بعد عودته من الزيارة التي أجراها للسعودية في أيار 2017، خاطب الرئيس الأميركي دونالد ترامب المواطنين الأميركيين بالقول: «إحضار مئات مليارات الدولارات من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة يعني وظائف، وظائف، وظائف». في الفترة التي كان فيها الرئيس منتشياً بالوظائف التي أمّنتها الصفقات مع الرياض، كان معدل البطالة في السعودية يقفز إلى 12.8 في المئة في الربع الثاني من عام 2017. بوصوله إلى هذا المعدل حينها، تكون نسبة البطالة قد ارتفعت أكثر من نقطة مئوية عن الفترة التي أعلن فيها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، «رؤية 2030» في نيسان عام 2016، والتي في سلّم أولوياتها خفض معدلات البطالة في المملكة.

وعلى الرغم من اتباع نظام «السعودة» في الوظائف، عبر توطين المهن وإعطاء الأولوية للمواطنين على الوافدين، فإن هذا النهج لم يؤثر إلا على فقدان الشركات السعودية للعنصر الأجنبي المؤثر، من دون أيّ انعكاس على حل مشكلة البطالة.
وفي السياق، تشير وكالة «رويترز»، نقلاً عن كبيرة الاقتصاديين في «بنك أبو ظبي التجاري» مونيكا مالك، إلى أن البيانات تظهر أن الاقتصاد السعودي لا يوفر وظائف كافية للملتحقين الجدد بسوق العمل، إذ إن توفير الوظائف سيكون التحدي الأساسي لبرنامج الإصلاح لابن سلمان، ما يشي بأن المعضلة الأساسية لا تكمن في «السعودة» من عدمها، بل في السياسات الاقتصادية التي من ضمنها استغلال الحركة المالية داخل المملكة في حساباتٍ ومصالح سياسية خاصة بالمجموعة الحاكمة.
بالإضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة، فإن العجز في الميزانية السعودية وصل مع نهاية عام 2017 إلى أكثر من 60 مليار دولار.
وفيما كانت السلطات تسحب عشرات المليارات من الاحتياطات المالية، وتقوم بتأجيل مشاريع حكومية وتؤخر مستحقاتها للشركات الخاصة، وتمارس أعلى درجات التقشف الاقتصادي داخلياً، فإن جميع هذه الإجراءات الهادفة إلى السيطرة على عجز الميزانية لم تؤثر على سير الصفقات التي أبرمتها مع الولايات المتحدة خلال زيارة ترامب، والتي بلغت قيمتها 400 مليار دولار، مضيفةً إليها صفقات جديدة خلال الزيارة الأخيرة لولي العهد محمد بن سلمان، طاولت شركات أميركية حكومية وخاصة، ليدفع المواطن اقتصادياً واجتماعياً ثمن الدعم الأميركي للملك سلمان وولي عهده.

ابن سلمان يشارك في جريمة ضرب اقتصاد بلده عبر توجّهين


العلاقة القائمة على المال مقابل الدعمين السياسي والعسكري ليست بجديدة، بل هي في الأصل أساس استمرار الحكم السعودي. لكن ما هو مستجد الوقاحة الأميركية ــ السعودية في إظهار تلك العلاقة. بات من الواضح أن «رؤية 2030» التي أطلقها ابن سلمان في عام 2016 لم تكن إلا قنبلة دخانية لإخفاء المعركة السياسية والأمنية التي سيخوضها ولي ولي العهد حينها لتثبيت حكمه وفتح الطريق أمام وصول آمنٍ إلى كرسي العرش.
ترامب كان قد وصف السعودية خلال مناظرة له، أواخر عام 2015، بـ«البقرة الحلوب»، التي تدرّ ذهباً ودولارات بحسب الطلب الأميركي، قائلاً: «إن ما يقدمه آل سعود إلى أميركا من مال حتى لو كان نصف ثروة البلاد لا قيمة له ولا أهمية بالنسبة لما تقدمه أميركا لهم من حمايةٍ ورعاية»، فاتحاً بذلك المزاد الذي رسا على محمد بن سلمان ولياً للعهد.
إذاً، ما قاله ترامب لابن سلمان خلال لقائهما الأخير بأن المملكة ثرية جداً، و«ستعطينا» جزءاً من هذه الثروة، ليس بالأمر المفاجئ. ابن سلمان أقرّ خلال لقائه ترامب بأن العلاقات بين البلدين، لا سيما بعد زيارة ترامب للرياض، وفّرت حوالى 4 ملايين وظيفة في الولايات المتحدة، وكذلك في السعودية، إن بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن الأرقام تظهر غير ذلك. فبالتوازي مع ارتفاع نسبة البطالة في نهاية عام 2017، سجلت نسبة السعوديين الباحثين عن عمل أعلى نسبة لها في الفئة العمرية 25 ــ 29 سنة، وذلك بنسبة بلغت 34.2%، نصفهم يحملون الشهادة الجامعية، حيث بلغت نسبتهم 50.5%، وذلك وفق تقرير صادر عن هيئة الإحصاء الحكومية.
ويذكر أنه مع وصول الملك سلمان إلى الحكم في يناير/ كانون الثاني 2015، سجّلت نسبة البطالة بانتهاء العام الأول لحكمه 11.6%، لترتفع بعد ذلك إلى 12.3% مع نهاية عام 2016، وتقفز إلى 12.8% مع نهاية عام 2017. ارتفاعٌ لا يتماشى مع «رؤية 2030» التي تهدف، وفق ابن سلمان، إلى خفض معدل البطالة إلى 7% بحلول 2030.
البطالة في السعودية في ازدياد، لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة المترتبة على ذهاب ابن سلمان باتجاه حل مشاكل الاقتصاد الأميركي، قافزاً فوق الصعوبات التي تواجه الاقتصاد السعودي. المشكلة الأكبر تكمن في ضخ مئات المليارات من الدولارات في العجلة الاقتصادية الأميركية، في الوقت الذي يغادر النقد المملكة بمعدل متسارع جداً بسبب المصاعب التي يواجهها اقتصاد البلاد، وفق تقارير اقتصادية غربية، فما يقرب من 64 مليار دولار من رأس المال الأساسي غادر السعودية في عام 2017 بناءً على بيانات الربع الثالث، أي في الفترة التي بدأ فيها ابن سلمان حملة الاعتقالات تحت ذريعة الفساد، والتي طالت رجال أعمال وأمراء.
تلك الأرقام تكشف أن ابن سلمان يشارك في جريمة ضرب الاقتصاد عبر توجهين: الأول، ضخ السيولة المالية بعيداً عن السوق السعودي، والتغطية على ذلك بمشاريع وهمية لم تخرج من إطار الدعاية فقط كـ«نيوم» مثلاً. والثاني، الدفع باتجاه هروب رجال الأعمال برساميلهم خوفاً من سطوة ولي العهد على أموالهم، كما حصل في حملة الاعتقالات التي أدت إلى ارتفاع نسبة مخاوف المستثمرين السعوديين من الاستثمار في المملكة.
في ظلّ سياسية ابن سلمان الاقتصادية، يظهر المواطن كأقل المستفيدين من خيرات بلاده، إذ إن الأولوية هي للمواطن الأميركي، وسوق العمل في الولايات المتحدة، لتصبح الخزينة السعودية والاحتياط المالي حساباً بنكياً موضوعاً باسم دونالد ترامب، يستثمره في تلميع صورته داخل بلاده، وكلما اختنق بالتحقيقات حول حملته الانتخابية، نادى لابن سلمان قائلاً له: «افتح يا سمسم... وظائف، وظائف»!