كلما ارتفع الصوت لوقف انتهاك السعودية لحقوق الإنسان في الداخل، أسهبت سلطات آل سعود في تطبيق شريعة «ولي الأمر»، دماغ سلطوي لا يفرز من هذا «الإستياء العالمي» إلاّ مزيداً من الإصرار على القتل باسم شريعة الإسلام، على أنها «مملكة الدين». إصرارٌ كهذا، لا ينبع إلاّ من نقص في بقعة لا مكان فيها للإعتدال، يترعرع في حضن مؤسساتها القضائية «دعاة التطرف» الذين يحكمون وفق «قانون مكافحة الإرهاب» بالسيف، على رقاب دعاة الإصلاح والإعتدال كباراً وصغاراً. مفارقةٌ، لن تجدها إلاّ في «مملكة الصمت».


صدى قضية الفتى علي النمر، سطع في عواصم العالم وأركان الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان. جعلته قضيته، «الأيقونة» التي يُذكّر من خلالها النشطاء أخيراً بمعتقلي الرأي وانعدام حقوق الإنسان في مملكة آل سعود. لم تبق منظمة حقوقية دولية في العالم، إضافة إلى مفوضية الأمم المتحدة، ومنظمات أخرى، ودول، إلاّ دعت لوقف تنفيذ حكم الإعدام في حق النمر دون جدوى، ولا عجب من أن تدير «مملكة الصمت» الأذن الصمّاء لحلفائها، لأن «حقوق الإنسان» لعق على ألسنة هذه الدول لا أكثر، بعضهم يصفق للقتل «باسم القانون» في «كواليس» مجلس حقوق الإنسان كبريطانيا، وبعضهم مشكلتهم ليست «الحكم السياسي» كفرنسا، ودول أخرى تخشى «المجازفة» لا أكثر، كالولايات المتحدة.
سلطات آل سعود، لم تتأخّر في الرد على كل هؤلاء المستنكرين، فبعد أقل من شهر على موافقة المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف الجزائية المتخصصة في الرياض، على حكم الإعدام بحق علي النمر، أيّدت محكمة سعوديّة أول من أمس، حكم الإعدام بحق إثنين من رفاقه، الشابّين داوود حسين المرهون، وعبد الله حسن الزاهر، الذين اعتقلا أيضاً خلال ذروة الإحتجاجات حينما كانا في سن السابعة عشرة دون أمر قضائي في أيار 2012. إجابة سعودية واضحة، قبل أيام قليلة من اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الاعدام (10تشرين أول)، بأن المملكة مستمرة في المجازفة في إطلاق أحكام الإعدام السياسية على النشطاء ولو كانوا أطفالا قُصَّرا، وأن يد الوهابية حاضرةٌ لفصل الرؤوس، دون النظر إلى جميع الاتفاقيات الدولية التي وقعتها وكذلك مواد نظام حكمها الأساسي.
علي وداوود وعبدالله، «أطفال» وفقاً لاتفاقية «حقوق الطفل»، التي تتضمن حظراً مطلقاً لعقوبة الإعدام لأي مخالفة ارتكبت تحت سن 18. مخالفة، تضيف إلى سجل السعودية الحقوقي علامة قلّ نظيرها في دول العالم المنتهكة لحقوق الإنسان، هذا إضافة إلى تعرّضهم طوال فترة استجوابهم واحتجازهم للعنف والمعاملة القاسية، بحسب رسالة وجهتها 6 منظمات دولية إلى وزير العدل ـ رئيس المجلس الأعلى للقضاء ـ وليد الصمعاني في 11 تموز الماضي، كشفت عن تعرض علي النمر للضرب الوحشي في دار للأحداث في الدمام، وأجبر على توقيع اعترافات لم يستطع فهمها، وفقاً لتقارير تسلمتها المنظمات الست، أمّا داوود، فقد تعرض لصعق بالصدمات الكهربائية إضافة إلى الضرب، أثناء احتجازه.
مؤشر خطير، يعرّض معتقلين آخرين صدرت بحقهم أحكام إعدام ابتدائية، لتأييد محكمة التمييز. حكم الملك سلمان يصر على إحياء تركة الملك الراحل من الأحكام الصادرة المتوقفة على تأييد المحكمة العليا لتنفيذها، فقد صدرت أيام عبدالله، أحكام إعدام على تسعة مواطنين ضمن المحاكمات التي أقيمت لمعتقلي احتجاجات المنطقة الشرقية ـ من بينهم علي وداوود وعبدالله ـ في تهم لا تتناسب مع أعمارهم حينها، كتكوين مجموعات إرهابية، و«تصنيع» واستخدام المولوتوف، وحرق سيارات، وإتلاف ممتلكات تجارية، بحسب بيانات وزارة الداخلية.
«معاملة علي النمر؛ على طاولة الملك سلمان»، هذا ما خرج به عمه، الناشط جعفر النمر، من وزارة الداخلية السعودية أول من أمس، «قضاء وهّابي» و«قدر سعودي» جعل رؤوس شباب في مقتبل العمر رهينة «جرّة القلم»، ملف التنفيذ في يد الملك الذي أمضى على إعدام أكثر من 135 شخصاً منذ بداية العام، العدد الأكبر منها إعدام تعزيري عائد إلى اجتهاد القاضي، كما هي حالة الأطفال الثلاثة، وليس حدّاً أو قصاصاً.
المدعي العام السعودي طالب، إضافة إلى المعتقلين التسعة، بتنفيد حدّ الحرابة على 14 شاباً وقتل 2 تعزيزاً وصلب 2 آخرين، بتهم لا تختلف كثيراً عن ما سبقهم، فيما يبدو القضاء السعودي، الخاضع لسلطة محمد بن نايف، متعطّشاً للأحكام القتل ضد النشطاء، وخاصة أن من بين هؤلاء، إثنين من المطلوبين على قائمة الـ23 الأمنية الصادرة عام 2012، فالقضاء الذي أصدر أحكام الإعدام على أطفال، لن يتورع عن الحكم على هؤلاء الفتية.
ثمّة خطوات تصعيدية ضد النشطاء بدأت تطفو على السطح، دخول أكثر من 20 مدرعة العوامية يوم أمس بشكل همجي، وإغلاق منافذ البلدة كالمعتاد، ثم انسحابها بعد ساعتين مخلفة الأضرار في المنازل والسيارات، ينبئ بـ«ملل» محمد بن نايف، من البقاء متفرجاً على إبن عمه محمد بن سلمان كيف يعصف على المدنيين في اليمن، يبحث الرجل عن «بطولات» تعوّض انهيار «بنيانه» في مكة، يريد بن نايف أن يستعرض تماسك الوضع الداخلي مقابل بوادر الفشل في العدوان على اليمن.
تصعيدٌ ضد النشطاء والمعتقلين، يقابله تساهلٌ في الأحكام على «الدواعش»، ففي مقارنة صغيرة بين الأحكام الصادرة على المتهمين بالإرهاب والنشطاء، يتبيّن بما لا يدع مجالاً للشك، أن «قانون الإرهاب» مُفصّل للإنقضاض على النشاط الحقوقي فقط، بتهم تكفلت المحكمة الجزائية المتخصصة تعليبها وحياكتها. بريد السلطات إلى المواطنين، بات يعجّ بالرسائل الأمنية مع بدء استعداد «اللجان الأهلية» لإحياء ذكرى «عاشوراء»، وفحواها بأن للتمسك بالحقوق والحرية ثمنا باهضا في مملكة آل سعود، وأن صليل السيوف أقوى من أبواق حقوق الإنسان.