الهدف الدائم مياه الشمال

في السادس عشر من تشرين الأول سنة 2002، دشّن الرئيس إميل لحود، رغم التهديدات الإسرائيلية والأميركية، أضخم مشروع مائي في جنوب لبنان، هو عبارة عن محطة لضخ المياه من نهر الوزاني إلى عدد من القرى الجنوبية. وفي الحرب الحالية قصفت الطائرات الإسرائيلية محطات ضخ المياه على الوزاني والمباني الملحقة بها. هذا العمل العدواني له أهداف تتلخص في أنه ممنوع على اللبنانيين الاستفادة من ثروتهم المائية، التي يجب أن تكون للعدو الصهيوني حصراً.
الأطماع الصهيونية بمياه الشمال (سوريا ولبنان) ليست جديدة، وهي تندرج في سياق مخطط إستراتيجي قديم أفصحت عنه الحركة الصهيونية في المذكرة التي قدمتها إلى مؤتمر الصلح عام 1919 مطالبة بحدود لا تقتصر على مجرى نهر الليطاني فقط، بل أن يكون الحد الشمالي في نقطة تقع إلى الجنوب من صيدا.
إن هدف الاستيلاء على جميع منابع المياه في سوريا ولبنان له أسبابه الوجودية بالنسبة إلى المشروع الصهيوني. وكان حاييم وايزمان قد أبلغ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج، أن «مستقبل فلسطين الاقتصادي يتوقف على مصادر المياه للري ولتوليد الطاقة الكهربائية. وبما أن هذه المصادر تأتي بصورة رئيسية من منحدرات جبل حرمون، حيث منابع نهر الأردن وأيضاً منابع الأنهر الأخرى، لذلك نحن نرى بالنسبة إلى الحدود الشمالية أن تشمل وادي الليطاني والمنحدرات الغربية لجبل الشيخ» (Jewish Observer & Middle East Review, London, November 16, 1973, p. 22).
منذ البدء اعتبرت المياه العنصر الأساسي الضروري لنجاح المشروع الاستيطاني. إن استقدام أعداد كبيرة من المستوطنين يوجب ليس فقط تأمين الأرض والمسكن والعمل الصناعي، بل الزراعة أيضاً التي تعتمد على مصادر المياه في الشمال. وكان الجنرال شارل وارن من سلاح الهندسة في الجيش البريطاني، والذي أجرى عمليات مسح عدة في فلسطين لمصلحة صندوق استكشاف فلسطين، قد ذكر أن في استطاعة فلسطين استيعاب 15 مليون مستوطن بشرط السيطرة على منابع المياه الشمالية.
تطورات الأحداث لاحقاً أدت إلى رفض بريطاني لحدود اتفاقية سايكس - بيكو، ثم المطالبة بحدود جديدة وفقاً لإصرار صهيوني على أن تكون ملتزمة بالمفهوم التوراتي «من دان إلى بئر السبع». هذا ما رفضه الفرنسيون في حين أصرّ البريطانيون على أن تكون الحدود الشمالية نهر الليطاني وينابيع بانياس من سفوح جبل الشيخ.
اتضح أن الهدف الصهيوني بالسيطرة على جميع منابع المياه لم يتبدل، وتدريجياً استولى البريطانيون، أي الصهاينة، على مساحات شاسعة من الجليل وجبل عامل. فبعد مؤتمر سان ريمو (نيسان 1920) تم ضم الجليل الأعلى وما يطلق عليه تسمية إصبع الجليل إلى الوطن القومي اليهودي. وتواصلت محاولات التوسع شمالاً، ونجح الصهاينة في اتفاقية بوليه - نيوكومب لترسيم الحدود (1923) في ضم الحولة إضافة إلى 24 قرية كانت ضمن حدود لبنان الكبير.
منذ ترسيم الحدود عام 1923 حتى يومنا هذا تجاهل الحكام في بيروت الجنوب نهائياً. ونتيجة لذلك دفع الجنوبيون ثمناً باهظاً بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. يضاف إلى ذلك منع الجيش اللبناني من التزود بالسلاح، وحظر تحليق الطائرات اللبنانية جنوب صيدا! وهكذا فرض الصهاينة أمراً واقعاً بإذعان من السلطات المتعاقبة في بيروت.
