حزب العمّال الكردستاني ونهاية الكفاح المسلّح: تشريح مرحلة


يُعدّ حزب العمال الكردستاني (PKK) أحد أبرز الفاعلين السياسيين والميدانيين الذين طبعوا الحياة السياسية التركية خلال الخمسين عامًا الأخيرة. لقد أصبح هذا الحزب، الذي يُعرف ببنيته القتالية المتشدّدة، ليس فقط رقماً صعباً في السياسة الداخلية التركية، بل أسهم في توجيه خيارات النخب السياسية التركية، خصوصاً في ملفات السياسة الخارجية. فمنذ تأسيسه عام 1978، لم يقتصر تأثيره على الداخل التركي، بل امتد ليشمل مناطق حساسة من الشرق الأوسط، لا سيّما لبنان والعراق وسوريا، حيث لعب أدواراً مؤثرة كفاعل سياسي وعسكري.
وعند مراجعة المسار التاريخي للحزب منذ ظهوره حتى اليوم، يظهر بوضوح أنّ الأسس الفكرية والأيديولوجية التي قام عليها قد خضعت لتحوّلات جذرية. فالأفكار التي كانت تطبع مساره في بداياته لم تعد هي نفسها التي توجهه اليوم.
التأسيس والجذور الأيديولوجية الأولى (1978–1984)
تأسس حزب العمال الكردستاني يوم 27 تشرين الثاني 1978 بقيادة عبد الله أوجلان، متبنياً أيديولوجيا ماركسية لينينية، واضعاً نصب عينيه هدف إقامة دولة كردية مستقلة. خلال هذه المرحلة، كانت النواة الأساسية للحزب المعروفة باسم «الأبوجية» تنشط عبر خطاب تعبوي وعمليات عنف ضد البنى الإقطاعية والعشائر المتحالفة مع الدولة. وقد تأثر الحزب كثيراً بحركات اليسار التركي في السبعينيات، واضعاً القضية الكردية ضمن إطار نضال اشتراكي.
في عام 1980، دفعت الظروف القمعية، التي أعقبت انقلاب الجيش، الحزبَ إلى الانكفاء نحو الأرياف والتهيؤ للكفاح المسلح، مستفيداً من معسكرات التدريب في سوريا والعراق. أمّا في لبنان، فقد تركت مواجهة الحزب مع الجيش الإسرائيلي في قلعة أرنون عام 1982 أثراً عميقاً على بنيته الفكرية والتنظيمية. ففي تلك المواجهة، مات 11 مقاتلاً من الحزب أثناء القتال إلى جانب المقاومة الفلسطينية، واعتُبروا رموزاً من قِبل الفلسطينيين. وقد كان لهذه المعركة، التي أدّت إلى اعتقال عدد من مقاتلي الحزب واستجوابهم لاحقاً من قِبل استخبارات إسرائيلية وتركية، أثر طويل الأمد في مسار الحزب، إذ عاد بعض أولئك المقاتلين لاحقاً إلى العراق، وأصبحوا من القيادات المحورية في الكفاح المسلح. وقد وصف القيادي البارز في الحزب دوران قلقان تلك المعركة لاحقاً بأنها مفصلية في بناء الروح القتالية والمؤسسية للحزب، مستلهماً من تجربة المقاومة الفلسطينية واللبنانية.
مرحلة الكفاح المسلّح والتمدّد الريفي-المدني (1984–1999)
مع هجومي شمدينلي وإروه في جنوب شرق تركيا عام 1984، دخل الحزب مرحلة الكفاح المسلح العلني، مستنداً إلى تكتيكات حرب العصابات ضد القوات التركية. كما وسّع نشاطه ليشمل المدن عبر الاحتجاجات والدعاية السياسية. في التسعينيات، استفاد من فراغ السلطة في شمال العراق لتوسيع قواعده ومعسكراته.
مع النجاحات الانتخابية لحزب HDP، ومكاسب YPG في سوريا، تعزّزت فكرة أنه يمكن تحقيق أهداف قومية بوسائل غير عسكرية
ورغم ذلك، بدأت الانتقادات الدولية تتزايد، خاصة بعد استهداف المدنيين، ما أدّى إلى تصنيفه كتنظيم إرهابي من قِبل عدد من الدول. وبخلاف عدد من الحركات الاشتراكية المسلحة، امتاز الحزب بمرونة تنظيمية. ففي عام 1993، أعلن عبدالله أوجلان خلال مؤتمر صحافي مع جلال طالباني في السليمانية رغبته في وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات مع الدولة التركية، إلا أن دعوته لم تلقَ صدىً فعلياً لدى صانعي القرار التركي. ورغم أن الرئيس التركي آنذاك، تورغوت أوزال، أبدى انفتاحاً على فكرة التفاوض، فإن وفاته المفاجئة أنهت تلك المبادرة. وقد أعلن الحزب في 20 آذار 1993 وقفاً لإطلاق النار، إلا أن غياب إرادة سياسية لدى الطرفين جعل من تلك الهدنة خطوة غير مستدامة.
