محاولة لمراجعة سجلّ المجابهة مع الحركة الصهيونية [1935-1948]

في اليوم الأخير من شهر آذار 1939، أعطت بريطانيا لبولندا ضمانة منفردة بالحفاظ على استقلالها بعد أسابيع من بدء تحرّش هتلر بها، وهو ما كان يعني استعداداً عند لندن للدخول في حرب عالمية ثانية، فيما كان رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلن قبل ستة أشهر في مؤتمر ميونيخ قد أغمض عينيه عن بدء التهام الألمان لتشيكوسلوفاكيا، في ظنٍّ منه بأنه بذلك يتفادى المجابهة مع الألمان ويُسكِن شهيّة هتلر التوسعية.
كان لافتاً، مع تكثف غيوم الحرب العالمية، أن تلتفت لندن إلى إرضاء العرب وكسب ودهم وخاصة مع وجود اتجاهات في مصر (الملك فاروق - سياسيون مثل علي ماهر) وفي العراق (رشيد عالي الكيلاني - وضباط كبار في الجيش) تظهر ميولاً نحو الألمان. وقد أتت ترجمة أولى لهذه السياسة البريطانية مع صدور الكتاب الأبيض في 17 أيار 1939 الذي فيه تخلٍّ عن وعد بلفور عام 1917 وعن تقرير لجنة بيل الذي دعا عام 1937 إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية، وذلك عندما دعا الكتاب الأبيض إلى استقلال فلسطين كاملة بدولة واحدة خلال عشر سنوات وقيّد من الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي المملوكة لعرب إلى اليهود.
كان صادماً لكثير من الساسة في فلسطين وفي البلاد العربية أن يرفض رئيس «اللجنة العربية العليا» الحاج أمين الحسيني الكتاب الأبيض، وأن يتشارك في رفضه وبالدرجة نفسها من الحدّة مع رئيس الوكالة اليهودية في فلسطين ديفيد بن غوريون ومع زعيم الاتجاه اليميني في الحركة الصهيونية زئيف جابوتنسكي.
ثم كان صادماً أكثر، وهو كان منذ خريف 1939 مقيماً في العراق وله تأثير على رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني وقادة الجيش العراقي، أن يرفض عرضاً بريطانياً قدّم في تموز 1940 (أي بعد شهر من احتلال الألمان لفرنسا ووقوف بريطانيا منفردة بوجه الألمان بينما كان ستالين قد عقد اتفاقية آب 1939 مع هتلر، وفيما الولايات المتحدة فيها اتجاه انعزالي قوي رافض للاشتراك في الحرب على غير اتجاه يريد الاشتراك في الحرب ضد الألمان يتزعمه الرئيس فرانكلين روزفلت)، قدّم لوزير الخارجية نوري السعيد بمقايضة التنفيذ الفوري للكتاب الأبيض في استقلال فلسطين إن قام العراق بوضع نصف جيشه خارج الحدود تحت تصرف القيادة العسكرية البريطانية في منطقة الشرق الأوسط وأعلن الحرب على إيطاليا المحتلة لليبيا، التي كانت منذ الشهر السابق قد أعلنت الحرب على بريطانيا المسيطرة على مصر (جوزيف نيفو: «الحاج أمين وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية»، مجلة دراسات الشرق الأوسط، المجلد 20، العدد 1، كانون الثاني 1984، ص 3-16) ، فيما الحركة الصهيونية بجناحَيها العمالي، بزعامة بن غوريون، والتحريفي، بزعامة جابوتنسكي، بعد نشوب الحرب العالمية في 1 أيلول 1939 قد وضعت الملح على «جرح الكتاب الأبيض» وساندت البريطانيين في الحرب، ولم يشذّ عن ذلك سوى منظمة «الليحي» (المحاربون من أجل حرية إسرائيل) بزعامة أبراهام شترن الذي انشق عن منظمة «الأرغون» (المنظمة القومية العسكرية – الإيتسيل)، والتي تولّى مناحيم بيغن زعامتها بعد وفاة جابوتنسكي في تموز 1940، لرفض شترن توجّهات بيغن وقبله جابوتنسكي بوقف العمليات العسكرية ضد البريطانيين بعد نشوب الحرب العالمية.
