الكينونة تجاه الحاضرة

كيف يمكن للأطراف أن تَبني فعاليّتَها إذا كانت المؤسسات المكلَّفة إنتاج معرفةٍ ذات سلطة لا يمكن إلا أن تتواجد في الحواضر الإمبريالية لحقبة ما؟
هناك ثلاث أفكار شائعة يُفيد تجنّبها في بناء هذه الفعالية:
- الأولى، هي فكرة مرتبطة بعبارة «الإستابلشمنت» التي تُستخدَم في الولايات المتحدة، ذلك أنها تتبع مساراً فكرياً لا-فضائياً، وحتى أنتي-فضائي، يُساهِم في حجب العنصر الفضائي عن السلطة من أجل جعل الفضاء «الواقعي» أكثر طواعيةً. حين نَستخدم عبارة «الحاضرة الإمبريالية» بدلاً من «الإستابلشمنت» فذلك كي نؤكد على البُعد الفضائي والمَديني للسلطة ونَستعيده (مدينة تَحتوي على مؤسسات بعينها وتَعيش فيها فئات محددة ويمكن إنتاج معارف كمّية عنها بهذا المعنى).
«واشنطن»، بما هي مدينة فيها تتشكّل عناصر الإمبريالية، ويمكن بالتالي للدراسات المُدنية أن تُثري فهمنا للإمبريالية ولـ«المدينة-الإمبراطورية» (نظرية التبعية لم تُنتِج مقاربات فضائية يمكنها دمْج الدراسات المُدنية وبقي مفهومها للفضاء بسيطاً) وكيفية تعاضد الأقسام الجامعية فيها وفي الشمال الشرقي سُوسيرياً (نسبة إلى فردينان دو سوسور - بمعنى ألسنياً بنيوياً) لإنتاج العالم كما نعرفه (رغم كل الفعالية التي شهدناها في جامعات كاليفورنيا في السبعينيات، إلا أنه تبيّن في نهاية المطاف أنها فعالية عَرَضية، وعُدْنا إلى جامعات الشمال الشرقي مجدداً بالتدريج منذ أزمة عام 2008 المالية، لأسباب عديدة يمكن الاستفاضة فيها لاحقاً).
حتى الربع الأول من القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تتّجه لأن تصبح إمبراطورية تقليدية، أي إمبراطورية التوسُّع الجغرافي في غوام والفيليبين وغيرهما، لكن مجموعة من التحوّلات أدّتْ إلى ابتعاد الولايات المتحدة عن الفضاء التقليدي وتشكيلها للفضاء الافتراضي كفضاء إمبريالي موازٍ لفضاء إمبراطوريتها التقليدي من خلال مفهوم السايبرنتكس (أي إحكام السيطرة على الفضاء الواقعي من خلال تفكيكه وجعله غير ضروري هيكلياً، وفي المقابل إنتاج المزيد من المعرفة السياسية عن الفضاء الافتراضي) وإعادة وصْل الاستثمارات الاقتصادية بحيث تراكم القيمة المنشَأة من خلال «فضائية» الاتصالات (أن تصبح الاتصالات «فضاءً» يمكن مراكمة رأس المال فيه من خلال فضائيته وليس ببساطة من خلال تكاليف الاتصالات نفسها يَحتاج إلى استثمار معرفي مؤسساتي إمبريالي هائل).
بالتالي، حين نخاطب الإمبريالية علينا أن نضع في بالنا مدينة واشنطن نفسها وليس عبارات فضفاضة كالـ«إستابلشمنت» أو «الغرب» (أو أسوأ منها «الغرب الجماعي»). دانييل إمرواهر في «كيف تُخفي إمبراطورية: تاريخ الولايات المتحدة الكبرى»، لا يُعطي إجابة وافية عن سبب تحوّل الولايات المتحدة باتجاه إنكار إمبراطوريتها الفضائية (حتى وقت قريب كانت الدول تفاخر بما تَملكه من مستعمرات في الخارج، وهناك تحوّل إبستيمولوجي مؤسساتي وليس أخلاقياً جعل إخفاءها مصدراً للمراكمة بدلاً من الإعلان عنها والتذكير بها كل حين).
