بيان

بيان | «اللقاء الوطني الديمقراطي»: لتتوحّد الجهود ضد العدوانية التوسعية الصهيونية ومخطّط الوصاية والسيطرة الأميركي
ناقشت اللجنة السياسية في «اللقاء الوطني الديمقراطي» تطورات الوضع السياسي في لبنان والمنطقة. وهي توصّلت إلى الخلاصات الآتية على صعيد الوقائع والاستنتاجات والمهمات:
(1) في الوقائع
لم تأتِ عملية «طوفان الأقصى» من فراغ. إنها حلقة في كفاح فلسطيني متواصل ضد استمرار الاغتصاب والإرهاب الصهيونيين المدعومين من الغرب الأطلسي وزعيمته الولايات المتحدة الأميركية، والمواكَبَين بالتواطؤ من قبل أتباع واشنطن من حكّام عرب أدمنوا التآمر على القضية الفلسطينية، وليس إدارة الظهر لحقوق ومصائر شعبها فقط.
هي صرخة ضد الحصار والعدوان والتنكيل والتمييز والتهجير، من جهة، ومن جهة ثانية، ضد الإمعان في محاولات تصفية مجمل القضية الفلسطينية: بالتطبيع الذي قادته واشنطن، وبتحول اتفاقية «أوسلو»، المخلة أصلاً، إلى ستار للاستيطان الواسع والتمييز العنصري والضم والتهجير. هذا إلى إقدام الإدارة الأميركية على الاعتراف بيهودية كيان العدو وعنصريته، وبضم القدس والجولان السوري المحتلين إليه، ما يتعارض مع القرارات الدولية التي وافقت عليها واشنطن نفسها.
بالمقابل، استلهمت عملية «طوفان الأقصى» صعود قوى المقاومة في المنطقة وتطور إمكاناتها، وسط تحولات إيجابية في الصراع الدولي لمصلحة القوى التي ترفض التسلط الانفرادي الأميركي، وتسعى إلى إقامة نظام دولي تعددي جديد يمنع سيطرة أو هيمنة الطرف الأميركي على المصائر والعلاقات الدولية لمصلحة كبريات الاحتكارات والشركات العابرة للقارات بوسائل متعددة: سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية...
كانت عملية «طوفان الأقصى» مفاجِئة وصاعقة ومربكة للعدو. لكن رده ورد داعميه كان بالإصرار على السياسات والمخططات التوسعية والعدوانية نفسها المستهدفة لكل المنطقة العربية والشرق أوسطية، وليس للشعب الفلسطيني وحده! لهذا الغرض أطلق العدو الصهيوني، بتبرير ودعم وشراكة من قبل التكتل الغربي بقيادة واشنطن، عملية واسعة وبالغة العنف والإرهاب، إلى حدود الإبادة الجماعية، في محاولة لتحقيق الأهداف نفسها التي كان يجري تمريرها بالتطبيع والضغوط والحصار والعقوبات والتآمر وإثارة التناقضات من كل نوع، لإرغام الشعب الفلسطيني ودول وشعوب المنطقة على اليأس والاستسلام...
عملية «طوفان الأقصى» التي بدت هجومية في الشكل كانت، في الواقع، دفاعية في الجوهر. كذلك الأمر بالنسبة إلى عمليات «الإسناد» التي باشرتها قوى المقاومة في لبنان والعراق وصنعاء... بيّنت التطورات اللاحقة أن «طوفان الأقصى» و«إسنادها» كشفا المخططات ولم يخلقاها.
وهما أديا إلى إعادة طرح حقائق الصراع بوصفه صراعاً ضد الاحتلال الصهيوني ومشاريع الهيمنة الأميركية، وإن كانت الأثمان كبيرة بسبب ضراوة العدوان ووحشية أدوات القتل والإجرام التي استخدمها العدو وزودته بها واشنطن خصوصاً والأطلسي عموماً... برزت في السياق مقاومة ضارية وبطولات أدهشت العالم وأسهمت في فضح فاشية العدو وهمجيته، ما أطلق موجة تضامن شعبية هائلة عمَّت العالم ضد حرب الإبادة والتجويع والحصار والقمع وتزوير الوقائع...