هذا الاتجاه البريطاني لمراضاة العرب قد استمر، مع تصريح علني لوزير الخارجية البريطاني أنطوني ايدن في أيار 1941 بتأييد مشروع الوحدة العربية، ثم بمشروع طبخه اللورد موين (نائب وزير الدولة البريطاني المقيم في مصر 1942-1944، ثم الوزير البريطاني المقيم لشؤون الشرق الأوسط، كانون الثاني 1944- 6 تشرين الثاني 1944)، ووافق عليه مجلس الوزراء البريطاني أوائل عام 1944، من أجل إقامة «سوريا الكبرى» وتضم سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين، على أن تقام منطقة حكم ذاتي لليهود في جزء من الساحل الفلسطيني، ومنظمة «الليحي» هي التي قتلت اللورد موين في القاهرة، وبالتأكيد برضىً صامت من بن غوريون وبيغن.
كانت الحرب البريطانية - العراقية قد قادت إلى صدع كبير في العلاقات العربية - البريطانية ضمن دائرة تمتد من بغداد إلى القاهرة، مروراً بدمشق والقدس، مع قراءة بريطانية متوجّسة من مدّ اليد العربية للألمان التي أبداها الكيلاني والحاج أمين
الحاج أمين الحسيني كان في اتجاه آخر، ويبدو أنه منذ أن تمّ نفيه من فلسطين بعد ثورة 1936 قد وضع أوراقه بيد الألمان أو رأى المصلحة في اللقاء معهم، وربما هو منذ صعود هتلر للسلطة عام 1933 قد فكر في الاستعانة ببرلين ضد لندن، ولم يكن مثل زعيم الحركة الصهيونية العالمية حاييم وايزمان (ومن بعده بن غوريون منذ عام1935) يرى أن استمالة بريطانيا هي العامل الحاسم في تمييل إحدى كفّتَي الميزان العربية - اليهودية في فلسطين، والحاج أمين، في إضراب 1936، والأرجح أيضاً مع تأثيراته الكبيرة على الثورة المسلحة للشيخ عز الدين القسام في خريف 1935، هو من جعل هذا الإضراب وهذه الثورة المسلحة يضعان الصهيونية وبريطانيا في مهداف واحد، ما جعل العرب يحاربون على جبهتين.
وحتى عندما أعطى البريطانيون إشارات للابتعاد عن الحركة الصهيونية، في الكتاب الأبيض وفي عرض تموز 1940، كانت ارتباطات الحاج أمين معيقة ومانعة ومفشلة للتقارب العربي - البريطاني، وهذا حصل عام 1939 ضمن الخريطة السياسية الفلسطينية، وفي عام 1940 كان هو المفشل للصفقة بين نوري السعيد والبريطانيين بشأن فلسطين بحكم تأثيره الكبير على رئيس الوزراء عالي الكيلاني وعلى ضباط الجيش العراقي. ويبدو أنه كان هو العرّاب لبدء اتصالات رئيس الوزراء العراقي عالي الكيلاني منذ صيف 1940 السرية مع هتلر عبر السفير الألماني في تركيا فون بابن (اسماعيل أحمد ياغي: «حركة رشيد عالي الكيلاني»، دار الطليعة، بيروت 1974، ص 107).
وهو في بغداد كان رئيس «اللجنة العربية»، التي كانت سرية وتضم في عضويتها الكيلاني مع ثلاثة من قادة الجيش العراقي، من بينهم صلاح الدين الصباغ قائد الفرقة الثالثة في بغداد، بين أعضائها السبعة، وهذه اللجنة كانت القوة الخفيّة المحرّكة لانقلاب رشيد عالي الكيلاني في الأول من نيسان 1941 على البريطانيين والأسرة الهاشمية الملكية (ياغي: ص 87-88).
