بقدر الأدوار التي لعبها، والمعارك التي خاضها، اكتسب جمال عبد الناصر شعبية هائلة وعداوات ضارية بالوقت نفسه. ذات مرة قال إنه إذا لم يهاجمه أعداؤه، فهناك شيء ما خطأ قد يكون ارتكبه. يصعب حصر محاولات الاغتيال التي تعرض لها والمؤامرات التي استهدفت تجربته حتى لا تستقر على أرض صلبة، أو تحلق في أفق بعيد. المؤامرات ثابتة في مئات الوثائق الغربية، غير أن ذلك لا يبرر الأخطاء التي ارتكبت، أو إنكار الثغرات التي أفضت إلى هزيمة يونيو.


لولا أن الشعب المصري خرج في حدث استثنائي يومي ٩ و١٠ يونيو يعرض المقاومة لإزالة آثار العدوان، ويتمسك بعبد الناصر قائداً لانهار كل شيء. بمدى أسابيع خاضت مصر حرب استنزاف طويلة كانت هي «بروفة» حرب أكتوبر ١٩٧٣. في ميادين القتال ولد جيل جديد، أجّل حياته بالكامل، وعندما عاد متصوراً أنه صانع النصر، وجد أن آخرين ممن أطلق عليهم وقتها «القطط السمان» سبقوه إلى حصد جوائزه كلها. تناقضت المشاهد بين تضحيات السلاح وخذلان السياسة وجرت ـ بعد رحيل عبد الناصر ووداعه الحزين الذي لا مثيل له في التاريخ الإنساني ـ أوسع عملية تشهير أخذت تتصاعد من يوم لآخر. لم تستثن تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، ولا تشييد آلاف المصانع والمدارس والوحدات الصحية، ولا حقوق العمال وقوانين الإصلاح الزراعي، ولا حقائق الصراع على العالم العربي والدور القيادي المصري فيه، ولا دورها الحاسم في تحرير إفريقيا وزعامة العالم الثالث. كل شيء استبيح بالكامل.
هناك من يقول إن ثورة يوليو انتهت في ٥ يونيو، وهذا كلام يعوزه المنطق ويناقضه مسار الأحداث بعده، فأفضل أيام عبد الناصر، هي حرب الاستنزاف والقتال من جديد بأجيال تلقت تعليمها المجاني والمتقدم في الجامعات المصرية، وقد سعى وقتها لردم الفجوة مع الأجيال الجديدة قائلاً: «عندما تتعارض الثورة مع شبابها فإن الثورة على خطأ». وهناك من يقول إنها انقضت برحيله، وهذا تصور قاصر بدوره، فالثورات لا تنتهي برحيل قادتها، بل لأخطاء فادحة في بنيتها، أو استنفاد طاقتها التاريخية على التأثير والفعل.
وهناك من يقول إنها انتهت بأحداث ١٥ مايو ١٩٧١ وانفراد السادات بالسلطة. المؤكد أن الثورة استمرت حتى يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣، فالجيش الذي حارب هو جيش عبد الناصر بتدريباته وخططه وقادته الميدانيين، وكانت هذه آخر معارك يوليو.
وهناك من يقول إن القطيعة الكبرى مع يوليو كرسها قانون الانفتاح الاقتصادي في عام ١٩٧٤. كان الانقلاب عميقاً واستدعى ردة فعل بالعمق ذاته.
خرجت تظاهرات عمالية من مصانع الحديد والصلب في حلوان، والغزل والنسيج في المحلة وكفر الدوار، هتفت ضد السادات ورفعت صور رئيس آخر كان قد رحل منذ خمس سنوات. لم يكن الهتاف مع رئيس ضد آخر، بل مع سياسة ضد أخرى.
كان كل منهما يتبع سياسة مختلفة ويعبّر عن قوى اجتماعية متناقضة. في يناير عام ١٩٧٧ تصاعدت الاحتجاجات ضد السياسات الاجتماعية الجديدة إلى انتفاضة شعبية كادت تطيح السادات. في العام نفسه زار القدس، وبدا أن ذلك هروب للأمام، ودخلت مصر في قطيعة نهائية مع ثورة يوليو بالسلام مع إسرائيل والتخلي عن دورها العربي، وخاض إعلامها الرسمي وصلات سبّ وشتم فيه ومغامراته التي «خربت مصر». التوجهات تناقضت في قضيتي الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية. الانقلاب كان فادحاً في الأولى ومدمراً في الثانية. بمضي الوقت واستطراد السياسات من السادات إلى مبارك وتحول الأخير إلى جمود في الفكر والخيال مع انسحاق أكبر أمام ما تريده السياسات الأميركية في المنطقة، تحولت مصر إلى عزبة تملكها أسرة الرئيس وتسعى إلى توريثها. أكثر ما يهدد المستقبل الوطني تلك المعالجات التي تخلط بين ما لا يختلط، بين يوليو والانقلاب عليها، بين عبد الناصر والسادات ومبارك ومن بعدهم كأنهم مرحلة واحدة! هكذا شاعت دعاوى الخمسين سنة قبل ثورة «يناير» ودعاوى الستين سنة بعدها.
