ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

واحدة انقضت وأخرى محتملة: سوريا بين ديكتاتوريتيْن

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عبد المنعم علي عيسى
عبد المنعم علي عيسى
الثلاثاء 11 آذار 2025
الخط


أنشأ حافظ الأسد نظاماً سياسياً قيل فيه الكثير، ولعل ما قاله المعارض الراحل رياض الترك في مقابلته على قناة «الجزيرة» القطرية بعد أيام من وفاته تختصر النظرة الغالبة التي يتبناها السوريون بل وجلّ الخارج: «كانت مشكلتنا مع الديكتاتور، والآن رحل الديكتاتور». ولعل في الأمر الكثير مما يدعو إليه، لكنّ العديدين اختلفوا حول السبل والأدوات التي استخدمها الأسد وصولاً إلى «نجاحه» في بناء ذلك النظام.

كانت وجهة نظر باتريك سيل، التي أوردها في كتابه «سوريا والصراع على الشرق الأوسط»، تقول بأن ذلك «النجاح» مرّده إلى العيش «وسط شبكة من الاستبداد». أما وجهة نظر نيكولاس فان دام، الخبير الهولندي بشؤون الشرق الأوسط، فتقول إن الأسد «نجح في بناء نظام مستقر يقوم على توازنات طائفية معينة»، لكنها «شفوية»، بمعنى أن لا حضور لها في الدستور كما هو الحال في لبنان. ليتبنّى حنا بطاطو، المؤرخ الفلسطيني الأميركي، نظرية تقول بـ»القاعدة الفلاحية للنظام». ومثله فعل فولكر بيرتس، عبر تبنّي الفهم الطبقي، عندما أشار إلى أن مرد «الاستقرار وصولاً إلى الديكتاتورية هو في التركيز على نمو الطبقة البرجوازية في الدولة».

سياسياً، كان وصول حافظ الأسد إلى السلطة خريف عام 1970، والتأسيس لديكتاتوريته، نتاجاً لـ»لحظة» سانحة كانت بمستويات ثلاثة: أولها، داخلي كان قد تمثّل في الأضرار الواقعة على الطبقتين البرجوازية والوسطى بفعل السياسات الاقتصادية التي كرّستها «حركة 23 شباط»، والراجح هو أن تينك الطبقتين كانتا تريان أن تلك السياسات ماضية إلى ما لا نهاية في تحجيم مكانتيهما اللتين حلت محلهما طبقات ريفية أو هي تنتمي إلى بلدات أو أشباه مدن. وهكذا فعل؛ مهّد الطريق أمام أي تغيير محتمل، خصوصاً إذا ما كان يحمل في طياته إعادة الاعتبار لـ»الخاسرين» مما كانت تشير إليه «التباشير» التي كان الأسد حريصاً على الإفصاح عنها بالدرجة التي تتيحها «حساسية» السلطة التي كانت تتوجّس من بروز أي «نفس» يحمل بين ثناياه العودة إلى ما قبل آذار 1963.

وثانيها، إقليمي، تمثّل في محور قاهرة السادات ورياض الملك فيصل. فالأول، الذي كان قد أطبق على السلطة منذ نحو ستة أسابيع، سرعان ما ظهر مشروعه الأهم الرامي إلى نسف ركائز «الناصرية» تمهيداً لما يريد السير فيه. والثاني كان يستشعر خطر السياسات اليسارية التي كانت تنبئ بإمكان وصول تداعياتها إلى شبه الجزيرة العربية بشكل أو بآخر.

وثالثها، الدولي، الذي بدا وكأنه محدد للتوقيت، فكان يتمثّل بتوافق سوفياتي أميركي بوجوب إزاحة نظام صلاح جديد الذي بدا متصلباً حيال القرار 242، الصادر عن مجلس الأمن خريف عام 1967، والذي كان الأخير يرى فيه اعترافاً مباشراً بالكيان الإسرائيلي. يروي يوسف زعين، رئيس الوزراء السوري حتى 16 تشرين الثاني 1970، في حديثه المطوّل، والمنشور بعد وفاته عام 2016، مع الصحافي المصري إلهامي المليجي، أنّ السفير السوفياتي لدى دمشق نور الدين محيي الدينوف، كان قد زار صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين في مبنى إدارة القوة الجوية الذي جرى احتجازهم فيه منذ 13 تشرين الثاني، وقال لهم بالحرف: «أصدروا بيان اعتراف بالقرار 242، وأنا على استعداد لإيقاف إجراءات الانقلاب فوراً».

كانت هذه «اللحظة»، الداخلية-الإقليمية-الدولية، التي استثمر فيها الأسد الأب سانحة للوصول بالبلاد إلى الحالة الواردة أعلاه، من دون تهميش العامل الذاتي الذي كانت تمثّله شخصية هذا الأخير المتمتعة بقدرة فائقة على قراءة التوازنات جنباً إلى جنب استشراف الجهات التي ستهب الرياح منها على الجغرافيا التي حكمها طيلة ثلاثين عاماً. ومن حيث النتيجة، تمكّن الأسد من خلق صيغة تكاد تكون مقبولة، بنسبة وازنة، لشرائح مجتمعية واسعة، وكذا مقبولة إقليمياً ودولياً، حتى بدا نظامه نقطة توازن إقليمية - دولية من الصعب إنكارها.