كانت الحرب البريطانية - العراقية (التي انتهت بانتصار البريطانيين في نهاية أيار 1941) قد قادت إلى صدع كبير في العلاقات العربية - البريطانية ضمن دائرة تمتد من بغداد إلى القاهرة، مروراً بدمشق والقدس، مع قراءة بريطانية متوجّسة من مدّ اليد العربية للألمان التي أبداها الكيلاني والحاج أمين، وربما هذا كان أحد الدوافع التي جعلت الدبابات البريطانية تقتحم قصر عابدين في القاهرة يوم 4 فبراير 1942 وتجبر الملك فاروق على تعيين مصطفى النحاس باشا رئيساً للوزراء، في ظرف كان فيه الألمان والإيطاليون عند الحدود الليبية - المصرية ووسط مخاوف من أن يكرر فاروق وسياسيون مصريون متحالفون معه محاولة الكيلاني والحاج أمين في الاستعانة بالألمان عبر «انقلاب دولة» كالذي جرى في بغداد في ربيع 1941.
ربما، بسبب 1 نيسان 1941 و4 فبراير 1942 حاول اللورد موين تقديم مشروعه بعدما بعثه رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل إلى القاهرة، ولكن أيضاً بسبب تداعيات ذلك اليومين لم يستطع أن ينجح، حيث لم يعد هناك من ساسة عرب يتجرّأون على مساندة ساسة مثل نوري السعيد والنحاس باشا، والوا بريطانيا وضعفت أسهمهم بحكم الارتباط بلندن الذي أصبح مكلفاً وضعيف الشعبية بسبب ذلك اليومين عند غالبية العرب، وخاصة في فلسطين وسوريا.
ولو أن هناك وثائق بريطانية تكشفت عن تأييد مشروع موين عند جميل مردم بيك وشكري القوتلي ورياض الصلح. وربما أيضاً أن الحاج أمين، الذي عاد من ألمانيا بعد هزيمتها عام 1945 وجاء إلى القاهرة وترأس «الهيئة العربية العليا» التي مثّلت فلسطين في الجامعة العربية منذ عام 1946، وبسبب ذلك الجو المعادي للبريطانيين، قد ظلّ محافظاً على نفوذه عند الفلسطينيين والعرب وهو استمر على سياسة «كل شيء أو لا شيء»، وهو ما جعل الفلسطينيين والعرب لا يوافقون على تقرير لجنة التحقيق الأنكلو - أميركية (20 نيسان 1946) الداعي إلى وضع فلسطين تحت الوصاية الدولية وعدم تحديد الشكل النهائي لدولة فلسطين ورفض الاستقلال المبكر، ثم عدم إبداء أيّ تأييد عربي للمشروع الأميركي في 30 آذار 1948 أمام الأمم المتحدة بإلغاء قرار تقسيم فلسطين (29/11/1947) ووضعها تحت الوصاية الدولية.
والأرجح أن هذا المشروع أتى بسبب خشية واشنطن مع نشوب الحرب الباردة من عواقب تأييد ستالين للحركة الصهيونية، التي كانت بكل أفرعها العسكرية الثلاثة (الهاغانا، الأرغون والليحي) في مجابهة لندن. وبالتأكيد كان هذا المشروع الأميركي أحد الأسباب لإسراع بن غوريون في إعلان قيام دولة إسرائيل في عصر يوم الجمعة 14 أيار 1948.
السؤال الآن، الذي يجب أن يطرح وأن تتمّ المراجعة من خلاله: أما كان بالإمكان تفادي نكبة فلسطين عبر الفرص التي أتيحت للعرب والفلسطينيين خلال فترة 1939-1948؟
* كاتب سوري
