والآن... فاشيّات القرن الـ21

في وقت مبكر (عام 2003)، وقبل عقد ونصف عقد من صعود دونالد ترامب إلى السلطة، نجح المفكر اليساري الراحل سمير أمين في القبض على مفاصل التحوّلات الكبيرة والمتسارعة، التي تتحوّل بموجبها الولايات المتحدة إلى «دولة فاشية ومارقة»، وفقاً لتعبيره، أو «دولة أوليغارشية» وفقاً لوصف اليمين الليبرالي الأميركي. قال أمين آنذاك:
«مشروع سيطرة الولايات المتحدة (العولمة الأميركية لنشر عقيدة مونرو على الكوكب كله) هو مشروع مختل. لذلك سميته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 ‹إمبراطورية الفوضى›. فهو سيواجه حتماً بتصاعد مقاومات الشعوب والأمم في العالم القديم الذي يرفض الانصياع له.
وستضطر الولايات المتحدة إلى التصرّف كـ›دولة مارقة› بامتياز، فتستبدل القانون الدولي بالحرب الدائمة (التي بدأت في الشرق الأوسط لتستهدف مِن ورائها روسيا والصين)، وتنزلق إلى منحدر فاشي».
إلى جانب أمين، برز أيضاً مفكرون غربيون، كبنجامين باربر وإيمانويل تود، اكتشفوا أن العولمة الأميركية النيوليبرالية تنشر الفوضى المدروسة واللااستقرار المخطط له للحفاظ على سيطرتها الاقتصادية والسياسية، وأشاروا إلى أن أميركا مضطرة إلى الحرب الدائمة لأن النظام الرأسمالي النيولبرالي نفسه الذي تستند إليه هو نظام فوضى في حد ذاته، خاصة بعد أن سيطر قطاع المال والمضاربات عليه.
المفارقة هنا أن هذه التحليلات اليسارية والليبرالية تتقاطع مع ما يكتبه الآن «متنورو العولمة الأميركية» عن وضعها الراهن، خاصة كلاوس شفاب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، وصحيفة «فاينناشال تايمز» وغيرهما. إذ هم يعترفون بأن الرأسمالية العالمية تمرّ الآن في مرحلة انتقالية سِمتها الأساسية بروز رأسمالي عالمي أو عابر للدول القومية، ومعه طبقة عابرة للقوميات (TCC) تتكوّن من مالكي ومدراء الشركات العابرة للقوميات وأجهزة عابرة للقوميات تحاول عبرها هذه الطبقة ممارسة سلطة سياسية عالمية مباشرة. وهذا يتجلى الآن في الولايات المتحدة في صعود أصحاب المليارات إلى السلطة السياسية مباشرة وتحركهم لتغيير كل بنية الدولة الأميركية ومؤسساتها باتجاه «البنية الفاشية» أو الأوليغارشية.
العولمة التي تقودها الآن الشركات الكبرى جلبت معها موجة جديدة من الانحباسات enclosures، حيث تم تحويل مئات ملايين الأشخاص إلى بشرية فائضة، فيما اللامساواة تقوّض التماسك الاجتماعي وتشعل الاضطرابات. ولذا يسعى المتعولمون «المتنورون» إلى دولة عالمية قوية عابرة للقوميات لتقوم بحل الأزمات الإيكولوجية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للرأسمالية. لكن بدلاً من ذلك ربما يكون في الأفق اقتصاد حرب عالمية ودولة شرطة عالمية.
هذا الوضع الجديد انبثق خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. في البداية المشهد بدا مألوفاً: الرأسمالية تواصل التوسّع كونها مدفوعة بالتراكم اللانهائي للرأسمال وما يترافق معه من ضرورات التوسّع الخارجي، والاستقطاب، والأزمات، والحروب. لكنْ، وكما مع كل شيء، التطوّر والتغيير حتميان، وهذا ينطبق أيضاً على الرأسمالية. فكل مرحلة من مراحل تطوّرها جلبت معها إعادة تنظيم في إطار مؤسسات سياسية واجتماعية وتكنولوجيات جديدة على إيقاع أزمات وحروب كبرى.