اعتقال أوجلان والتحوّل الفكري (1999–2010)
خلقت عملية اعتقال أوجلان في كينيا عام 1999 زلزالاً داخل الحزب. إذ دفع هذا التطور القيادة إلى مراجعة المشروع الفكري والتنظيمي، وتبنّي مقاربة جديدة تُعرف بـ«الكونفدرالية الديموقراطية». وقد مثّلت هذه المقاربة خروجاً عن حلم الدولة الكردية، مقابل التركيز على الحكم الذاتي المحلي والتعددية الثقافية والديموقراطية المباشرة.
عزّز الحزب من حضوره في الشتات الكردي بأوروبا، وأصبح أكثر حضوراً في ساحة العمل المدني، كما تعزّز جناحه السياسي ممثلاً في حزب الشعوب الديموقراطي (HDP). وسعى عبر هذه الإستراتيجية إلى تلميع صورته الدولية بعد سنوات من العنف ضد المدنيين.
تحوّلات إقليمية كبرى: الحرب الأهلية السورية (2010–2015)
مثّل اندلاع الثورة السورية نقطة تحوّل إستراتيجية للحزب، إذ استفاد جناحه السوري، المتمثل في حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) وذراعه العسكرية «وحدات حماية الشعب» (YPG)، من الفوضى في سوريا ليبني واقعاً سياسياً جديداً في شمال البلاد. وقد وجدت هذه القوات دعماً مباشراً من الولايات المتحدة في محاربتها لتنظيم «الدولة» (داعش)، ما رفع من أسهم الحزب دولياً، على الأقل في نظر الرأي العام الغربي.
وفي المقابل، حاول الحزب داخل تركيا استنساخ تجربة «روج آفا» عبر إعلان «الإدارة الذاتية» وحفر الخنادق داخل المدن في ما عُرف بـ«حرب الخنادق» عام 2015. إلا أن هذه المحاولة قُوبلت بردّ عسكري حازم من الدولة التركية، وانتهت بخسائر فادحة للحزب وتراجع ملموس في مستوى الدعم الشعبي له في المناطق الكردية.
لماذا قرّر الحزب التخلّي عن السلاح؟
بعد عام 1999، بدأ الحزب يعيد النظر في مشروعه المسلّح، مدفوعاً بتغيّرات عالمية وإقليمية. فقد تزامن انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع الحركات اليسارية عالمياً مع فقدان الحزب للغطاء الأيديولوجي والدعم السياسي والمالي. لكن الحزب، بخلاف كثير من التنظيمات اليسارية، لم يتفكك؛ إذ استفاد من دعمه الشعبي العرقي الكردي ومن شبكة واسعة في المهجر.
في المقابل، صعّدت الدولة التركية من حملاتها الأمنية والعسكرية، خاصة عبر إستراتيجية «الدولة العميقة» والتحالف مع قوى غير نظامية مثل «حزب الله تركيا»، ما ألحق بالحزب خسائر فادحة وأجبره على التراجع إلى خارج الحدود.
ومع مطلع الألفية، بدأ الحزب يوازن بين العمل المسلّح والتحرّك المدني والديبلوماسي، فأنشأ هياكل شبه تشريعية، ونظّم صفوفه وسط المدنيين الأكراد. وقد شكّلت الجاليات الكردية في أوروبا مصدراً مالياً حيوياً للحزب.
مع فشل تجربة حرب الخنادق، وخسارة قواعده الشعبية، بدا واضحاً داخل الحزب أنّ المسار المسلّح قد بلغ مداه. وقد تزايدت داخل الحزب الأصوات الداعية إلى إعلاء الخيار السياسي والديبلوماسي. ومع النجاحات الانتخابية لحزب HDP، ومكاسب YPG في سوريا، تعزّزت فكرة أنه يمكن تحقيق أهداف قومية بوسائل غير عسكرية.
وفي ظل مناخ سياسي جديد، استجاب الحزب سريعاً لمواقف غير متوقعة مثل التصريحات الراديكالية لزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي الداعية إلى إنهاء الصراع، ما شكّل ما يشبه التفاهم الضمني بين أوجلان والدولة.
وهكذا، ومع حلول عام 2025، أعلن الحزب رسمياً وقف الكفاح المسلّح وحلّ هيكله التنظيمي، منهياً بذلك واحدة من أطول مراحل التمرّد المسلّح في المنطقة.
رغم أن قرار الحزب بإنهاء الكفاح المسلّح يُعدّ تحوّلاً تاريخياً، فإنّ كثيرين يرون أن الطريق نحو السلام الدائم لا يزال محفوفاً بالغموض. فما تزال خفايا التفاهمات بين الحزب والدولة غير واضحة، والشكوك بشأن إمكانية التراجع قائمة. ومع ذلك، إنّ عدداً من الناس المقرّبين من الحزب يعتبرون أن ما اتُخذ هو قرار نهائي لا رجعة فيه، وقد يكون بمنزلة بداية صفحة جديدة في تاريخ تركيا السياسي ومسار القضية الكردية.
* كاتب تركي
