عن «الربيع» الوحيد الذي تقبله أميركا

هذا مقال تأجّل كثيراً، وكان في الإمكان ألا يكتب. عندما رأيت أن إسرائيل التهمت الجنوب السوري بعد سقوط النظام وأن أميركا عزمت على الإبقاء على العقوبات على سوريا إلى أجل غير معلوم، حينها ظننت بالفعل أن كل «الربيعات» متساوية لدى هؤلاء، وأنه ليس هناك ربيع «محمود» وربيع «مأثوم»، وأنهم لا يفرقون البتة بين الانتفاضات في دول الممانعة وتلك في دول الاعتدال.
يستحق الشعب السوري رفع العقوبات، وإنقاذ البلد من التقسيم، بغض النظر عن تسييس ذلك لمصلحة نظام جديد تنفس الصعداء، بعد أن كان مصيره مجهولاً تحت العقوبات. وبغض النظر عن المناكفات الطائفية التي تعتبر رفع العقوبات كانتصار لـ«الأمويين»، والسرديات الإخوانية التي تتحدّث وكأن النظام السابق «المجرم» هو الذي -سبحان الله- أعلن العقوبات على نفسه.
ما يهمّنا هو العسر في تسويق رفع العقوبات كانتصار جديد لـ«الربيع العربي». مع أن ترامب قال إن إردوغان تحدّث معه بشأن رفع العقوبات، إلا أنه ليس هناك رغبة شعبية ولا رغبة رسمية في سوريا إلا في شكر «مملكة الخير». قبل بضعة أشهر، كنّا نشهد على فك ارتباط سوريا عن مشروع الممانعة، واليوم ننظر إلى فك ارتباط سوريا عن مشروع «الربيع العربي». ليس الأمر أنه لن يكون هناك «ربيع» في سوريا، أو دور قَطري أو تركي أو حتى إخواني. الجديد هنا أن «الربيع» الذي ستقبله أميركا والسعودية هناك سيقوم على نظرية «الربيع بالبلد الواحد» (على نسق «الاشتراكية بالبلد الواحد» الذي سبق انحراف ثورة أكتوبر 1917 إلى الستالينية).
يعزى نجاح هذا «الربيع» السوري الجديد لشخص أحمد الشرع. يقول عامر محسن إن أحد أسباب فشل «الربيع العربي» هو أن كل ناشط ربيعي «يعيش في عالمه الخاصّ: الإسلامي المتديّن، القومي، العلماني، من يؤمن بهوية وطنية في قطره، الخ. لكلّ تصوّره وعالمه ورموزه وخريطته، وهي كثيراً ما تتعارض مع الآخر لو وضعت على محكّ الاختبار».
أحمد الشرع يجمع بين معظم العناصر المذكورة أعلاه: هو إسلامي متدين، قريب من العلمانيين العرب المنهمكين بممارسة السنّية السياسية بنسختها ما بعد الدينية الإثنو-قومية، وهو الأهم من كل ذلك: يؤمن بهوية وطنية في قطره. العنصر الوحيد غير الموجود لدى الشرع هو أنه ليس قومياً. لكن هذا لا يهم لأنه عروبي في مواجهة العدوّ المشترك لعرب الاعتدال: إيران.
يوم سقوط النظام السابق، ظهر الناشط المصري عبدالله الشريف وهو يكبّر تكبيرات العيد ويبكي ويقول «هذا أبعد الشعوب عن الحرّية». هل كان السوريون بالفعل أبعد الشعوب العربية عن تغيير نظامها؟ هذا غير صحيح. بالعقد الأول من الألفية، حدث بمحاذاتك مشروع «نزع-بعثيّة» شيعي بالعراق، والمسار الطبيعي لتاريخ المنطقة سيؤدّي إلى مشروع «نزع-بعثيّة» سنّي في بلدك. ردّ فعل النظام السابق وحلفائه وخصومه جعل الأكلاف الإنسانية للثورة باهظة، ولكنك بالنهاية انتصرت بعد سنوات من الدعم التركي والخليجي والأوروبي والأميركي، والأهم من كل ذلك أن خصومك كانوا في حالة حرب دائمة منهكة مع أميركا وإسرائيل بعكس حلفائك وذلك حتى الحرب الأخيرة بعد «الطوفان».