كل مراحل التوسّع الرأسمالي رقصت جميعها على إيقاع الحروب: التوسّع الاستعماري، الرأسمالية الصناعية وضرب الريف، ثم الإمبريالية القومية وحروبها. الآن هناك مرحلة ثالثة مختلفة: مرحلة نوعية عالمياً. نقطة التحوّل هنا بدأت مع الركود العالمي في السبعينيات غداة أزمة النفط وانهيار نظام بريتون وودز، وهي الهيكلية الدولية التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تمكّنت الرأسمالية من تجاوز هذه الأزمة بأن أصبحت عالمية مُستخدمة العولمة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي ودمجه. انبثق من هذه العملية الرأسمال العابر للقوميات جنباً إلى جنب مع بروز الطبقة العالمية وأجهزة السلطة العابرة للقوميات. لكن الرأسمالية تواجه الآن أزمة لا سابق لها هي في الوقت نفسه، إيكولوجية واجتماعية واقتصادية وسياسية.
سمة هذه العولمة دمج كل الدول ومعظم البشرية في نظام متعولم من الإنتاج والمال والخدمات. التكنولوجيات الجديدة سمحت بعولمة الاقتصاد، والسياسيون في كل العالم أزالوا العقبات من أمام حرّية حركة الرساميل عبر «الإصلاحات» واتفاقات التجارة الحرّة والدمج مثل الاتحاد الأوروبي.
المرحلة الحالية تتميّز بالانتقال من اقتصاد عالمي إلى اقتصاد متعولم. في السابق كانت كل دولة تبني اقتصاداً قومياً مرتبطاً بالاقتصاد العالمي. الآن هناك عولمة عملية الإنتاج نفسها. وحرّية حركة الرساميل سمحت للرأسماليين بإعادة تنظيم الإنتاج عالمياً لتضخيم الأرباح: عمالة رخيصة، لا قيود بيئية، ضرائب قليلة. وبعد عولمة الإنتاج تمّت عولمة الأنظمة المالية والمصرفية في التسعينيات وأوائل القرن الـ21، وزال النظام المالي القومي. ثم جاءت عولمة الخدمات وخصخصة الرعاية الصحية والاتصالات البعيدة وغيرها من الصناعات.
ثمة فرق نوعي بين عالم أوائل القرن العشرين وعالم اليوم: الرأسمالية العالمية لا تتكوّن من تجميع للاقتصادات القومية بل هي تدمجها في كلٍّ أكبر عابر للقوميات. هنا، ومع الاقتصاد العالمي، يأتي إدماج عضوي أكبر للحياة الاجتماعية عالمياً. وهكذا، وحتى أبعد المجتمعات باتت مرتبطة الآن في دوائر جديدة من الاقتصاد والمجتمع العالمي عبر شبكات إنتاج وتوزيع غير مركزية وكذلك اتصالات عالمية وتكنولوجيات دمج أخرى وتدفقات ثقافية تدعم هذه الشبكات.
لكن كل شيء ليس على ما يرام في هذه «القرية العالمية». فاللامركزية والتفكيك يقابلهما مركزية وتركيز شديدين في ملكية القوى الاقتصادية وإدارتها. القرار خرج من نطاق الدول وبات في يد حفنة من الشركات العملاقة العابرة للقوميات.
كل هذا يشي بأن الغرب الرأسمالي عاد بالفعل إلى الحروب والديكتاتوريات والفاشيات كما حدث في القرن العشرين، بزعامة الولايات المتحدة.
فلننظر حولنا الآن: ماذا سنرى غير الحروب، والتهديد بالحروب، والفوضى، واللا نظام؟ ورغم أن كثيراً من المحللين يعتقدون أن كل هذا مخطط له بالفعل للوصول إلى نوع جديد من النظام العالمي مختلف كلياً عمّا عرفته البشرية طوال نيف وخمسة آلاف سنة، إلا أن هذا لا يمنع القول إن المرحلة الانتقالية الراهنة ستكون مؤلمة جداً وربما دموية جداً أيضاً، قبل أن تتضح المحصلات الاجتماعية- التاريخية للابتكارات التكنولوجية الهائلة الجديدة.
لكن هذه الأخيرة ستكون على المدى البعيد فقط. أمّا الآن، فتستخدم الرأسمالية هذه التكنولوجيات لعسكرة الاقتصاد، وبناء الجدران، وخصخصة الأمن، وبناء المعازل المسلحة للأغنياء، وإقامة أضخم شبكات الرقابة على كل المواطنين في كل العالم، وممارسة القمع العنيف للفوائض البشرية بشتى الوسائل، خاصة لأكباش الفداء مثل السود والمسلمين في الدول الأوروبية واللاجئين.
هذه التطورات ستتضمن حتماً بروز فاشيات القرن الحادي والعشرين، تماماً كما توقّع سمير أمين.
* كاتب ومدير منتدى التكامل الإقليمي
