الضربة الأميركية لليمن: محاولة استعادة الأمن الجيوستراتيجي لإسرائيل

جاء بيان دونالد ترامب عقب الهجوم الجوي الأميركي على اليمن خالياً تماماً من أي ذكرٍ للسفن الإسرائيلية، أو إشارة تربط بين الضربة التي استهدفت مناطق سكنية، وأوقعت مدنيين عُزَّلاً، وبين إعلان جماعة أنصار الله عزمها استهداف سفن الشحن الإسرائيلية، رداً على استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة. غياب «إسرائيل» وسُفنها عن البيان الذي صيغ بعناية فائقة، وبكثير من المصطلحات القانونية المنمقة، التي لا تتناسب مع هوجائية ترامب، لا يعني غياب البصمة الإسرائيلية عن المشهد وكواليسه، بل إن مصادر إعلامية أكدت أنها كانت واحدة من حلفاء أميركا، الذين أُبلغوا مسبقاً بالضربة.
لكن الحذر الأميركي في ربط الضربة بالحاجة الإسرائيلية إلى حل «المعضلة الحوثية»، يثير تساؤلات حول تغييب هذا الارتباط المباشر، فهل يعكس ذلك اعترافاً ضمنياً بهشاشة إسرائيلية أمام الاستهداف اليمني لمسارات شحنها؟ أم أنه محاولة لحماية حلفاء إقليميين تورطوا سابقاً في ضربات مشتركة ضد الحوثيين؟
هذا الحذر الأميركي يحمل أبعاداً أعمق، إذ يبدو أن الضربة ليست سوى حلقة في مشروع ترتيب إقليمي أوسع، يسعى ترامب عبره إلى تصفية «صداع» القضية الفلسطينية، وتحييد طهران عن المشهد الجيوسياسي، في خدمة أكثر من حليف. لكن منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح وتتناقض الحسابات، قلّما تمنح إجابة قاطعة لتساؤلاتٍ كهذه، وبينما يرى ترامب في ضربته العسكرية تطبيقاً لشعاره «لنجعل أميركا عظيمةً مرة أخرى»، ينشغل حلفاؤه بحساباتٍ أخرى تتعلق بأمنهم وتموضعهم.
أحد أبرز هذه الحسابات يتمثل في الأمن الإسرائيلي، الذي دخل مرحلة تأهب مرتفعة، تعكس قلقاً أكثر مما تعكس قوة، حيث استعد المستوى العسكري في تل أبيب لرد انتقامي يمني، واضعاً سيناريوهات متوجسة تمتد بين البحر والجو، ما دفع مراسل القناة الـ14 إلى القول: «إسرائيل تستعد لتصعيد من اليمن، وكأن المسافة بينهما كيلومتران وليس 2000 كيلومتر».
وبينما لا يبدو أن الضربة الأميركية عززت الأمن الإسرائيلي، إلا في ما يتعلّق بتأكيد السيناريو المتوقّع من رفض الحوثيين انزياحهم قيد أنملة عن دعم المقاومة الفلسطينية، جاء ردّهم على الهجوم الأميركي سريعاً عبر الانقضاض على حاملة الطائرات الأميركية «هاري ترومان» وسفنها الحربية في شمال البحر الأحمر، عبر 18 صاروخاً باليستياً وكروزاً وطائرات مُسيّرة، وفقاً لما صرّح به المتحدث باسم الحوثيين، يحيى سريع، الذي أكد أيضاً أن الضربة الأميركية لن تنجح في دفع الحوثيين بعيداً عن استهداف السفن الإسرائيلية، بل إنها وسّعت من نطاق استهدافهم ليشمل السفن الأميركية العسكرية والمدنية.
ردّ الفعل الحوثي السريع والمهم في دلالته وكثافته، ومزامنته حالةَ الترقّب العابث بالأعصاب، يكشف هشاشة إسرائيلية حقيقية -لا حاجة إلى الاعتراف الأميركي بوجودها- قد تنتقل لاحقاً إلى راعيها الأميركي، لتغدو عجزاً عن التعامل مع الحوثيين وتقويض قدراتهم أو محاصرة أثرهم.
