أزمة «زومبي» انفجار المشرق

إن كان غرامشي تحدث عن أزمة تتجلى في أن القديم يحتضر، والجديد عصي عن الولادة، وفي هذا الفراغ تظهر ما أطلق عليه بالأعراض المرضية. ففي أزمتنا نحن، فإن القديم قد مات، وإن كان كثر يرفضون الاعتراف بموته. وبهذا تحديداً الازدواج في أزمتنا العربية، أنه علينا الاعتراف أولاً بموت القديم، أن ما يتحرك أمامنا حي - ميت، ما هو سوى «زومبي». لن يكون ذلك إلا عبر مواجهة المزدوج الآخر، وهو استيلاد الجديد، تخيله بدءاً، ثم العمل للوصول إليه.
فتح «طوفان الأقصى» باب ولادة الجديد على مصراعيه، بثورية، تختصر الزمان، إلا أن الأزمة التي ولدها الاستعمار الأمريكي، في تفجير مجتمعات المشرق بإسقاط بغداد، وتسعير الحرب السورية، كانت أكبر، وأقوى. لم يكن انفجار السابع من أكتوبر بضعيف، فقد أرانا فتح الباب، ولو لبرهة، ما يكمن خلفه. وما الواجب الثوري اليوم، والأمانة للشهداء جميعاً، هي العودة لفتحه من جديد، كاملاً.
أما موت حكم حزب البعث، السلطة السورية القديمة، فللمفارقة، انبعث منه تناقضان، متنفس ومساحة للعمل وأزمة أحياء - أموات (زومبي)، وكما يذكّرنا غرامشي أن التغير يقع في المساحة التي تولدها التناقضات. أما موت «المحور»، فجاء نتيجة محاولته المستميتة لحماية القديم، والمكتسب منه، عدم استيعاب تركيبته لمخاض ولادة الجديد. فقد ألقت أزمة تفجير الأميركيين لمجتمعات المشرق بظلالها عليه، فلم يتحمل ضيقه، بالصبغتين القُطرية والطائفية، اتساع جديد الطوفان، لينتج من موته أيضاً عبرة وأزمة أحياء - أموات (زومبي).
إن عملية ولادة الجديد في الوطن العربي، هي إعادة دمج الكتل الاجتماعية المفككة مع بعضها. فالحرب الأهلية، وحروب التدمير الذاتي، هي بالتعريف، ديناميكية يحرص شرط وجودها على استدامة الانقسام العمودي بين كتلها، تصور كل كتلة لنفسها عبر تخيلها للآخر. ولذلك، لا تسعى فقط إلى الحفاظ على ذلك التصور، بل وإن لم تستطع اختلقته من العدم.
ومن خصالها، أيضاً، الصفرية، أن النهاية (وهي في الحقيقة لا نهاية) للحرب بالقضاء التام على الآخر. بينما ديناميكية الصراع مع الاستعمار الصهيوني مختلفة، لا تكون عبر افتراض حسم لسرديات وكتل اجتماعية على الأخرى، بل هي صيرورة عملية دمج، بناء صيغة اجتماعية وخطاب سياسي تمثّل كتلة جديدة خارج استقطاب الهويات الطائفية والانعزالية، عبر حشد أكبر إجماع، وأولية الصراع مع الصهيونية على كل مستوى، من العاطفي إلى الخطاب وبناء الانتماء السياسي. هذا الدور تحديداً الذي فشلت تجربة «المحور» في تقديمه، وعليه، نحن، في مرحلة اختبار جديد، في توليد كتلة عربية جديدة، وتحالف يبني على منجزات ما مضى ويعتبر من عبره.
من هنا تأتي أهمية التشخيص، أن أزمتنا اليوم من انفراط «المحور» ونهاية الحرب السورية، والتبدل الإقليمي في أدوات العمل الأمريكي عبر السعودية وقطر والإمارات، وبل عودة الأميركيين للعمل المباشر الحثيث بالعدوان، وإطلاق اليد العسكرية الصهيونية للعب المباشر في جميع الساحات، وضد كل الكتل العربية، ضد العرب جميعاً، هي «أزمة زومبي». مات القديم، إلا أن آثار ومخلفات انفجار المشرق، لا تزال كالجثث المتحركة، تحاول إعادة تفسير وقراءة الواقع المستجد، أنه ذاته هو القديم، وما على «الزومبي» سوى التمسك بذات خطاب وأدوات القديم، في إعادة شريط قناتي الجزيرة والميادين من جديد.
إن موت القديم، يستدعي بالضرورة، كما إنه يمثّل فرصة، لإعادة قراءة ما حدث. قراءة ما آلت إليه سوريا، من دون القراءة النسبية، أي نسبة لما سيقوله عنك الخصم المقابل. فبالنسبة إلى «المحور»، فقد خسر سوريا قبل كانون الثاني 2023 بأشهر، حين أتمت السلطة السورية القديمة انعطافتها للخليج. ومن دون شك، كان للطوفان دور في دفعها بهذا الاتجاه بشكل أسرع، فهذه من أبرز معارفنا التي تعلمناها من قرن من الصراع مع الصهيونية، حول مدى ثورية البرجوازيات الحاكمة التي تشرعن حكمها بالخطاب الوطني المعادي للاستعمار.