خلال الثورة الفلسطينية 1936 - 1939 تحول الجنوب إلى جبهة مساندة للثوار، فقرع البريطانيون والصهاينة ناقوس الخطر واعتبروا أن اتفاقية بوليه - نيوكومب أهملت الهواجس الأمنية. لذلك عيّن البريطانيون شارل تيغرت كخبير لمعالجة «الإرهاب» نتيجة لتلقيهم والصهاينة ضربات المقاومين. وكان أول ما اقترحه تيغرت استحالة الدفاع عن الحدود كما هي عليه (وهذا ما يقترحه الأميركيون اليوم)، وطالب بتشييد جدار شائك ومراقب سمي «حائط تيغرت». ومع إخماد الثورة في فلسطين شهد الجنوب حالة هدوء نسبي وسلاماً سرياً بين السلطة اللبنانية والعدو.
يعتبر الخبراء الصهاينة أنهم خسروا هدف الاستيلاء على الليطاني مرات عدة. ابتداء من اتفاقية ترسيم الحدود عام 1923، إلى حرب 1948 ووصولهم الليطاني واحتلالهم 12 قرية لبنانية، ثم انسحابهم بعد توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949، ثم خلال هجومهم على الجنوب عام 1978 الذي سمّوه «عملية الليطاني». لكن غزوة 1982 كانت نقطة مفصلية إذ استولوا للمرة الأولى على جميع مصادر المياه الشمالية. وكان قد سبق لهم أن حوّلوا مجرى نهر الأردن واستولوا على جبل الشيخ والجولان الغني بمياهه الجوفية.
الحلم الصهيوني بالبقاء على أرض لبنان انتهى بالمقاومة المسلحة عام 2000. لكن قرار الأمم المتحدة الداعي إلى الانسحاب حتى الحدود الدولية تم تلغيمه بما يسمى «الخط الأزرق». واعتبر «خبراء» الأمم المتحدة أن معالم الحدود قد تبدلت ولم تعد واضحة، لذلك قاموا بقضم المزيد من الأراضي اللبنانية.
لا شك في أن نفاق «خبراء» الأمم المتحدة وتعديل الحدود لضمّ قرية الغجر يعتبران خدمة مجانية للطموحات الإسرائيلية. فالقرية مشهورة بالينابيع الغزيزة، وكانت الخرائط البريطانية عام 1940 قد ثبتت أن القرية تقع داخل الأراضي اللبنانية. كما أن الخرائط اللبنانية عام 1960 تثبت أن زبدين ومغر شبعا والرمتا هي مناطق لبنانية في مزارع شبعا.
إن الاستيلاء على الليطاني والثروة المائية هو في طليعة أهداف العدو. لذلك إن شروطه لوقف إطلاق النار اليوم تبدأ بإبعاد المقاومة إلى شمال الليطاني. وإذا افترضنا المستحيل أن المقاومة انتقلت إلى شمال الليطاني، فهذا الانتقال لا يعني شيئاً من الناحية العسكرية، إذ في استطاعة المقاومة قصف المستوطنات من شمال النهر. لذلك إن الشرط الإسرائيلي ما هو إلا ذريعة للوصول بسهولة إلى المخزون المائي الضخم من مجرى الليطاني.
الجميع يعلم أن النظام اللبناني استقال تاريخياً من مهمة الدفاع عن الأرض والبشر، أركانه ينتظرون وعود وصفقات الأميركي المتحالف مع الصهيوني. وتدمير مضخات الوزاني وحرمان الجنوبيين من المياه هو تأكيد أن هدف العدو الاستيلاء بالقوة على المياه لن يتبدل. لذلك، سابقاً وحالياً ومستقبلاً، لن يدافع عن الأرض وثرواتها إلا أهلها ومقاومتهم، لذلك يريد الصهاينة تحطيم المقاومة وحكم لبنان بواسطة مرتزقتهم. إنها حرب مفصلية سيتقرر على ضوئها مصير ليس الجنوب ومياهه وثرواته فقط، بل كل بلادنا.
* كاتب لبناني