في حوار متلفز جرى عام 2019 مع فراس طلاس، نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، جاء التالي: «إن والده كان جمعه وإخوته في الشهر الثاني من عام 2012»، وفي ذلك الاجتماع قال الأب: «عليكم أن تعلموا أنكم لا تستطيعون إسقاط هذا النظام، ولا حتى بالتعاون مع الدول العربية، هذا النظام سقوطه هو تغيير لشكل النظام العالمي، لأن حافظ الأسد نسجه ضمن هذا النظام». ولعل الشيخ محمد رمضان البوطي كان قد ذكر شيئاً قريباً إلى هذا في محاضرة له ألقاها قبيل اغتياله، آذار 2013، بعدة أشهر، والشاهد هو أنه يمكن تلمس «واقعية» ذينك الرأيين عبر لحظ أن السقوط المدوّي للنظام الذي ابتناه الأسد الأب كان قد أتى في سياق تحولات دولية كبرى من المحتمل أن تؤدي إلى تغيير كامل في بنيانه.

ورث الأسد الابن دولة تتوافر فيها العوامل القادرة على «إنجاح» استمرار نظامها الديكتاتوري، إلا أن ذلك كان يحتاج إلى ديناميكية قادرة على إدارة التناغم ما بين المستويات الثلاثة الآنفة الذكر، والشاهد هو أنه افتقد تلك «الميزة»، الأمر الذي يمكن لحظه منذ سنوات حكمه الأولى. أمّا استمرار حكمه، الذي قارب حكم أبيه، فمردّه بالتأكيد إلى التشبيكات القوية التي صاغها هذا الأخير لنظامه الذي أورثه لابنه، وبمرور الوقت راحت «حبال» هذه الأخيرة تتهتّك حتى بدت في سنتيها الأخيرتين غير مرئية، أو كان من الصعب تلمسها بوضوح.

والراجح أن الأسد الابن لم يستطع استقراء التداعيات المحتملة لمحطة 24 شباط 2022، التي شهدت انطلاقة الحرب الروسية الأوكرانية، على نظامه، والتي كانت القراءة الحصيفة التي يجب أن تضع صاحبها، بعد نجاح دونالد ترامب، باحتمالية أن تذهب واشنطن إلى إضعاف موسكو قبيل الدخول في مفاوضات معها بخصوص أوكرانيا. والقراءة عينها ستفضي إلى أن موسكو لن تكون إلا أمام خيار قبول ذلك الفعل الذي يعني خروج دمشق من تحت مظلتها. ولا محطة 7 تشرين الأول 2023، التي شهدت انطلاقة «طوفان الأقصى»، عليه أيضاً.

الآن، من المستحيل القول إن محطة 8 كانون الأول 2024 السورية، التي أوصلت القيادة السورية الجديدة إلى سدة السلطة بدمشق، كانت نتاجاً لمحطة 18 آذار 2011، التي شهدت بداية انطلاق التمرّد من الجامع العمري بدرعا ضد نظام الأسد. كما من المستحيل القول أيضاً إن المحطة الأولى كانت نتاجاً محلياً صرفاً، بل ولا إقليمياً أيضاً، بمعنى أنها كانت فعلاً يستمد جذوته من العمق التركي كما جرى تصويره، بل هي نتاج مباشر لتوافق روسي أميركي جرى الاستثمار فيه على عجل.

وعليه، فإن مصطلح «الشرعية الثورية»، الذي يجري تسويقه بغية تجميع ما يمكن تجميعه في لحظة تبدو فيها التوازنات الداخلية شديدة الهشاشة، لا يمكن له، في أي حال من الأحوال، أن يؤسّس لوضع داخلي شبيه بذاك الذي استند إليه الأسد الأب في إرساء نظامه الديكتاتوري. ناهيك عن أن الوضع الإقليمي هو الآخر لا يساعد في هكذا اتجاه، فالسعوديون يبدون حالة هي أقرب ما تكون إلى «الاستياء». أمّا الأردنيون، فحالتهم توحي بأنهم يضمرون غير ما يقولون. في حين لا يستطيع السلوك المصري أن يخفي «غيظه» تجاه الحدث السوري الذي قد يقذف بأمواجه صوب البر والبحر المصرييْن.

وثالث الموانع -الدولي- وهو أهمّها، يبدو شديد الصرامة تجاه أيّ محاولة لاستنساخ نمط ما لديكتاتورية الأسد. ولعل صور، وتصريحات، الوفود الغربية التي تقاطرت إلى دمشق ما بعد 8 كانون الأول المنصرم، تؤكد أن السلطة القائمة راهناً في دمشق لا تحظى بدعم يُذكر من هؤلاء، على الرغم من المحاولات الجارية من قبل السلطة، والتي تتخذ طابعاً براغماتياً يبدو مفرطاً، للتكيف مع دفاتر الشروط التي حملها كل منهم على حدة.

مجمل الصورة يقول إن من الصعب الآن قيام سلطة مركزية قوية في سوريا، والمشهد السوري سوف يظل عرضة، ولوقت غير معلوم، لتجاذبات كبرى داخلية وإقليمية ودولية، مستعيدة بذلك المشهد الذي افتتحه حسني الزعيم، 30 آذار 1949، عبر انقلابه على شكري القوتلي، وانتهى بانقلاب حافظ الأسد على رفاق دربه 16 تشرين الثاني 1970، حيث ستشهد البلاد ما بين التاريخين 12 انقلاباً، ما بين ناجح وفاشل، كانت كلها تدار من السفارات أو بتأثير من غرف الاستخبارات الخارجية.

* كاتب سوري

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك