً.
إنّه عصر جابوتنسكي بامتياز، ولو بعد مئة عامٍ من إطلاق أفكاره، فها هي على بساط التنفيذ بفضل ما يقوم به زيلينسكي ونتنياهو
فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحرص في عددٍ من خطاباته وشهاداته على ذكر مآثر وأفكار زئيف فلاديمير جابوتنسكي، ويشير علناً إلى أنّ جابوتنسكي هو ملهمه ومرشده الروحيّ، وأنه قارئ نهم لمؤلفاته كما يحتفظ بسيفه! في حين يخصّص الكيان الإسرائيليّ يوماً في السنة لإحياء ذكرى جابوتنسكي، وذلك منذ سيطرة حزب الليكود على الحكومة، كما تمّ إطلاق اسمه على عدد من الشوارع والمواقع في هذا الكيان! من أبرز المعجبين بجابوتنسكي أيضاً رئيسا وزراء الكيان الإسرائيليّ السابقان إسحق شامير ومناحيم بيغن، وبيغن رابط أساسيّ بين الفاشية اليهودية في أوكرانيا وبولندا الموالية لأدولف هتلر قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها. وقد لمّح روخوس ميش الحارس الشخصيّ لهتلر عن لقاءٍ محتمل بين بيغن وهتلر وعن علاقة صداقة بين بيغن واستيبان بانديرا الزعيم القوميّ الفاشيّ الأوكرانيّ، وبين الفاشية اليهودية في إسرائيل بعد الحرب والتي كان بيغن أبرز قادتها. ومن جهة أخرى يبدي الرئيس زيلينسكي احتراماً عميقاً لجابوتنسكي، دون أن يتفاخر بذكراه علناً كما يفعل نتنياهو! بينما لجابوتنسكي اليوم حضورٌ محبّب في الذاكرة الأوكرانية، على غرار صديقه بانديرا.
من هو جابوتنسكي إذاً؟ وما هي أفكاره؟ جابوتنسكي المولود في أوديسا بأوكرانيا (روسيا آنذاك) - بما لذلك من معانٍ لحضور أوديسا في ذاكرة اليهود والروس والأوكران والنازيين على حدّ سواء - سنة 1880، والمتوفى في نيويورك سنة 1940، كان ملهماً لليمين المتطرّف اليهوديّ بشكلٍ عامّ - والأوكرانيّ تالياً - وفي نهاية المطاف أنتج هذا الإلهام حزب الليكود: إنّه أب الفاشية اليهودية بامتياز. أبرز بنود أيديولوجية جابوتنسكي نظرية «الجدار الحديدي»، والتي أطلقها جابوتنسكي خلال عشرينات القرن العشرين، فألهمت نتنياهو طوال مسيرته في الحكم، وأساس هذه النظرية قول جابوتنسكي نفسه: الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يوافق بموجبها العرب على دولة يهودية في فلسطين هي القوة التي تسحقهم وتذعنهم! وانطلاقاً من ذلك يُمكن فهم وتقدير ما يقوم به نتنياهو اليوم من حروبٍ واعتداءات قاهرة وظالمة على فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن. لم يخطأ أينشتاين إذاً عندما أطلق على رجال اليمين التابعين لجابوتنسكي لقب الفاشيين، فما زاد من إعجاب نتنياهو بجابوتنسكي وأفكاره المتطرّفة تجاه العرب أنّ أباه المؤرخ كان شديد الإعجاب بجابوتنسكي لا بل أحد نواب جابوتنسكي المقرّبين. جابوتنسكي الذي أسّس الصهيونية التصحيحية الحركة الأكثر تطرّفاً، هو ملهم «الليكود» منذ النشأة حتى اليوم، واليوم أكثر من أيّ يوم! أمّا المفارقة التاريخية الكبرى، فهي أنّ جابوتنسكي هو صاحب الفرضيّات التي تحاول السيطرة على الساحات اليوم: فرضية إسرائيل الكبرى الجبّارة والمفترضة قاهرة العرب، فرضية أوكرانيا الكبرى المتقدّمة على روسيا أو في أسوأ الظروف الموازية لها، وفرضية إسرائيل الصغرى أو أرض الميعاد الثانية - أي الحكم الذاتيّ نحو الاستقلال ليهود أوكرانيا - في قلبها. خلاصة القول إنّ حربي أوكرانيا وغزّة اليوم تعكسان فرضيات ونظريات - لا بل الإيديولوجية الكاملة - لجابوتنسكي نفسه بامتياز، وهو المعروف نخبوياً والمجهول للعامّة.