- الفكرة الثانية، التي يَجدر بالأطراف تجنُّبها هي الفعالية (agency) وفق الطريقة التي يتمّ إنتاج خطابها حالياً: الدراسات التي تتحدّث عن فعالية المهمّشين باعتبارها طريقة لمنْحهم إنسانيةً تسعى السلطة إلى سلبهم إياها يتمّ إنتاجها في الولايات المتحدة في مؤسسات بعينها وفي سياقات نقاشية محددة من أجل تحميل الأطراف مسؤولية هامشيّتها؛ تقدّميّو قسم الاقتصاد يَعتبرون فقراء الولايات المتحدة ليسوا مسؤولين عن فقرهم، لكن في قسم الأدب ستجد الكثير من الحديث عن فعالية السود والنساء، أي الشريحة الفقيرة الرئيسية هناك. وفقاً للتقدميين أنفسهم، فإن الدول الفقيرة في الخارج مسؤولة عن فقرها (إن كانتْ موالية لواشنطن أو معادية لها)، وفي أفضل الأحوال يتمّ ذكر الإمبريالية كسببٍ عرضيٍّ لفقرها (مثلاً وسائل إعلام محسوبة على يسار الوسط في الولايات المتحدة تورد جملة عرضية في معظم تقريرها عن كوبا تقول إن السلطات الكوبية «تَزعم» أن الحصار الأميركي يتسبّب بأذيّة اقتصادها)، وفي حالة كهذه يصرّون على أن دول الأطراف لديهم فعالية وحرمانهم إياها هو منطق استعماري (هكذا فإن مفاهيمَ أُنشئتْ بدايةً كضدّ-إمبريالية تصبح في خدمة الاستعمار نفسه من خلال إعادة تشكيل المسالك المؤسساتية لاستخدامها). في المقابل، حين يتناولون فقراء الولايات المتحدة بالبحث فإنهم يصبحون شديدي الحساسية تجاه مسؤولية السلطة في إفقار هذه الهوية أو تلك وفي جعل نفس المنتجات أغلى سعراً لهذه الهوية أو تلك (مسألة أن المواطن الأميركي، حين يسافر إلى الأطراف أو حين يبقى في الولايات المتحدة، يتلقّى راتباً أعلى لنفس العمل من راتب المواطن المحلي لا تستحقّ الحساسية البحثية).
إذاً، بإمكان الحاضرة الإمبريالية دون غيرها أن تُدير مسارات نقاش فكرة ما، كفكرة الفعالية، من خلال توزيع استخدامها على قسمَي الاقتصاد والأدب (ومتفرعات هذا القسم) بحيث تُستخدَم فكرة الفعالية ليس لتحرير الأطراف من هامشيّتهم، بل لتحميلهم مسؤولية هامشيّتهم بحجّة أنْسنتهم؛ أقسام دراسات الهويات المختلفة تَمنح الحاضرة الإمبريالية المرونة الإبستيمولوجية للمراكمة عبر التهميش المؤسساتي للأطراف وفرْض إنتاج قيمة محددة عليها يزيد من هامشيتها في حين تَعتقد أنها فعّالة في ما تمارِس.
