الكيانات الوظيفية وممارسة المقاومة

علينا عدم توهين الأثر السلبي الذي تنتجه المصطلحات على طبيعة نمط الممارسة السياسية التي نتبنّاها نحن أو يتبنّاها الآخرون. من أبرز شواهد ذلك هو مفهوم «الدولة»؛ فقد أدّى استخدام هذا المصطلح إلى الإشارة إلى الكيانات السياسية العربية، الناشئة بعد التقسيم، لا على أنها مجرّد لبوس لسلطة، بل كما لو أنها دولة بمفهومها الحديث والنظير للنموذج الأوروبي. حتى الجهات التي يفترض وجودها خارج حيّز الحكم، من النخب الثقافية إلى الفواعل السياسية الشعبية، وقعت ضحية وهم هذا اللفظ أيضاً. فأصبح المثقفون يعرّفون ويحاكمون «الدولة» العربية عبر بنى الفلسفة السياسية الغربية؛ من احتكار العنف إلى تحليل التشكيل الطبقي لها.
ولذلك، أيضاً، تمحورت الممارسة السياسية للجماعات المهمشة والطرفية لمركز هذه «الدولة»، سواء المهمشة طبقياً أو ريفياً أو هوياتياً، إلى ممارسة ترنو إلى حصة متساوية أو إلى استبدال الطرف المهيمن على مركز هذه «الدولة». يتجلّى ذلك في خطاب هذه الجماعات، والذي يحاول أن يعيّر المجموعة الحاكمة بأنها لا تمثّل المفهوم «الحقيقي» للدولة، من ناحية السيادة والأمن القومي أو المواطنة وغيرها من حزمة المفردات المرافقة للمفهوم الحديث لها. إذ يبثّون تصوّراً أنه ما إن تصل هذه المجموعات المعارضة إلى السلطة فهي من سيفعّل المكنون «الحقيقي» للدولة.
هنا تحديداً تبرز أهمية التنظير الفكري السياسي العربي الخاص والمستقل، وذلك عبر توليد مصطلحات تضرب المخيّلة السياسية لمصطلحات الهيمنة الثقافية الاستعمارية، أي التمظهر الثقافي لمشروع سايكس-بيكو، وفي مقدمتها «الدولة». كما يعبّر صديق متندراً: أن سكرانين، فرنسي وإنكليزي، قبل قرن من الزمن، رسما حدوداً وسمّوها دولاً، ونحن صدّقناهم. كان أحد أبرز المصطلحات التي ولّدها العرب لعكس فهمهم لوهم هذه الهيمنة مصطلحَي «القُطر» و«القُطرية». وهو مصطلح، وإن أنهكته كل من الحمولة الأيديولوجية والاستغلال لأنظمة «البعث»، إلا أنه لا يزال وحدة تحليلية ناجعة ومهمة، وتستخدم عربياً بشكل عابر للأيدلوجيات السياسية.
تبرز هنا أيضاً محاولات مهمّة، تشكّل اختراقاً مفاهيمياً ضرورياً، منها نحت هشام البستاني مفهوم «الكيانات الوظيفية»، في كتابه المعنون بالمصطلح ذاته، حيث يقدّم تشريحاً مهمّاً للبنية السياسية العربية ما بعد سايكس-بيكو. والأهم أنه يقدّم تنظيراً لمصطلح الكيانات الوظيفية كمفهوم سياسي خاص بالكيانات العربية، أو ما درج على الإشارة إليه بالدول الوطنية، مفصلاً في حدود ممارسة ما يسميه البستاني «المجموعات الحاكمة» للسياسة عبرها، وكذلك علاقتها البنيوية مع المصالح الخارجية، الغربية على وجه الخصوص.
يهدم البستاني أصل تطابق مفاهيم الفلسفة السياسية على نموذجنا التاريخي لـ«الدولة»، فمع الظرف الاستعماري وقوته القاهرة وقواعده العسكرية، تنسف أصل فكرة أن هذه الكيانات محتكرة للعنف، بل إن العنف محتكَرٌ من قبل القوى الغربية وجيوشها في سمائنا وبحرنا وأرضنا. ولذلك، «الدولة» كمفهوم، مسَلّمة مغلوطة، ينطلق منها عدد من المثقفين العرب في الحديث عن الديموقراطية والاقتصاد والعنف المشرعن بل وحتى المقاومة. يضاف إلى ذلك نحت أدهم صولي لمصطلح «الفضاءات الاجتماعية» كبديل عن كون الكيانات العربية دولاً، مقدِّماً شرحاً مستفيضاً ومفيداً لديناميكيات هذا الفضاء الداخلية، وخصوصية الصيرورة التاريخية العربية لتشكّله.
