مجرمو الحرب يبرّئون ذمتهم

في عام 2008، وعلى إثر أزمة أسواق رأس المال العالمية، انتفضت منظومة الهيمنة الرأسمالية العالمية، برئاسة باراك «تغيير» أوباما في حينها، لإنقاذ النظام المصرفي الإمبريالي بحجة أنّه «أكبر من أن يفشل» (Too big to fail). نظّر المدافعون عن المنظومة بأنّ لانهيار القطاع المصرفي تداعيات لا تُحمد عقباها على النظام الاقتصادي المهيمن عالمياً، ما يستدعي التدخل بدعم بمئات مليارات الدولارات لإنقاذ المصارف الأميركية على حساب الملايين ممّن خسروا بيوتهم جرّاء الأزمة التي أنتجها الجشع المفرط لدى من أنقذهم أوباما. في دراسة لديبورا لوكاس من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا تقدّر الكلفة الفعلية لرزمة أوباما الإنقاذية بخمسمئة مليار دولار. في تلك الحالة أقنعت المنظومة المواطن برهن مدخوله المفترض على مدى ثلاثين عاماً قادمة والاستدانة بأكثر من قدرته على السداد مقابل السكن في بيت قد يصبح ملكه في المستقبل البعيد. في النهاية كان هذا المواطن كبش محرقة فشل القطاع المصرفي.
اليوم المنظومة الغربية المهيمنة ليست متّهمة برمي العائلات في الشارع لعدم قدرتها على دفع سند الرهن بعد امتصاص جنى عمرها قبل أن تجنيه. اليوم هذه المنظومة ضالعة في ما صنّفته هي كأسوأ الجرائم ضد الإنسانية. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عرّف الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وكل الأحكام تنطبق على الممارسات الإسرائيلية في العدوان القائم، لكنها أيضاً تنطبق على ممارسات الكثير من الدول التي تدّعي العفّة اليوم. لكنّ هذه القوانين وهذه التصنيفات لم تكُن يوماً موجّهة نحو قوى الهيمنة. وأيضاً في هذه المنظومة قطاعات، أو مشاريع استعمارية، تُعد «أكبر من أن تفشل». هذه هي حال «إسرائيل».
لقد أظهرت أفعال حكومات الغرب وأقوالها أيضاً، فهي صريحة في انحيازها التام إلى «إسرائيل» في كلّ ما تفعله، أنها لا يمكن أن تسمح بهزيمة مشروع «إسرائيل» لأن تداعيات هكذه تشكل هزيمة لا تُحمد عقباها على امتداد الكوكب الذي دائماً ما بسطوا هيمنتهم عليه. ترجم ذلك في جبهات عدة على أرض المعركة. الإمداد بالسلاح لمرتكبي الجرائم لم يتوقّف، بل ازدادت الجسور الجوية بين أكثر من بلد والكيان الإباديّ للتعويض عن النقص في مخازن القنابل التي تُلقى على الشعبين الفلسطيني ثمّ اللبناني.
الماكينات الإعلامية الضخمة لهذه استنفرت لبثّ الدعاية الصهيونية من دون الحاجة إلى الرجوع إلى الرقابة العسكرية الإسرائيلية، إذ إن غرف التحرير في لندن وباريس وبرلين وواشنطن ونيويورك (وتوابعها في أبو ظبي والرياض) أكثر حرصاً على تبرئة الإسرائيلي من دم ضحاياه من الإسرائيلي نفسه. هذا وشاركت حكومات هذه الدول في قمع شعوبها التي رفعت صوتها ضد الإبادة بطرق مختلفة، تدرّجت من التهديد بلقمة العيش في حال النطق بكلمة تضامنية مع فلسطين إلى العنف البوليسي المباشر الذي يترك علامات على جسد من وقف من أجل الحق.
لذلك يصعب تجاوز النفاق السافر الذي عبّرت عنه حكومات عدة وشخصيات هي شريكة مباشرة في الجرائم المرتكبة من قبل طفلتهم المدلّلة «إسرائيل» بحقّ شعوبنا. سارع هؤلاء، عقب إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكّرات توقيف المجرمَين نتنياهو وغالانت، إلى تأكيد التزامهم القوانين التي وقّعوا عليها في يوم لم يكن في ظنّهم أن تستعمل على أحد من بني جلدتهم. لكنّ هذه الحماسة للصق كلّ ما حدث بتصرّف فردي لرئيس حكومة «إسرائيل» ووزير حربه السابق ما هو إلّا، أوّلاً، محاولة لإبراء «إسرائيل» ككيان من جرائم الإبادة، والتي هي وظيفته الرئيسية منذ إنشائه. وثانياً، هي محاولة لإبراء الذات من قبل شركاء الجريمة كماكرون وترودو وغيرهما ممّن أيديهم ملطّخة بدماء أطفالنا تماماً كأيدي نتنياهو وغالانت.
وحدها واشنطن جو بايدن، التي لم تتبنّ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أساساً، رفضت قرار المحكمة ووقفت إلى جانب مجرميها. عبّرت صراحة عن أنها لن تسمح بأن يكون جنديّها الصالح نتنياهو كبش محرقة، واعترفت ضمناً أنها شريكة في الجرائم المرتكبة ضدنا. قد يرى البيت الأبيض أن هكذا سابقة غير مسموحة، ويقول للمنظومة التي يراها في خدمتهم إن الكلمة الفصل في عدالة الكون له. ومن الطبيعي أن لا تشعر واشنطن المتغطرسة أنّها بحاجة إلى براءة ذمّة منّا، فنحن لم نعفها مسبقاً من جرائمها بحقنا فقط، بل نعتبرها وسيطاً. من حظنا أن الفصل ليس في لاهاي ولا في واشنطن، بل في الميدان في الخيام ومارون الراس وشمع وعلى طريق القدس.
* من أسرة «الأخبار»
