110 أعوام على المذابح الأرمنية: أن أمشي على جرحي… وأقاوم


النجاة من الإبادة ليست خلاصاً من عنفها، بل امتدادٌ لظلالها الثقيلة، بل يعني أن نحمل ثقلها في عالم يُصرّ على إنكارها. في هذا العالم الذي أُقِرَّ فيه الإنكار سياسة، وغدا الصمت ميثاقاً، وأصبح النسيان ثمناً للتقارب والتحالفات، تُصبح الإبادة فعلاً يتكرّر لا بوصفها خللاً في التاريخ، بل جزء من هندسته.
ما يُمحى من السرد، لا يُنسى؛ بل يعود، بأسماء مغايرة، وبأدوات أشدّ فتكاً.
في عام 1915، شرعت الدولة العثمانية حملة الإبادة المنهجية بحق الأرمن. أكثر من مليون ونصف مليون إنسان ذبحوا، جُوّعوا، أو دُفنوا أحياء في الصحراء السورية. التهجير لم يكن إجراءً أمنياً، بل إعلان للقتل الجماعي. عائلات كاملة مُحيت، ومقاطعات بأكملها أُفرغت من سكانها. كانت المجازر مقصودة، بيروقراطية، وعسكرية الطابع — ومُبرّرة بأيديولوجيا قومية قائمة على الطورانية، ومدعومة من الإمبراطورية الألمانية.
وكما كتبت ديريا كوجا في تحليلها، كان الأرمن واليونانيون «أوراماً داخلية» يجب استئصالها لمصلحة نقاء الأمّة. لم يكن التهجير إجراءً احترازياً، بل إعلان للإبادة.
تُرجم هذا الإعلان إلى أمرٍ رسمي أصدرته «لجنة الاتحاد والترقي»، في 29 أيار عام 1915، تحت مسمّى «قانون التهجير المؤقت»، وبه بدأ التطهير العرقي تحت رعاية الدولة. كان طلعت باشا، وزير الداخلية وأحد مهندسي الجريمة، ينسّق التنفيذ عبر برقيات مشفّرة تطلب تهجير الأرمن من دون استثناء. إذ رأت الدولة العثمانية أن الأرمن يشكّلون تهديداً لوحدة الدولة، خاصةً بعد الهزائم العسكرية في حروب البلقان والحرب العالمية الأولى.
وفقاً لما أثبته المؤرخ تانر أكشام، أول باحث تركي يعترف بالإبادة، عبر دراسته للأرشيفين العثماني والألماني، فإن البرقيات المتبادلة بين الحكّام تكشف كيف تحوّلت الإبادة إلى سياسة دولة، وأن مواصلة الدولة التركية حتى اليوم الإصرار على أن تلك التهجيرات كانت «إجراءات قانونية إدارية»، ليس إلا تحايلاً متعمداً.
يقول أكشام في كتابه «جريمة الاتحاديين ضد الإنسانية»: «ما لم يتم الاعتراف بأن أحداث 1915 كانت أفعالاً غير أخلاقية ولا إنسانية، فلا يمكن لأي نقاش جاد أن يبدأ».
اليوم، ورغم الوثائق وشهادات الناجين والاعترافات الديبلوماسية، ما تزال الدولة التركية ترفض الاعتراف بالجريمة. حتى عام 2025، لم تعترف بالإبادة سوى 33 دولة فقط. أمّا الغالبية، بمن فيها حلفاء تركيا في «الناتو»، فتواصل دفن الحقيقة باسم «التوازنات الدولية والمصالح الجيوسياسية». لكن خطورة الإنكار لا تقف عند الماضي.
فكما كتب أكشام: «وفقاً لهذه الأيديولوجية، يمكن للدولة أن تلجأ إلى التهجير القسري حتى لو أدى ذلك إلى قتل مواطنيها، من دون أن يُعتبر هذا خرقاً أخلاقياً أو قانونياً». وهكذا تعاد الإبادة، أكثر تسليحاً، وبتحصين ديبلوماسي أوسع.