لم يكن لـ «المحور» الرغبة، وهو أصلاً لا يمتلك القدرة والخيال السياسي -وإن أراد- على إنتاج سوريا بعقد اجتماعي ونظام سياسي بسلطة جديدة. بل أصر على ترك النظام يترهل وينتهي، وتبني سردية صماء للحرب، ورفض الاعتراف بالطابع والانقسام الأهلي والمجتمعي الكبير في سوريا. والأدهى، أن الحرب السورية، والاستقطاب على الهويات الطائفية فيها، أنهك البنية والشرعية الأخلاقية، لـ «المحور» ذاته، حيث تعمّق بشكل فاضح الاستنفار والحشد بالأدبيات والهويات الطائفية، في تجلٍّ للاستقطاب الأهلي في المشرق.
فما حدث أن خصال العقلية الأمنية والمركزية في القرار ونوع العلاقة بين الجمهور والزعيم والحاكم الديكتاتوري، وغيرها من خصال الأنظمة العربية، عدوى نقلتها السلطة السورية إلى بنية «المحور» وإعلامه وجمهوره، في تدهور عريض لبنية الحركات الثورية وفكرة الطليعة وتمثيلها للجمهور، وأبعادها التعبوية والأممية.
أما جحافل الريف السوري المستنفر بالخطاب السلفي، والكتل الاجتماعية الواسعة المستثناة من تاريخ خطاب المقاومة السائد، وإن لم تكن مستثناة من تاريخ العرب بعيون الصهيونية، فقد دخلت نخبها في أزمة كبرى بمجرد الوصول إلى ساحة الأمويين. فالسلطة القديمة، والوضع القديم مات، فكيف لهم الاستمرار سوى بهيئة «الزومبي» في مذابح الساحل، واختلاق خصم على الحدود مع لبنان، يمثّل استمرارية لذات السردية والشريط. المفارقة أن مذابح الساحل شكلت متنفساً للكل (الزومبي)، فهي تمثّل فرصة لمحاولة استعادة القديم. ولعل من مميزات صراعات الهويات الطائفية، هي أن تكون في مصلحتها زيادة عدد ضحاياها، والتبني الفج، لمصطلحات صاخبة، رغم أننا في محضر الإبادة الصهيونية، فتتم استعادة الإبادة ولفظها وتوهينها لمذابح الساحل، كما كانت للهوية المقابلة سردية تعرضها للإبادة خلال الحرب السورية.
موت القديم كذلك يستدعي إعادة قراءة إسناد «المحور» للطوفان، إن استمرار قراءة الإسناد بعيون ذات الاستقطاب الأهلي، وتسجيل النقاط، هو استمرار للسياسة القديمة التي أفضت إلى موت «المحور». أن نتحلى بالشجاعة للاعتراف أن المحور الذي قدم أقصى التضحيات، كانت للحفاظ على مكتسباته ومشروعية وجوده وخطابه، لا ضمن مشروع الحرب ذاته، والأمران ليسا سيان.
بالتأكيد، للكتل الاجتماعية التي ساندت فضل على تلك التي قعدت، ولا داعيَ لذكر المتواطئة، إنما صراعنا ليس بينياً بين تلك الكتل، بل مع الصهيونية، ومع التشريح الطبقي للمجتمعات العربية، دونما تحويل هذا التشريح بحد ذاته أدبيات استقطاب أهلي، وعمودي لا أفقي، فتتحول إدارة العلاقة السياسية وعلاقة الامتياز الطبقي مع رأس المال العربي في الخليج إلى الشيء نفسه. وتقسيم المجتمع العربي إلى نسب مئوية، لكتل تشمل الملايين من البشر، لكل موقف سياسي مفترض.
يكمن صراعنا، والتحدي التاريخي أمامنا، في كيفية إعادة دمج الكتل وحشدها بأكبر قدر ممكن ضد عدوها الأوحد، لا تفضيل بعضها على بعض، والانشغال باللوم، والتشكيك بمفهوم الأمة والوحدة، فهذه ديناميكية هدم، وخلاص فردي وإن كان على شكل جماعات. وإلا على ماذا استشهد الشهداء، ولماذا كل تلك الضحايا الجليلة؟ إن لم تكن للتحرر الكامل، للكل العربي، على العدو الحقيقي القاتل الأكبر سفكاً لدمنا، أي إسرائيل؟
إن زمننا جديد، يستدعي، قراءة نقدية للماضي أولاً، أي الاعتراف أنه لم يكن لدى أي طرف سياسي السردية الصائبة تماماً لأحداث العقدين الماضيين، إن ادعاء ذلك مغالطة منطقية. إن تقديم هذه القراءة والنقد الذاتي العميق والجاد، هو أولى خطوات الإجابة عن سؤال المرحلة، هو كيفية تخيل شكل مجتمعات المنطقة ما بعد الانفجار، كيف نقدم خطاباً وقراءة تاريخية وحاضرة للحدث، متعففة من الاستقطاب السياسي البالي، وبما يجمع أكبر قدر ممكن من كتلنا الاجتماعية تحت سقف واحد، سقف وبالمعنى الحرفي تهدمه القنابل الأمريكية فوق رؤوسنا جميعاً على طول الجغرافيا العربية.
*كاتب عربي