لقد فرضت المقاومة في كل من غزّة ولبنان خصوصاً، حرباً طويلة على العدو وحماته.
وهو لجأ إلى كسر كل القوانين والقواعد الدولية والإنسانية في مجرى استماتته من أجل تحقيق نصر يمكنه من تجاوز نكسته إلى مواصلة المشروع الأميركي الغربي الصهيوني في المنطقة. وبرز في الأثناء دور إيراني مباشر وداعم، وآخر رائد وشجاع، لقيادة صنعاء (أنصار الله) عبر مساهمتها في حصار العدو والتصدي لحماته مهما كان الثمن وكانت الموازين… هذا إلى مساهمات أُخرى سورية عراقية وغيرها، منعت الاستفراد بالمقاومة في غزة، وأضفت على المعركة، رغم عدم التنسيق الكافي، طابعاً تحررياً عاماً…
في الحرب على لبنان برزت الهمجية والأحقاد الصهيونية والأطلسية، أيضاً، في أسوأ الصور عبر التدمير الانتقامي والعقاب الجماعي واستهداف معظم المناطق اللبنانية. تراكم في خلال ذلك ظهور دلائل دامغة على أن العدو كان يتحضّر، بكل الوسائل، لتنفيذ عدوان على لبنان بوصف مقاومته مصدر الخطر الرئيسي عليه. تجلى ذلك في الاستعدادات والاختراقات المتنوعة التي باشرتها أجهزة العدو منذ وقت طويل، إلى خطط للتوسع في الأراضي اللبنانية على حساب وحدة بلدنا وسيادته ومصالحه وثرواته...
أما واشنطن، فلم تكتفِ، في كل الساحات والمواجهات، بتقديم كل وأضخم أشكال الدعم السياسي والمالي والعسكري والاستخباراتي والديبلوماسي للعدو...، بل هي بكّرت في كشف دورها المباشر في المشاركة في العدوان وفي قيادته وخصوصاً في المراحل المتأخرة. ورمى تدخل واشنطن، كالعادة، لتمكين الصهاينة، في لبنان كما في غزّة وفي سواهما، من أن يحققوا بالمفاوضات والمناورات والخداع، ما عجزوا عن تحقيقه في المعارك رغم تفوقهم العسكري ورغم الدعم الأطلسي الهائل.
لا يتورع العدو، الآن، عن المجاهرة في إعلان تحقيق بعض أهدافه التوسعية، جغرافياً، في كل المنطقة: من فلسطين ومحاولة ضم الضفة الغربية وإرهاب وتهجير سكانها وسكان غزّة إلى خارج أرضهم ووطنهم، إلى سوريا التي تكاملت مؤامرة الانقلاب فيها مع تدمير جيشها وطاقاتها العسكرية وتقدم العدو لاحتلال مناطق إستراتيجية بالغة الأهمية فيها، بتواطؤ الغرب وحلفائه في الأنظمة العربية، وبالصمت المشبوه للحكام الجدد ذوي التاريخ الإرهابي والمجازر الوحشية القديمة الجديدة... ويبرز وينشط، في الأثناء، مخطط التفتيت وتغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية، سلاحاً متجدداً لتفكيك الكيانات القائمة، وإقامة دويلات على أسس عنصرية ومذهبية تبرر كيان العدو وتعطيه موقع المحور المقرّر في شؤون المنطقة ومصائرها في كنف مخطط السيطرة الأميركية الشاملة... وتشكل المجازر العنصرية والطائفية الأخيرة في المنطقة الساحلية السورية نموذجاً بالغ الخطورة، بإدارة أميركية صهيونية، وتواطؤ تركي، وتغطية من تيار التطبيع العربي، عن التوجهات الخطيرة والممارسات الهمجية والإرهابية التي تطبع نهج القوى المعادية في المرحلة الراهنة من الصراع.