في مرحلتنا الحالية، أتت هزة «الطوفان»، لتعرّي الشرعية والخطاب وحدود الممارسة لهذه الكيانات، في محضر شلال من الدم العربي في فلسطين. وهو ما تلا عقدين من تفجّر فشل «الدولة الوطنية» العربية وأنظمتها، وغرقها في الحروب الأهلية. وعليه، تبرز من جديد، وبشكل أكثر ضرورة، مسألة أن أحد أهم مسارح الصراع مع الهيمنة الثقافية الاستعمارية، هو هدم مفردة «الدولة» في الوعي العربي. وإن كان ليس هدماً فوضوياً أناركياً، بل باستبدال مفاهيمي في كونها كيانات وظيفية، لا دولاً. وباستبدال استشرافي آخر، لبناء جديد لمفهوم الدولة بشكله العربي الخاص، العابر لهذه الحدود والراسم لخريطته بيده ومسطرته.
يجسّد الشرع هنا حالة نموذجية تاريخية للانتقال من خارج مجموعة الحكم إلى السيطرة على الحكم لا كعملية ثورية بل عبر تسويق التحسين لشروط العمل الوظيفي للكيان
هذا ما يحيلنا هنا إلى مفهوم علمي للثورة عربياً، والمقصود بالمفهوم هنا، لا حمولته الأيديولوجية والسياسية؛ فمن الممكن لأي فاعل سياسي من أي انتماء أيديولوجي هنا أن يشذّ أو ينطبق عليه المفهوم. فهو يتعلّق بنمط الممارسة السياسية، لا برموزها وانتمائها الأيديولوجي. فالثورة، أي التغيير عربياً، هي عملية إعادة رسم الخريطة السياسية العربية وإنتاج الدولة العربية وأسطورتها المتخيلة وما يطلق عليه عبدالله العروبي بـ«أدلوجتها» بشكل يمثّل قطيعة مع صيرورة إنتاج «الدول» العربية خلال المئة عام الماضية. وذلك في نقض لشكلها ووظيفتها المرتبطة بالعلاقة مع أميركا وأوروبا وإسرائيل. من هذا المنطلق، لا يكون التنافس البيني والداخلي على «الدولة» بشكلها الحالي تمثيلاً لعملية ثورية، بل تناوباً للديناميكيات ذاتها، الداخلية في المجتمع والخارجية مع القوى الدولية، ومجرّد استبدال لهوية المجموعات الحاكمة، وأدوات شرعنتها لذاتها.
تسهم القضية الفلسطينية والمقاومة هنا في فهم هذه الديناميكية وثوريتها وعدم ثوريتها. إنّ هذه الكيانات الوظيفية، وبحكم طبيعتها، غير قادرة -وبغض النظر عن الإرادة- على مقاومة إسرائيل. فهي، في أصل قيامها، مصممة للعب دور وظيفي، من كل النواحي، سواء نظمها السياسية أو انقسام جماعاتها الداخلية، أو استلاب مجموعتها الحاكمة وارتهانها. وعليه، تكون عملية مقاومة الصهيونية ومشروعها، وبالضرورة، عملية تمرّد على «الدولة» العربية ككل، في شكلها ومفهومها. فلا يمكن منطقياً ممارسة سياسة استقلالية تحررية من، وعبر، قالب وظيفي، ومنتج تاريخي نقيض لمفهوم التحرّر ذاته.
وعليه، يتحوّل سؤال التحرّر وممارسة المقاومة إلى سؤال ماهية نمط الممارسة السياسية للفواعل المهمشة والهامشية ومن خارج المركز التقليدي للحكم؟ وكيف نمنع تسييسها وتبنيها لهوياتها الإثنية والمذهبية والقُطرية؟ وهنا تأتي أنماط عدة، يمثّل أحمد الشرع/الجولاني شاهداً تاريخياً مهماً فيها، فقد فهم الرجل، ومن سنوات، طبيعة الشروط التاريخية للكيان الوظيفي العربي، وأن ما عليه القيام به ليكون فاعلاً سياسياً يعاد تأهيله، في رحلة من الانتماء إلى أقصى التيارات الإسلامية العنيفة، من مجالس «داعش» إلى مقاعد بروكسل ونيويورك، هو احتراف تجسيد الموظف عربياً وإقليمياً ودولياً، من الالتزام بحدود شكل الكيان الوظيفي السوري وهويته الانعزالية وتأمين حيزه الداخلي من أي فواعل سياسية عابرة للحدود.