- الفكرة الثالثة، هي «ما تريده الحاضرة الإمبريالية»: غالباً ما نتحدّث في الإنتاج البحثي والخطاب الإعلامي عمّا تريده هذه القوة الكبرى أو تلك؛ الولايات المتحدة قامت بهذه الخطوة من أجل كذا. لكن وفق التحليل الـ«ما-بين-أقسامي»، فإنّ كل قسم في الحاضرة الإمبريالية يُريد أن يَنهب أصولاً مختلفة في الأطراف وحتى إنها تتضارب ولا يمكنها العمل بالتوازي في معظم الأحيان. بالتالي، حين يَفرض قسمٌ أكاديمي ما في الحاضرة الإمبريالية (والهويات التي تشكِّل الأكثرية فيه) نوعَ الأصول التي ستَقوم هذه الحاضرة بنهبها ومراكمتها في الأطراف فإن ذلك بالضرورة يَعني إسكاتاً لقسم أكاديمي آخر في الحاضرة الإمبريالية والهويات التي تشكِّل الأكثرية في هذا القسم، وليس بالضرورة أن يكون المسكَتون في هذه الحالة هم الهويات التي أصبحتْ تقليداً بحثياً (النساء، السود، اللاتينيون،...)؛ سنجد هويات مسكَتة لم يكن إقصاؤها موضع بحث قبلاً لأن ذلك يَخدم سياسةً إمبريالية محددة (مكلَّفة أن تُنتِج معرفةً ذات سلطة في أقسام أكاديمية محددة، وذلك ضداً بالتقليد البحثي الذي يَعتبر أن الإسكات يعني عدم إنتاج معرفة ذات سلطة؛ الإسكات هو ألّا تكون هذه المعرفة جزءاً من القرار النهائي للحاضرة الإمبريالية في الأطراف).
ومن الفكرة الثالثة نَأتي إلى ما يمكن للأطراف فعله: العمل المحلي لا يمكن أن يَستقيم دون العمل في الحاضرة الإمبريالية، أي «الكينونة-تجاه-الحاضرة»، وبالتالي «الكينونة والفضاء» بدلاً من «الكينونة والزمن» التي نالت نصيبها الكافي من التنظير. حين نُريد أن نضع مخططاً محلياً (على أيّ مستوى كان، سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو عسكرياً) علينا أولاً أن نفكر مع أيّ شريحة سنَعمل في الحاضرة الإمبريالية. يُفترَض أن تكون الحرب الأخيرة في لبنان والإبادة في غزة مثالاً واضحاً عن أنه من دون العمل من داخل الحاضرة الإمبريالية فإننا محكومون بدوّامة لا تَنتهي من مقارعة أدوات الإمبريالية البعيدة.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الصين اليوم هي حاضرة إمبريالية أيضاً؛ حين نتحدّث عن أهمية فهم الظواهر حول العالم باعتبارها نتاجاً للتوترات «ما-بين-الأقسامية» في الحواضر الإمبريالية لحقبة تاريخية ما، فإن ذلك يَعني اليوم أن علينا أن نحلّل العلاقات «السوسيرية» بين الأقسام الأكاديمية في الصين والولايات المتحدة الأميركية معاً.
مجدداً، لقد رأينا أن لدى واشنطن القدرة على دفع خصومها إلى الإفلاس الفكري على المدى البعيد؛ كل هؤلاء الخصوم بدأوا بتصوُّر يبدو منطقياً لتحقيق ازدهار محلي والحفاظ على السيادة. ولعل أوهام السيادة والاستقلال التي أَنتجها خطاب «الدولة-الأمة»، بدلاً من أن تَعمل منطقة طرفية من خلال الحواضر الإمبريالية لحقبة ما، هي التي كانت تَدفع هذه الدول إلى الإفلاس في نهاية المطاف، أي أن تجد أن العبارات التي كانت تَستخدمها قبلاً لوصْف العالم لم تعد فعّالة، ببساطة لأن الحاضرة الإمبريالية هي التي تُدير هذه المفاهيم من خلال توزيعها على عدة مؤسسات معرفية. وحين يتصدّى معادٍ للإمبريالية لتسلّم السلطة في دولة طرفية، فإن السؤال الأول الذي يجب أن يوجَّه إليه هو: من خلال أيّ قسم أكاديمي في الحاضرة الإمبريالية (أي في الولايات المتحدة والصين) ستَعمل؟ وما هو مشروعك للهويات المشكِّلة لهذا القسم (أو للقسمَين في واشنطن وبكين، قد يكون قسم الأدب في واشنطن وقسم السوسيولوجيا في بكين، مثلاً).
باحث*