أما بالنسبة إلى لبنان، ففي لحظة من الإرهاق الشامل على طرفي الصراع ووسط تصاعد ضربات المقاومة اللبنانية ضد العمق الإسرائيلي، بعد تعافيها النسبي من الاغتيالات والخسائر الفادحة، خصوصاً، طرح بايدن شخصياً مبادرة وقف إطلاق النار. تبين أن الهدف هو استئناف القتال من طرف واحد، وإطلاق عملية سياسية كبيرة لتعزيز الدور الأميركي في لبنان إلى مستوى الوصاية الشاملة عليه.
هكذا يتبلور دور سافر لواشنطن متدخلة بوقاحة في الانتخابات الرئاسية، وفي التكليف والتشكيل الحكومي. اقترن ذلك بحملة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لقطع العلاقات معها ولمنع مساعدتها في دعم المقاومة وفي إعادة الإعمار. جرى ربط هذا الأخير بسحب سلاح المقاومة في استعادة، أكثر وقاحة، لمرحلة ما بعد انتفاضة 17 تشرين الأول التي جهدت واشنطن لتحويلها، دون نجاح كبير، إلى حملة ضد المقاومة وسلاحها، مُعفيةً الطبقة الحاكمة من مسؤولية الفساد والنهب والسطو على مدخرات اللبنانيين، ثم من المسؤولية عن الإفلاس والانهيار.
في السياق، تسيطر واشنطن تباعاً على المواقع الأساسية في التركيبة السلطوية الراهنة: في الحكومة وفي التعيينات العسكرية والأمنية والديبلوماسية والاقتصادية.
ويتكامل دورها مع تقدم العدو منتهكاً السيادة اللبنانية عبر مواقع أجازت واشنطن احتلالها، واعتداءات وانتهاكات غطّاها ويغطيها رئيس لجنة المراقبة الأميركي، بذريعة الدفاع (الاستباقي) عن النفس! إلى تحرشات مشبوهة على الحدود اللبنانية السورية استكمالاً للحصار ولاستهداف المقاومة…
في الاستنتاجات
تتزايد المخاطر على لبنان وشعبه، وفي المنطقة عموماً، بسبب السياسات المذكورة، مضافاً إليها سلبيات الوضع الجديد في سوريا، خصوصاً بعد المجازر التي ارتُكبت في الأيام الماضية.
يتطلب ذلك فتح نقاش ومراجعة عميقين للبرامج والأدوار والعلاقات والممارسات… وخصوصاً منذ مرحلة «طوفان الأقصى»، وفي أثنائها، وحتى المرحلة الراهنة.
لا شك أنه قد حصلت مبالغات، وتكشّفت سلبيات وثغرات واختراقات... أسهمت، إلى سوء تقدير في ما يتعلق برد العدو وداعميه وخططهم، في تعظيم الخسائر أو في عدم الحد منها: سواء في المواقف أو في التدابير والإجراءات...
في المهمات
يطرح ذلك وسواه، مهمة ملحَّة على عاتق كل القوى المعارضة للاحتلال الإسرائيلي والوصاية الأميركية. هذه القوى مطالبة اليوم بإحداث تحوُّل نوعي في حضورها ونشاطها وعلاقاتها. التيار المدني منها خصوصاً، ينبغي أن يكون مبادراً في تبني برنامج تحرري، وإطلاق تيار جبهوي واسع وشامل وفقاً لصيغة وخطة وأولويات لمواجهة العدوانية الصهيونية والوصاية الأميركية: في لبنان وفي المنطقة.
إن «اللقاء الوطني الديمقراطي» يبدي كامل الاستعداد للمشاركة والانخراط في هذه المهمة الوطنية استلهاماً واستئنافاً لتاريخ القوى الوطنية اللبنانية ومساهماتها المميزة والريادية في حقلي النضال من أجل الديمقراطية والإصلاح الحقيقيين، من جهة، والمقاومة والتحرير، من جهة ثانية.
* «اللقاء الوطني الديموقراطي»
بيروت في 18/3/2025