إنّه عصر جابوتنسكي بامتياز، ولو بعد مئة عامٍ من إطلاق أفكاره، فها هي على بساط التنفيذ بفضل ما يقوم به زيلينسكي ونتنياهو: حول ضرورة توثيق الهيمنة الصهيونية على كامل الشرق الأوسط، وتطبيق النهج الأميركيّ على مستوى العالم ما دامت الولايات المتّحدة الأميركية حليفة دائمة وثابتة للكيان الإسرائيليّ، وإعلاء شأن أوكرانيا ما دامت النخبة الصهيونية حاكمة فيها، وقد تمّ وصل النخبتين الصهيونيتين في أوكرانيا وإسرائيل ببعضهما البعض. إلّا أنّ الأمس غيره اليوم، وجابوتنسكي الذي مات مطمئناً أنّ الكيان الإسرائيليّ سيولد في فلسطين على يد النخب اليهودية الهنغارية والأوروبية الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية التي نشبت قبل عامٍ من وفاته، وقد صدق في ذلك، وكأنّه اليوم يصبّ من قبره جام غضبه ولعناته على اتّجاهات يهودية روسية وأميركية وإيرانية لم توافق أفكاره لا في حياته ولا بعد مماته. كما أنّ المعسكر الغربيّ الذي يسلّح أوكرانيا وإسرائيل دون هوادة، غير مستعدّ أن يمضي في حربٍ عالمية ثالثة نووية بالكامل تدمّر كوكب الأرض، وقد تمّ الاتّفاق على ذلك مع المعسكر الشرقيّ، بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار الأسلحة النووية! ولو أنّ حربي غزّة وأوكرانيا موضعيتان ومفتوحتان في المدى المنظور - كما حروب الإسناد أيضاً - إلّا أنّ كلّ الحروب محدودة الزمن في عمر الإنسانية!
عقدة الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية دفعت ألمانيا إلى دعم إسرائيل وأوكرانيا بشكلٍ كاملٍ وشاملٍ في حروبهما المعلنة بالمال الوفير والأسلحة الحديثة والإمكانات الاستخبارية الواسعة، وقد نجحت ألمانيا بشكلٍ كبير في توريط الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي في هذا المسار، ولكن إلى حين، وهذا الحين ينتهي في المدة الممتدّة بين انتخاب رئيسٍ جديد للولايات المتحدّة وتسلّمه لسدّة المسؤولية، أي بين 5 تشرين الثاني 2024 و20 كانون الثاني 2025... كلّ ذلك مشابه للطريقة التي ورّطت أفكار وطموحات جابوتنسكي زيلينسكي ونتنياهو في سلوكهما الجنونيّ المتهوّر. خلاصة القول، إنّ نهاية المواجهة تمتدّ على ثلاثة محاور صعبة: أوّلاً ليس بالضرورة ولادة شرق أوسط جديد فقط لا غير، بل عالم جديد بالكامل. وثانياً، رغم كلّ جهود الأفرقاء المتحاربين ما بين اعتداء وقتل ودمار ومقاومة وصمود، فالنهاية الحاسمة سيكتبها الأفرقاء المراقبون. وثالثاً، لا داعي لنتنياهو أن يفرح لاستشهاد أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله أو رئيس المكتب السياسيّ لحماس إسماعيل هنية أو قادة المقاومة أو لوفاة الرئيس الإيرانيّ السابق إبراهيم رئيسي. ولا داعي لزيلينسكي أن يسخر من آلية مصرع القائد يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر»، فمصير نتنياهو وزيلينسكي تحدّده وصية جابوتنسكي وقد أصبحا أسيرَي أفكاره: إن لم تستطع تحقيق الأهداف السامية بالقوّة فالأولى الانتحار أو الاختفاء... وساعتئذ ثمّة فرصة حقيقية لسلامٍ محتمل ولبداية جديدة.
* كاتب وأستاذ جامعي