كما يكشف الهجوم صعوبة استعادة الإسرائيليين لأمنهم الجيوستراتيجي في المنطقة، في ظل تمترس الحوثيين، وتواري حلفاء واشنطن عن التصريح بأي تعاونٍ لوجستي أو دعم ديبلوماسي لضرباتها، وهو ما استبقه الأميركيون بتأكيد أن ضرباتهم لن تتوقف حتى يرتدع الحوثيون، في ما بدا أنه طمأنة لحلفاءٍ انتظروا قياس نجاح الضربة، وإحاطة سابقة لفشلٍ متوقّع لها.
ومهما يكن من مواقف الحلفاء، الخفية أو المعلنة، فما لا شك فيه أن الهجوم الأميركي على جماعة أنصار الله يحقق أكثر من فائدةٍ لعدد من الأطراف في الوقت نفسه، تتداخل جميعها لتخدم الأمن الإسرائيلي ومعايير التوسع والسيطرة في عقيدته؛ فالهجمات الأميركية التي يتوعد ترامب تكرارها تحت مسمى «القوة المميتة»، قد تسهم، إذا نجحت، في إيقاف نزيف عوائد قناة السويس الذي أضر بالمدخولات المصرية، ويرفع الحرج عن الخط البري الأردني السعودي الإماراتي المنقذ للاحتلال والمتجاوز للحصار الحوثي له، ويتيح جولة أخرى من «صفقة قرن» لا يقف في وجهها الإسناد الحوثي للمقاومة الفلسطينية، كما ويقزم مساحات الفعل الإيراني في الساحات الخلفية العربية، ويؤمن للسعودية والإمارات مجالاً حيوياً للتحرك في اليمن والتوسع في مياه البحر الأحمر ومضائقه.
أمّا داخل اليمن، فيتزامن الهجوم الحالي مع حراكٍ ديبلوماسي وعسكري، تقوده الحكومة اليمنية المدعومة دولياً، استطاعت عبره، وبتقاطع مع الرغبة الإسرائيلية، إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل الإدارة الأميركية الجديدة، وتوفير مستوى مبتدأ من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الدولي ضد الحوثيين، تحت مسمى «إنهاء الحرب المستمرة منذُ عشر سنوات»، ما شجعها على إعلان رفع مستوى الجاهزية القتالية لقواتها في مختلف جبهات القتال في مواجهة جماعة أنصار الله.
في المحصلة، أملت دولٌ عربية قبل سنواتٍ ضربةً أميركية مثل هذه، إكراماً لملياراتها المهدورة لعيون ترامب، ودفعاً للمسيّرات الحوثية بعيداً عن آبار نفطها وموانئها، ولكن ترامب أشاح نظره بعيداً عن آمالها، حتى وجد نفسه اليوم بحاجةٍ إلى ميدانٍ يستعرض فيه الفعل العسكري الأميركي المتسلط، على غرار فعله الديبلوماسي الوقح، ممارساً فيه قدرته على التدمير والوصول، ويخفف كثيراً من الحرج العسكري -لقلة الحيلة- والضغط الديبلوماسي على ربيبته «إسرائيل»، في آنٍ واحد.
وبينما تتكاثف الرغبة عند ترامب ونتنياهو وحلفائهما الإقليميين، في نجاح الحملة وتحقيقها اختراقاً حقيقياً في المنطقة بأسرها، يبقى من المبكر جداً الحُكم على فعاليتها أو مآلاتها، لا سيما أن اليمنيين، أبناء صخرٍ وجبل، يُبدون عزماً طويلاً على إسناد غزة، والتصدي لأميركا وإسرائيل وحلفائهما، حتى النهاية.
* كاتبة وباحثة فلسطينية مقيمة في ماليزيا