يشهد الشعبان الأرمني والفلسطيني على تقاطع النضالات لا بالخطاب، بل بالدم والمنفى. لغتان مختلفتان، عقيدتان مختلفتان، وجغرافية متباعدة لكن العدو واحد، ومشروع المحو هو ذاته
ما نشهده اليوم في عصرنا «المتحضّر»، من الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة وتهجير الأرمن من آرتساخ، ليس أحداثاً استثنائية؛ بل استكمالٌ لمنهجية تاريخية مبنية على «نقاء الأمّة».
في أيلول 2023، هجّرت أذربيجان أكثر من 120 ألف أرمني من آرتساخ، بأسلحة إسرائيلية وتمويل أميركي ــ تركي.
وفي الوقت ذاته، كانت الطائرات الإسرائيلية تبيد أهالي غزة. وقد صرّحت «مؤسسة ليمكين لمنع الإبادة» بأن القوتين العسكريتين الأميركية و الإسرائيلية «ترتكبان إبادة جماعية في غزة، بعد أسابيع فقط من تمكين إبادة جماعية ضد الأرمن المحاصرين في آرتساخ».
لم تكن هذه المجازر ممكنة لولا منظومة الإفلات من العقاب، التي ترعاها صفقات النفط والسلاح.
في تشرين الأول من 2023، وبينما كانت غزّة تحترق تحت القصف، أرسلت أذربيجان أكثر من مليون برميل نفط إلى الكيان الإسرائيلي، بينما زوّد الكيان الإسرائيلي أذربيجان بـ70% من سلاحها الذي استعملته الأخيرة في عملية تهجير الأرمن من آرتساخ واحتلال أراضيها.
واليوم في عام 2025، حصلت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية SOCAR على تراخيص التنقيب عن الغاز في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بالتوافق مع الكيان الإسرائيلي.
أميركا، من جهتها، تواصل تمويل الطرفين: 3,8 مليارات دولار سنوياً لإسرائيل، وأكثر من 800 مليون لأذربيجان بين عامَي 2002 و2020.
لم تتحرك واشنطن لوقف مساعداتها إلا بعد اكتمال تهجير الأرمن من آرتساخ، بينما رفض الكونغرس الأميركي النظر في مراجعة دعمه العسكري لإسرائيل رغم بدء محاكمات الإبادة في محكمة العدل الدولية.
فماذا يعني أن تبقى شاهداً على إبادة لا يُعترف بها؟ أنا من الجيل الثالث للناجين من الإبادة الأرمنية. فقدت 28 فرداً من عائلتي، بينهم امرأتان حاملتان انتحرتا غرقاً في نهر الفرات. نُقل آخرون في مسيرات الموت وقُتلوا.
نجونا لا بأجسادنا، بل بذاكرةٍ حملت وجعنا، وحمت ذكرى أجدادنا من الزوال. كان شقيق جدّي، أسادور كوزيليان، شاعراً وصحافياً في بريطانيا، كرّس حياته لكتابة تاريخ الأرمن والدفاع عن هويتهم في الشتات.
أعتبر عمله هذا شكلاً من أشكال المقاومة — مقاومة محو الذاكرة التي أحملها اليوم في مسيرة لاستحقاق العدالة لأجدادي من الشهداء وحقوق الأجيال القادمة. لم يكن مقدّراً لنا أن نبقى، ولكننا بقينا. ومع بقائنا ورثنا أكثر من الحزن — ورثنا الواجب ألّا ننسى. وهذا الواجب يعيش في المقاومة — بالكلمة والفعل.
في سبعينيات القرن الماضي، أسّس هاكوب هاكوبيان «الجيش السرّي الأرمني لتحرير أرمينيا» (ASALA) في بيروت، بعد تدريبه مع «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
لم تكن هذه الحركات، رغم تصنيفها «إرهابية» من قِبل القوى الاستعمارية، إلا ردّاً على الإبادة والصمت الدولي. لم تكن عملياتها مجرد انتقام، بل رفض حادّ لتحريف التاريخ ومحو الذاكرة. لقد أعاد الجيش السرّي الأرمني قضية الإبادة الأرمنية إلى محاور النقاش العالمي وأيقظ وعياً قومياً في الشتات.
