مراجعة الطوفان خارج الانتهازية السياسية

عندما يتفق الليبراليون «محبو الدنيا» والسلفيون «محبو الآخرة» على شيء، فهذا يؤكد أنهما ليسا نقيضين، إنما أبناء الطينة نفسها، هنا تظهر أيديولوجيا نهاية التاريخ بشقيها الديني والعلماني عندما يقول الطرفان: أخطأت حماس بعملية طوفان الأقصى، وألقت الناس في التهلكة و«سلّمت» غزة لإسرائيل.
بالنسبة إلى مسألة النزاع بين «فقهاء الجهاد» على الأمر، فقد يكون رأيهم مهماً على المستوى الشرعي، (وآمل أن يبلغونا بما سيتوصلون إليه في النهاية بعد الانتهاء من ترف البحث الفقهي). لكن ليس علينا أن نكترث برأي الفقهاء، عندما نتحدث عن الإقليم من منظور مصالح الدول، تأثيم الطوفان أو مباركته، سيعتمد بشكل كبير فيما إذا كان الفقيه يقطن في أبو ظبي والقاهرة أو الدوحة وإسطنبول.
الخلط ما بين المراجعة الموضوعية لما حدث فعلاً بالطوفان، وما بين إسقاط الأحكام القيمية والأخلاقية المسبقة على الطوفان وما بعده، يؤدي بنا أن نعلق بين الفريقين المتنازعين. الفرقة الأولى الربيعية هي الشريحة الصحافية - الأكاديمية المتضخمة التي نصّبت نفسها حكماً للتحكم في ما نقوله وما لا نقوله عن الطوفان. والفرقة الثانية الإبراهيمية، تريد تحميل «حماس» مسؤولية كل ما يحصل في الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر.
الطوفان في عدسة «تموز 2006»
لنأخذ الدكتور جيلبير أشقر كمثال على الفريق الأول. الرجل دعم منطق «الطوفان» منذ البداية، بل سوّقه للغرب بطريقة «ناتووية» على أنه جبهة مضادة «counter offensive» مرادفة لجبهة أوكرانيا المضادة بمواجهة روسيا، ولكن إذا رأيت كتاباته عن منطق الإسناد في لبنان، فستجد له سجلاً سيئاً جداً قائماً على التحامل المؤدلج والمسبق ضد «حزب الله». ما نفع أن يدافع هذا الفريق عن جدوى «الطوفان» وأن يكون لديه مقابلات تلفزيونية مع أعضاء حركة حماس وبرامج «بودكاست» عن «بناء مجتمع الطوفان» إذا كان غير قادر على أن يُبدي أقل احترام لجبهة الإسناد اللبنانية؟
للمفارقة، فإن رفاق جيلبير الأشقر الذين لا يرون قيمة لجبهة الإسناد، لن يدركوا أنه بالإمكان إنقاذهم فكرياً في سجلاتهم مع الفريق الإبراهيمي الذي «يشيطن» الطوفان، عبر مراجعة «الطوفان» من موقع يساره المعادي للإمبريالية، أي من منظور حرب تموز 2006، إذ يقول الراحل جوزف سماحة: «لم تكن عملية 12 تموز، في حدّ ذاتها، مبنيّة على «حسابات خاطئة». لكن كان يمكن إلباسها هذه الصفة في ضوء الردّ الإسرائيلي والنتائج التي يحقّقها. ولمّا جاء الردّ عنيفاً جرى التأسيس لمقولة «الحسابات الخاطئة». فتح الجيش الإسرائيلي الأبواب والأفواه للانتقاد».
عملية الطوفان لا تشبه عملية صيف 2006، كما إنها لا تشبه بشكل عام إستراتيجية إيران في الصراع مع إسرائيل، كما يقول الصحافي عبد القادر فايز (بل إنها لا تشبه الصبر الإستراتيجي لدى «حماس» ذاتها منذ بداية الحصار على غزة، والذي قطفت ثماره مثلاً في 2021 في عملية سيف القدس). الهدف من «الطوفان» كان توفير عودة معينة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، ورفع مستوى الصراع في الأراضي المحتلة من حرب منخفضة إلى حرب مرتفعة الوتيرة. ومع أن الانهيار الإسرائيلي يوم العملية أظهر «الحسابات الخاطئة» لدى المحور الإقليمي الإبراهيمي، إلا أن «الطوفان» لم يتمكن، رغم الكلفة العالية، من التسبّب في تداعي هذا المحور بشكل كامل.
