عن جسارة طرح الأسئلة الأكبر

وُجدت مشاريع إسرائيل للتهجير والإزاحة وتصفية أي قوة مجاورة لتُنفذ تدريجياً وعلى مدى طويل بصفة أساسية. والمقاومة لا «تشجّع» العدو على تفعيلها إلا بقدر ما يشجّعه قبولها والتساوق معها. وأثبتت المعركة أن تقويض استقرار العدو وسيادته على الأرض ممكن، كما رسمت صورة واقعية مفصلة للضعف العربي: أمة بلا سيادة حقيقية على أرضها ومواردها ومقدراتها وشروط قوتها، ولا مصلحة للشرائح والكتل الاجتماعية التي تحكمها في الاستقلال أو انتزاع شروط أفضل.
ليس غريباً أن يواجه المحرومون والمستضعفون المحاصرون في غزة ولبنان واليمن أداة الاستعمار الأساسية في المنطقة؛ عدو يفرض على محيطه الاستكبار والإخضاع، ولا يتوسع إلا على جثثهم وأنقاض أمنهم، بطبيعة أفكاره التأسيسية وبرنامجه الإستراتيجي وتحالفاته الإقليمية. وقد نبذتهم منظومة رأس المال العالمي وخيّرتهم بين الذوبان السياسي والثقافي فيها والقناعة بحساباتها الجائرة أو التعرض لأهم خصائص الإمبريالية: العنف والإبادة.
أدت المعركة وفصولها (مع الفعالية التركية في سوريا) إلى تفكّك حلف المقاومة عندما تطلبت حسماً فورياً لا تتيحه موازين القوى الواقعية، مع غياب التجانس السياسي والاتصال الجغرافي والاندماج الاقتصادي بين مكوناته، وتباين قدراتها الصعب توحيدها إلا بعمل سياسي إقليمي طويل، وليس بمحض تنسيق عسكري تحت النار يسابق خطوات العدو وحلفه الإقليمي والعالمي السريعة. وقد أشار تاريخ الحلف - بالأساس - إلى عجزه عن التحول إلى تجربة اندماج إقليمي حقيقية وعن تحصيل مكاسب نهائية فارقة من انتصاراته.
يصعب دوماً أن تفتح شرايين التاريخ بحذر ومن دون نزيف، والجسارة التي مارستها مقاومة غزة ولبنان واليمن أنتجها وعي بعالم اليوم وطبيعته وحكامه
أرى وجاهة في النظرتين: من يرى أنها هزيمة وكلفة هائلة بلا مكسب مقابل وتعكس خطأ الحسابات، ومن يرى النصر بمنع العدو من تحقيق أهدافه المعلنة والكامنة وإثبات القدرة على البقاء، بل وإدامة خسائره. على أن الأسئلة الأجدر بالاهتمام أكبر من الحكم المغلق المطلوب، نصراً أو هزيمة، ولعل إجابتها تساعد في تحديد المفهومين وإعادة تعريف معانٍ ومصطلحات أخرى سائدة، ومعاينة الحقائق الأكبر من دون تقليل أو تغافل:
- ماذا قدم أو انتزع، معسكر الواقعية والاعتدال للفلسطينيين، ولغالبية السكان حولهم في الشام والعراق ومصر؟ وهل جلبت المبادرة السعودية للسلام (المولودة بعد أوسلو ومشروع الحكم الذاتي بعشر سنوات) أي حد مكاسب أدنى فضلاً عن «نصر»؟
- ماذا قدم أو انتزع أصحاب المصلحة في أوسلو وبنيتها، وهم فلسطينيون بالتعريف، وما استجابتهم لابتلاع الضفة؟ وكيف لهم حل معضلة توحش إسرائيل وانقلابها على منطق أوسلو ذاته وهم أحد مفردات الأزمة؟ بدورهم الثابت، كموظفي خدمات أمنية ومحلية لمصلحة الاحتلال وموقعهم الاجتماعي الضيق.
- ماذا أثبت الرهان على إنسانية المجتمع الدولي والقوانين ذات الشأن، وعلى الانقسام الداخلي في الكيان أو تيار اليسار هناك؟ وكيف يُخاض نضال قانوني لمواجهة سياسات تنفي القانون بالمبدأ، ولن يوقفها صاحبها عن قناعة، تيار اليمين الديني الذي تضاعفت قوته آخر عقد وتمتع بتدليل بايدن قبل تدليل ترامب المنتظر؟
حشَر «الطوفان» الجميع في الزاوية، لكنه بذلك أعاد طرح القضية على حقيقتها وجلّى التشكيل الإقليمي السابق بأوزان أطرافه وحدودها، وسجّل في الأجندة الجمهورية بقيادة ترامب أن الفلسطينيين لن يغادروا بهدوء نحو الحل الاقتصادي من دون مكاسب سياسية، وأن استعدادهم للكفاح تاريخي بحجم مظلوميتهم.
لعل تلك الجسارة لم تقصد تحقيق كشف بهذا الاتساع: مدى العجز العربي والانتهازية التركية، ودرجة تواطؤ مؤسسات العدالة وحقوق الإنسان الدولية وزيف شعارات منظومة الهيمنة ودعايتها، واستعداد نخبة العالم (وأقوى خصومها للمفارقة) لقبول إفناء شعب كامل، صوناً لمصالح وكيلها الحصري إسرائيل وللتوازنات الإستراتيجية. لكنها أرادت كسر جمود حقيقي تجاه حقوق الفلسطينيين، وسعي سعودي إلى تجاوزهم نحو تطبيع كامل، مقابل قضم مستمر للضفة الغربية وحصار لغزة، وتحكّم في عدد السعرات الحرارية الواردة للقطاع.
يصعب دوماً أن تفتح شرايين التاريخ بحذر ومن دون نزيف، والجسارة التي مارستها مقاومة غزة ولبنان واليمن أنتجها وعي بعالم اليوم وطبيعته وحكامه، ولهذا حاكمت العالم على طريقتها وطرحت «أسئلة اللحظة» العربية: هل قضية الفلسطينيين وظائف وخدمات أساسية ومدخول شهري أم أرض وسيادة؟ هل السيادة مجرد منحة غربية ومفهوم صوري أم أساس للنظام الدولي ولبناء الدولة بمفهومها الأصلي؟ هل يحق لأبناء الجنوب العالمي أن يكونوا «شعوباً» بالكامل أم يحتجزهم القدر في موقع «السكّان» والمستهلكين وجيش البطالة الاحتياطي والأيدي العاملة الرخيصة، بلا قدرة على التفاوض الجماعي وتمثيل مصالحها؟
في عصر وعالم يُفرض فيهما وقف الإبادة بالقوة وحدها، أي أمر ترامب المباشر، وكان يمكن حفظ أرواح عشرات الآلاف لولا توقيت الانتخابات الأميركية، ومع هيمنة نخبة أنصتت في الكونغرس إلى نتنياهو مصفّقة، وهو يطرح نفسه ممثلاً للحضارة لمواجهة الهمجية وجنوده يقصفون الأطفال في المستشفيات، لا تخبرني أنك لا تحتاج إثبات القوة والقدرة على تغيير المعادلات، ووزنك. ولا تخبرني أن على أكثر المنسحقين تعرضاً للغبن أن يكون أكثر براغماتية، لأن ما بات مطلوباً منه أن يفنى ببطء في هدوء.
* كاتب عربي من مصر