مطلع القرن الحالي راج كلام أسند الركود السياسي، الذي اعترى نظام «مبارك»، إلى يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وعبد الناصر بالذات باعتباره مؤسس الجمهورية، وبالتالي فهو مسؤول عن كل ما جرى ويجري في النظم التي توالت بعده، رغم أنه كان قد رحل قبل عقود طويلة وجرى الانقلاب على إرثه الوطني والاجتماعي.
بعض الكلام انطوى على تعميم عشوائي دمج بين نظم وعصور متناقضة وأغلبه استهدف التشهير بالتاريخ لإغلاق صفحة عبد الناصر وما تمثله من قيم أهدرت وأحلام أجهضت.
بعبارة بليغة لشاعر العامية المتمرد أحمد فؤاد نجم فإننا «نعاتب عبد الناصر فيما لا نعاتب فيه غيره» باعتقاد أنه كان مرشحاً لتغيير أوسع وأعمق بفوائض الشعبية الاستثنائية التي حازها، وأن الفرصة التي فاتت يصعب تعويضها.
هذا عتاب على عبد الناصر في محله بقدر كبر الأمل فيه ـ إذا كان العتاب يجدي.
شيء من ذلك العتاب سجله بطريقة أخرى الدكتور سعيد أبو الريش، الأميركي من أصل فلسطيني، في كتابه «آخر العرب» زاوج فيه بين حدة الانتقاد لتجربته وعمق الإعجاب بنموذجه، فهو «الشخصية العربية الأهم منذ صلاح الدين الأيوبي».
من زاوية موضوعية، فإن انتقاد عبد الناصر وثورته وتجربته السياسية مشروع تماماً، لأن الثورات والتجارب الكبرى من مواريث الأمم، ومن حقها فحصها وإعادة النظر في دروسها من مرحلة لأخرى، غير أن الجهل بالتاريخ والتجهيل به شيء آخر تماماً.
باليقين ـ كما يحدث دائماً في التجارب الإنسانية والسياسية الكبرى ـ كانت هناك أخطاء وسلبيات، غير أن ذلك لا يبرر أن ننسب جموداً وركوداً لمرحلة عاصفة، ثورة حقيقية غيرت وجه التاريخ في مصر والمنطقة والعالم الثالث قادت وألهمت حركات التحرر في آسيا وإفريقيا، ما دعا الزعيم الأسطوري نيلسون مانديلا إلى وصف عبد الناصر بـ«زعيم زعماء إفريقيا» ـ زعيمه هو شخصياً.
بدواعي الموضوعية، رغم اختلاف التوجهات، لم يكن عصر السادات راكداً، فقد شهد انقلابات في السياسة وصدامات بالجامعات والشوارع وعانت مصر ما يشبه صداعاً في الرأس.
في بداية عهده، نجح خلفه مبارك في وضع كمادات ثلج فوق الرأس المحموم، لكنه مال بالوقت إلى جمود طويل لا صلة له بدعاوى الخمسين سنة ـ حسب التعبير الذي تردد في مطلع القرن، بينما أصحابه لم يكن لهم أي دور في الحراك السياسي، الذي أفضى إلى ثورة «يناير». بحيثيات جديدة أضيفت عشر سنوات إلى تلك الدعاوى، من بينها تحميله مسؤولية ما أطلق عليه «حكم العسكر».
تكفي الإشارة إلى القيمة الملهمة التي يمثلها عبد الناصر في أميركا اللاتينية، رغم أنها عانت بقسوة من الانقلابات العسكرية بالفساد الذي ارتبط بها والتبعية التي دمجتها بالمصالح الأميركية.
لم تنظر حركات التحرير في تلك القارة، كما في إفريقيا وآسيا، إلى رجل يوليو باعتباره مؤسساً لنظام عسكري، بل كقائد عظيم للتحرر الوطني والعدل الاجتماعي يناهض قوى الهيمنة الدولية، والشهادات لا حصر لها في ذاكرة التاريخ الذي يمثل تجهيل حقائقه مأساة كاملة. بحركة الزمن يمكن توقع إضافات جديدة تمنع التعرف إلى مناطق القوة والضعف وفرص التصحيح والإضافة، كأن يحمل عبد الناصر مسؤولية «السبعين سنة» ثم «الثمانين سنة»... وهكذا بلا نهاية من دون إدراك لمغبة ذلك على سلامة النظر إلى المستقبل.
* كاتب وصحافي مصري