لجنة «دوغين»
وبما أنه ليس لدينا «لجنة فينوغراد» خاصة بنا، كما يقول آلان علم الدين، لمراجعة الفرق بين المغامرات المحسوبة والحسابات الخاطئة، فلربما علينا الاستماع إلى رأي المفكر الروسي ألكسندر دوغين بعملية الطوفان. الرجل علّامة لدرجة كونه لجنة بحد ذاتها، وهو في حال انتهت الحرب الأوكرانية، لا يطمح إلى تكملة عمره بالارتزاق السياسي والتسلّق الوظيفي عبر «لوم حماس».
يقول دوغين: «من الواضح أن القوة العسكرية لحماس لم تكن كافية… خاصة عندما اصطف الغرب كله إلى جانب إسرائيل، هل كان لدى حماس خطة؟ كان يجب أن يكون لديها إستراتيجية واضحة ما دام أنها قررت القتال من أجل الحرية والاستقلال والاعتراف بدولتها… عندما تحدّت حماس إسرائيل، كان يجب أن يكون هنالك خطوات تالية. على الأقل، كان يجب أن يكون هناك تضامن من الضفة الغربية رغم أن فتح تسيطر هناك، لكن ذلك لم يحدث. لم يكن هناك انتفاضة فلسطينية داخل إسرائيل وهو أمر بالغ الأهمية».
ينتقل دوغين بعدها للحديث عن الدور العربي والإسلامي في منع تهجير الفلسطينيين في غزة: «هل سيتم تشكيل تحالف من الدول الإسلامية لإعلان الحرب على الولايات المتحدة؟ الإجابة هي لا. هل سيتم ترحيل الفلسطينيين؟ الإجابة هي نعم. هذا هو الواقع، حاولوا تغيير ذلك، فماذا أنتم فاعلون؟… هذه المشكلة الأساسية، العالم الإسلامي لم يحقق أي درجة من التماسك أو الوحدة أو إستراتيجية مشتركة أو تنسيق مشترك يمكن أن يجعله قوة ذات تأثير مشترك في الساحة الدولية».
الخاتمة
أي نقاش في نقد «الطوفان» عليه أن يبدأ من الإجرام الصهيوني والعجز -أو التواطؤ- العربي. لكل من يريد أن يحمّل «حماس» كاملاً عيباً نتشاركه جميعاً لمحاولة التعويض عن عجزه أو تبرير قبوله بتنازلات جديدة، ولكل من يقول إن حركة حماس «سلّمت البلد»، لنعد إلى التاريخ الروسي الذي يأتي منه ألكسندر دوغين. لم يكن الذي سلّم البلد من قاتل في شوارع مدن سوفياتية كان مصيرها كغزة أو أسوأ خلال الغزو النازي في الحرب العالمية الثانية. مَن «سلّم» البلد في ليلة وضحاها من دون طلقة واحدة كانوا أبناءهم وأحفادهم الذين قرروا الوثوق بالغرب والأميركيين عام 1991.
لننهي المقال بأخذ هؤلاء على حجم عقولهم وبالمشي قليلاً في سردية أن «حماس» مسؤولة عمّا حدث في البلاد. كيف وصلت حماس إلى غزة؟ عن طريق الانقسام الفلسطيني. كيف جاء الانقسام؟ عن طريق الانتخابات التي أمر بها الأميركيون والأوروبيون قبل عام 2006. لماذا فرضوا على الفلسطينيين الانتخابات تحت الاحتلال و«الإصلاحات» والطريق التفاوضي الطويل العقيم؟ لأن القيادة الفلسطينية وعرب الاعتدال قبل الانتفاضة الثانية وبعدها ارتكبوا ذات الخطأ الذي ارتكبه غورباتشوف وحاشيته؛ قرروا الوثوق بالغرب والأميركيين.
*كاتب فلسطيني