أفرط الربيعيون العرب في معاداة السلطوية المحلية ففرّطوا في معاداة الإمبريالية (على نحو معكوس لتخلّي اليساريين الممانعين عن معاداة السلطوية باسم معاداة الإمبريالية)
لو كُنت سورياً، لاستفدت من مشروع «الربيع في البلد الواحد» لأبعد الحدود، وأتمنى بالفعل الازدهار للشعب السوري. نقدي الأساسي موجه إلى الربيعيين الإسلاميين والقوميين والمعادين للإمبريالية. إذا كنتم قد اقتنعتم خلال مدة استمرار العقوبات الأميركية على سوريا، أن أحمد الشرع هو «محمد مرسي» جديد، وأن هنالك مؤامرة عظمى لإسقاطه، فهذا لأنكم «مساكين» كما كان مرسي.
المراجعة الصحيحة تبدأ من التشكيك بمقولة إن «حرية العرب والمسلمين تبدأ من سوريا». هذا لا ينطبق فقط على السياسة السورية. علينا التشكيك بالمقولات الفضفاضة، حتى بمقولة حرية العرب أو حرية العالم تبدأ من حرية الفلسطينيين (لا العكس). لدي صديق كردي بالولايات المتحدة ينتقد حركة المظاهرات الغربية من أجل فلسطين بأنها حركة أممية تدعم قضية وطنية، وهذه هي ذات مشكلة الربيعيين مع سوريا.
بالواقع، مقولة إنّ حرّيتنا جميعاً تمرّ من سوريا أو فلسطين (وما ينبثق عنها من مقولات لا معنى لها مثل «هناك الكثير لنتعلّمه من الطفل الفلسطيني أو السوري») لها اقتصادها السياسي وتاريخ صلاحية والسياق المناسب وغير المناسب للاستخدام في منطقتنا. إذا كنت تريد الذهاب إلى قطر، فبالطبع ستردّد هذه العبارات، أمّا إذا كنت ستزور السعودية، فستقول إنّ «أمن المنطقة واستقرارها يبدآن من فلسطين أو سوريا».
لذا، على الربيعيين التخلّي أيضاً عن فكرة أنّ تدخّل حلفاء النظام ضد الثورة السورية، كان ثورة مضادّة على كل «الربيع العربي» من المحيط إلى الخليج. مثال على هذا الهراء هو ظهور أحمد الهواس أخيراً على برنامج الإعلامي المصري محمد ناصر لنشر دعايات أنّ حزب الله كان إحدى القوى وراء الانقلاب على محمد مرسي، وذلك في محاولة للحفاظ على صورة «مركزية» للثورة السورية بالنسبة إلى المصريين.
نحن المشرقيّون -وسياستنا الهامشية ومناكفاتنا الداخلية- لسنا مركزيين بالنسبة إلى مصر، ولكن هي بالمقابل مركزية بالنسبة إلينا ولها دور قيادي طبيعي بيننا، كما كان يقول حسن نافعة. هذا ما يفسّر رغبة عرب الاعتدال بالثورة في سوريا مقابل رفضهم القاطع للثورة في مصر، والتي لن تكون قابلة للاحتواء على المستوى المحلّي بل حتماً ستتحوّل ثورةً اجتماعية إقليمية.
أفرط الربيعيون العرب في معاداة السلطوية المحلية ففرّطوا في معاداة الإمبريالية (على نحو معكوس لتخلّي اليساريين الممانعين عن معاداة السلطوية باسم معاداة الإمبريالية). في هذا السياق، لم يكن المخذل خلال خمسة عشر عاماً من «الحيز الربيعي» ثقافة الإلغاء ورفض النقد والاتهامات بالتخلي عن «الجذرية الثورية» لأنك لم تستظهر قدراً من الامتثال الطائفي، ولأنك رفضت اعتبار جبهات إسناد غزة «مسرحيات إيرانية»، المخذل حقاً هو أن كل تلك «الأممية الثورية» لم تفضِ إلا إلى نتيجة واحدة انعزالية وغير ثورية البتة: النسخة «السنّية» من نوري المالكي.
* كاتب فلسطيني
