ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

قهر وذل... كرامة وأمل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
الأخبار
الجمعة 15 تشرين الثاني 2024
الخط

*
خرجت في الصباح، ولم أكن أعرف أن نهاراً متفجراً ينتظر بيروت. كانت ساعات الصباح الأولى هادئة نسبياً، والهدوء في المدينة هذه الأيام، مرتبط بعدم سماع أصوات انفجارات بين الفينة والأخرى، ولا سيما ليلاً، وبالابتعاد عن الأخبار، وكم هي كثيرة وعلى مدار الساعة.
مضت الساعات الأولى من الصباح، إلى أن أعلنت إسرائيل التهديدات لعدد من المناطق في ضاحية بيروت الجنوبية، وما هي إلا دقائق حتى بدأت الانفجارات، لم يسمع دويها في أرجاء العاصمة، لكن محطات التلفزة، كانت تنقل الحدث مباشرة.
لم أكلّم أحداً في تلك اللحظات، وقفت ساهياً أمام هول الانفجارات وسحب الدخان التي أشاهدها أمامي. هممت للعمل، لم أتمكّن، فالذي ينفجر لا يبعد أكثر من عشر دقائق.
جلست أفكّر في هذه المأساة التي تعيشها المنطقة كلها. لفتني أن معظم سكان منطقتنا، أي بلاد الشام والرافدين ووادي النيل، تشغلهم هموم أخرى، هموم بلادهم المكلومة، وهم اللقمة التي بات الحصول عليها صعباً جداً في بعض مدننا التي كان الفقير والغني والذي بينهما يأكلون ويشربون ولا يشحدون.
اليوم كثر الفقراء، بينما بعض الأغنياء ينهبون كل شيء يخص البلاد والعباد. هؤلاء أهل بلادنا الذين تجرأت على لومهم، على ما اعتبرته تقاعسهم في زمن الإبادة. من السهل عليهم الردّ عليّ وعلى من يتمادى في لومهم أو اتهامهم بالتقصير. هؤلاء أبناء جلدتنا، أهلنا الذين ظلمتهم البلاد التي تظلم فلسطين ولبنان اليوم. وظلمتهم حكوماتهم ظلماً ما بعده ظلم، وقهرهم المكيال والذين يكيلون به. هؤلاء أبناء جلدتنا، أهلنا من المحيط إلى الخليج يلتزمون الصمت تماماً، منذ تحولت بلادنا إلى مقابر كبيرة، فيها الأموات والموات.
شعوبنا هذه التي إن خرجت لتتظاهر، تخرج بإذن، وتهتف بإذن، وتلعن بإذن، وتمدح بأمر. شعوبنا هذه ستكفر بنفسها وبحكامها، وستكفر بنفسها إذا منعت من الانفجار والصراخ، ويا ويل الذي سيمنعها، فكل إنسان في بلادنا، مكلوم، ومكتوم، وفي جعبة قلبه آلاف الآهات والصرخات. وجميعنا نجمح نحو الغضب، نحو التكسير، نحو شتم الحال، وكلنا نفعل ذلك في الخفاء خوفاً ورعباً. فالجائع ستأتي اللحظة التي سيصرخ فيها بوجه كل باغ ليطعم ابنه أو بنته، وسيصرخ حتى يسجن لئلا يرى عذاب العوز والحاجة في عيني عائلته، في شعوره بالذل بسبب تقصيره.
هذه بلادنا المقابر، تنجب الحياة، وكم أنجبت من قبل، وظلت تنجب حتى جاءها أولو أمر يأتمرون بساستهم، فلا كانوا وطنيين ولا جواسيس، كانوا شيئاً لا نعرف له توصيفاً، لكنه واضح بنتيجة ما آلت إليه بلادنا، والحديث عن مآلاتنا في بلادنا حديثٌ لن ينتهي ولن تكفيه صفحات التاريخ والألم والدم.
منطقتنا هذه، التي يسمّونها شرقاً أوسط، شقّ على الغرب أن يراها حرة كريمة، فمدّ غطرسته واستعماريته ومجزرته في وجه شعوبها، ومعه في بلادنا من كمّلوا الدور، فمدوا إصبعهم الوسطى في وجهنا لقهرنا واستعبادنا وسلبنا إرادتنا، حتى إذا حانت لحظة الحقيقة كالتي نعيشها، تجد النسبة الأكبر من شعوبنا منغلقة على نفسها، غير قادرة على فعل شيء.
وعدا عن الأسباب السابقة، فقد روضت شعوبنا على خطاب الحاكم وحكمه، فإن صمت صمتوا، وقالوا رأيهم وقناعاتهم في الخفاء، في بيوتهم، في المقاهي بصوت خافت مع صحبهم. فليس مقنعاً أن شعوبنا لا تهتم بالإبادة الجارية في قطاع غزة، والقتل والتدمير في لبنان، قطعاً لا. فهؤلاء من أبنائهم وآبائهم وأجدادهم، من قاتلوا في أيار 1948، وحزيران 1967، وآذار 1968، وتشرين الأول 1973، وآذار 1978، وحزيران 1982. هؤلاء لا يمكن أن يكونوا خارج سياق المواجهة والدفاع عن كرامة بلادهم حتى بالموقف الخافت المختبئ.
مضى يوم آخر على لبنان، ضمنها بيروت، وفلسطين، ضمنها قطاع غزة، والحرب مستمرة. وما سبق من كتابة، هو خلاصة نقاش دار اليوم في جنبات النهار، وربما يدور في أكثر من مكان وفي أكثر من بلد. وكعادة النقاشات في هذه الأيام، بعد الخواء في حياتنا السياسية، ومنع التداول والتفكير والتحليل والتركيب والنقد والنقض، انتهى النقاش إلى لا شيء، فكان صفصفة كلام، واستعراض عضلات معرفية ليس إلا. ما كان لهذا النقاش وغيره أن ينتهي إلى شيء أصلاً، فنحن لا نملك من أمرنا أي شيء. فلنا من يحكم ويتكلّم باسمنا، ويقودنا، وما لنا إلا التسليم بحكمته وعقله وتوجهه ورؤيته، حتى لو كانت خراباً، والكل يراها خراباً.
أمام كل هذا الخراب والتشاؤم وانكسار القلب، وجرعة الغرب الاستعلائية في حياتنا، وتقاعس الجميع عن واجبه تجاه أراضينا، ثمة من وجدوا كي لا يحتل غير تلك المحتلة، ولدوا بيننا من يعملون من أجل الرمق الأخير من حياة بلادنا، يسمون مقاومين وفدائيين، هؤلاء ينامون وسط الحلم، فيحملون بأرواحهم أحلامنا بالحرية والتحرر نحو الواقع. هؤلاء فقط الذين يصنعون الغد، لذا لا مجال ولا حيال أمامنا سواهم، ومن يبتعد عنهم، أو يضل الطريق إليهم، يفقد بعض جدارته بالحياة. هؤلاء الذين يقفون جبالاً في وجه العواصف الهوجاء التي تريد اقتلاعنا من جذورنا، والتي تريد الإجهاز على بقايانا. من لا يأمل بهم، لن يأمن البتة، فهم أبقى من الحكّام والحكومات، هم الشعوب في صورتها الأسمى.
* صحافي فلسطيني

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك