ريف اللاذقية | رغم تردد صدى الأغنية الشهيرة في شوارع مدينة اللاذقية وقراها، فإن «نصر كسب» لم يُحسم بعد. المطلب الشعبي بحسم المعارك لا يبدو محققاً خلال وقت قريب، إذ كُلّما غابت أخبار البلدة السياحية الحدودية في أقصى الشمال، تعود إلى الواجهة سريعاً مع أخبار غير سارة بالنسبة إلى الجيش السوري ومؤيديه. انسحاب جديد للجيش، فجر أمس، منع إحراز تقدم على محور «برج السيرياتل»، المشرف مباشرة على بلدة كسب. القوات المنسحبة انكفأت جنوباً باتجاه «القمة 1013». عشرات الجرحى حُملوا إلى الخطوط الخلفية، وسط مشهد يبيّن بوضوح العقبات الصعبة للوصول إلى كسب.


من على قمة سلدرين، في الشمال الغربي، يبدو مسرح العمليات واضحاً. القمة التي سيطر عليها الجيش أخيراً، والمطلّة على معظم قمم وسهول المنطقة وصولاً إلى البحر، تقع جنوبي غربي كسب. بين دشم الجيش ومتاريسه تبدو الغيوم شريكة في المعارك، وتبدو مباني كسب أقرب ممّا هي عليه في الحقيقة! يتذمّر أحد ضباط المدفعية من الأيام الغائمة، إذ تحجب الغيوم الرؤية وتمنع سلاح الجو من المشاركة في المعركة. «لا دقة في الرمي وسط الأجواء الغائمة»، يقول الضابط بأسف. سيارة زرقاء على طرف البرج تقطع حديث الضابط. وما إن تلوح أجزاء منها بين الأشجار، حتى تتناثر شظاياها خلال ثوان قليلة، بفعل مدفعية الجيش. كُلّ ما يمكن أن يُرى بالعين المجردة تراه أعين الراصدين المشرفين على المدفعية السورية أوضح بكثير.
لكن الأخبار الواردة من خطوط المعارك الأمامية تشي بسوء الطالع، وربما سوء التخطيط والتقدير، حيث باءت بالفشل جميع محاولات التقدم شمال «النقطة 1013» باتجاه «برج السيرياتل». «لقد سيطرنا على برج السيرياتل، ثم خسرناه»، يقول أحد الجنود بأسى. ومن الملاحظ أن لا سيطرة على البلدة الشهيرة من دون التمركز حول البرج الاستراتيجي. تحيط بيوت عدة ببرج الاتصالات في مركز القمة، فيما تظهر على بعد مئات الأمتار طرق ترابية فتحها المسلحون لتسهيل تحرك آلياتهم.


لا سيطرة على
كسب من دون التمركز حول برج «سيرياتل»

وفي حين تحافظ الاشتباكات على وتيرة العنف القائمة في محيط قمتي جبل النسر والحمرا، يتمسك مسلحو المعارضة بالقتال لتثبيت سيطرتهم على القمتين الهامتين. وتعتبر تحصيناتهم في قرية النبعين (جنوبي كسب) الأكثر مناعة في وجه قوة الجيش النارية. وبالاتجاه جنوبي شرقي كسب، فإن قمة الـ45 تشرف على أقسى محاور القتال وأشرسها. القمة التي استماتت قوات الجيش للحفاظ عليها، نجحت أخيراً في تحصينها بالعديد من الدشم والكمائن المتقدمة، تطل على قمم مستوية ذات علوّ منخفض، وتحمل بدورها أسماءً على شكل أرقام عشوائية. يقول أحد الجنود: «يبدو أن هذه الأرقام لا تجلب الحظ. قمة 724 خرجت عن سيطرتنا مجدداً». يشير الشاب بيده إلى القمة، في حين تقابلها إلى الشمال الغربي «النقطة 53». «من المسيطر على القمة الأخيرة؟»، يجيب الجندي بشكل بديهي: المسلحون. يتنهّد وهو يتأمل القمم التي حفظ أرقامها عن ظهر قلب، فيما تحولت من مرتفعات خضراء إلى أسطح جرداء، بسبب تعرضها لكثافة الرمي الناري. أما «الجبل الأقرع» فهو يكشف جميع القمم والمرتفعات، كما لو كان سيد المكان الرقيب. وتتوارد المعلومات عن قيام غرفة عمليات تستهدف الجيش السوري على أطرافه الواقعة ضمن الحدود السورية.
تتعقد أزمة معارك ريف اللاذقية الشمالي، بحسب أحد العسكريين في المنطقة، بسبب تداخل القمم في ما بينها في سلسلة متتالية، ووصول المسلحين إلى إحداها يعني بالضرورة تعرّض الأُخرى للخطر. أمر يمكن ملاحظته نظرياً على طول أراضي المنطقة، إذ تنتهي الجروف الصخرية لكل مرتفع مع أحراج كثيفة لمرتفع آخر، ما يجعل تقسيم القطاعات العسكرية أشد صعوبة، بحسب العسكريين.
إذاً يلوح فشل السيطرة على «برج السيرياتل»، أمس، كتهديد حقيقي لبقية النقاط التي يسيطر عليها الجيش. ولمحاولات دفع المسؤولية وكثرة الشكاوى من صعوبة التعاون والتنسيق بين القوى المقاتلة، تحت راية الجيش السوري، دورها في عدم القدرة على حسم المعارك القائمة، بعد مرور أكثر من شهرين على اجتياح كسب من قبل مسلحي المعارضة.