لكن المقاومة لا تُختصر في السلاح. بل تتجسّد في الشهادة، وفي عدسةٍ تنقل ما يعجز عنه البيان، وفي الصورة التي تتحوّل إلى ذاكرةٍ نابضة، عصيّة على الطمس. كيغام دجيغاليان، «المصوّر الفدائي»، أرمني فلسطيني ناجٍ من المذابح الأرمنية وهو أول من أسّس استديو تصوير في غزة.
قضى كيغام عقوداً يوثّق الحياة تحت الانتداب البريطاني، ثم النكبة، والاحتلال الإسرائيلي. في عام 1967، خلال احتلال غزة، كشف حفيده لاحقاً أنه كان يعمل مع الاستخبارات المصرية، يرسل الصور السلبية عبر شبكة من المصورين الأرمن في الضفة الغربية. لم تكن عدسته مجرد عين — بل سلاح مقاومة شكّلتها ذاكرة إبادة موروثة.
وتتجلّى هذه الروح أيضاً في المقاومة الثقافية، أي في صون اللغة، والتشبّث بالتقاليد، وحفظ رموز العودة. في مدرسةٍ في أرالِز بأرمينيا، عُلّقت مفاتيح البيوت (الصورة) التي هُجّر منها الأرمن خلال الإبادة الجماعية عام 1915، لتظل المفاتيح شاهدةً على وطنٍ سُلب قسراً.
وفي عام 2023، فتحت المدرسة ذاتها أبوابها لتستقبل النازحين من آرتساخ، الذين هُجّروا مرة أخرى من أرضهم. وفي غزة، ما يزال الفلسطينيون يحملون مفاتيح منازلهم التي دمّرها الاحتلال منذ نكبة 1948. وفي الشتات الفلسطيني، تنتقل المفاتيح من جيل إلى آخر، ليس كاستعارة شعرية؛ إنما كوثيقة تحمل مطلب العودة وترفض النسيان، بحقٍّ محفور في الذاكرة كما هو منقوشٌ على فولاذ.
يشهد الشعبان الأرمني والفلسطيني على تقاطع النضالات لا بالخطاب، بل بالدم والمنفى. لغتان مختلفتان، عقيدتان مختلفتان، وجغرافية متباعدة لكن العدو واحد، ومشروع المحو هو ذاته. كلاهما خضع للاجتثاث القسري، والعنف الاستيطاني، والاقتلاع من الأرض والتاريخ. وكلاهما زرع، رغم ذلك، جذوراً عصيّة على الاجتثاث، وأعاد تعريف الوجود بالمقاومة.
وما يجمعهما، على نحوٍ أشدّ عمقاً، هو ما وصفته ماشينكا فيرونتس هاكوبيان في دراستها «حين تعاود مشاهد الكارثة الظهور: عن التضامن الأرمني الفلسطيني»: «مقاومة ضد النسيان، إذ نواصل معاً الشهادة على مشاريع تسعى إلى تدمير العوالم التي صنعناها، ثم محوها من الذاكرة».
لدى أحفاد المجازر والاحتلالات معرفة لا تُدرّس، بل تُحمل في الجسد. إنّها القدرة على استشعار التكرار قبل وقوعه، ومعرفة الإبادة حين تكون في طور التشكّل، لا حين تكتمل. وهذه المعرفة، ليست تأملاً نظرياً، بل تكليف. من هذه المعرفة، يتشكّل صوتٌ لا يصمت، لا ينسى، ولا يقبل المحو ليرد على الصمت حين يسأل القاتل: ومن يتحدّث اليوم عن إبادة الأرمن؟
«إنني عدت من الموت لأحيا، لأغني
فدعيني أستعر صوتي من جرح توهَّج
وأعينيني على الحقد الذي يزرع في قلبي عوسجا
إنني مندوب جرح لا يساوم
علمتني ضربة الجلّاد أن أمشي على جرحي
وأمشي...
ثم أمشي...
وأُقاوم!» ـــــــ محمود درويش
* صحافية