يجسّد الشرع هنا حالة نموذجية تاريخية للانتقال من خارج مجموعة الحكم إلى السيطرة على الحكم، لا كعملية ثورية، بل عبر تسويق التحسين لشروط العمل الوظيفي للكيان، مستخدماً وبشكل واعٍ التطبيع وموادعة إسرائيل كأهم أوراق وشواهد الموظّف المجدّ.
أحد الأنماط الأخرى، للممارسة السياسة للفواعل خارج مجموعة الحكم التقليدية، تقع حبيسة حيز ما بين الثوري واللاثوري، وهو حيز تشغله الجماعات المهمشة التي لا تملك القدرة على استبدال المجموعة الحاكمة، سواء لسقف تركيبتها السياسية أو الهوياتية. وعليه، يكون خطابها السياسي حبيس تنابز سياسي، في دائرة مفرغة، حول التصور الأمثل لـ«الدولة»، والتعامل مع العدوانية الصهيونية والأميركية.
يمثّل لبنان حالة نموذجية لهذه الممارسة، حيث إن توزّع القوى بين مختلف الجماعات السياسية بنسبه المختلفة، ينتج فضاء اجتماعياً حقله الهوية اللبنانية، حقل لا دولة فيه ولكن تهمين عليه نقاشات الدولة. إلا أن معضلة هذا النمط، وكونه عقيماً، أنه يرزح تحت تبنّي خطابية وتنافسية حول تقديم المقاومة كسبيل لحماية «الأمن القومي»، كما لو أنه في الإمكان تحويل الكيان الوظيفي وهويته إلى «الدولة المقاومة»، في مغالطة مفاهيمية قبل أن تكون مسألة هزلية. والمسألة الأساسية هنا هي جدّية هذه النظرة، لا كونها -كما كان قد يبرّر لها- مناورة سياسية في إستراتيجية ثورية عابرة للحدود.
مجدّداً، علينا، ولو كنا متأخرين، حسم الاستيعاب لحقيقة أن شرط أمن أي كيان وظيفي عربي، وبحكم المسار التاريخي لنشأة الكيانات العربية وكيان العدو، هي في التطبيع. إنّ التطبيع هو السبيل الوحيد لحماية الكيان الوظيفي، أي حماية مجموعته الحاكمة التابعة للأوروبيين والأميركيين، من طبقات كامب ديفيد ووادي عربة والأمراء الإبراهيميين. أمّا المقاومة، فلا تحمي كياناً وظيفياً، إنما المقاومة العربية، بشرطها التاريخي، تهدم الكيان الوظيفي، فلا تحافظ المقاومة على سوريا سوريا ولا الأردن أردناً ولا مصر مصراً ولا فلسطين فلسطيناً، وهنا أحد أسس تكالب حكام هذه العقارات على المقاومة لتهديدها للكيانية. إنّ ما تحميه المقاومة هو الطبقة العربية المستضعفة، كوحدة اجتماعية واحدة عابرة للحدود، والتي يرتقي منها شهداء يومياً من الشام حتى اليمن.
من هنا يكون أحد أهم الأسئلة النظرية التاريخية لمشروع المقاومة العربية تقديم البديل. إنّ تقديم هذا البديل، أي الشكل الوحدوي للخريطة العربية وشكل نظامها السياسي والاقتصادي السليمين، ونفي «دولتيّة» هذه الكيانات، هو أحد مقدمات منع تكرار ممارسة الأطراف المهمشة عن مركز «الدولة» للسياسية ضمن حيز كياناتها الوظيفية، إلى ممارسة عربية عابرة للحدود، تمثّل الثورة اليمنية وممارستها العسكرية والسياسية والإعلامية حالتها الأدنى للنموذجية.
نحن في أشد الحاجة اليوم إلى استيعاب أنماط ممارساتنا السياسية وحدودها وآفاقها. إلا إن أردنا استمرار التراشق البالي في محضر الإبادة، والتخلّي عن أهم ما دعانا إليه «الطوفان»، ولأوّل مرّة منذ عقود، وهو ممارسة السياسة، ممارسة العنف، بلا حدود وتحت سماء عربية واحدة. وإن كان هناك من يبحث عن بناء الدولة الحقيقية التي تحتكر العنف... فهي هناك.
* كاتب عربي
