لا يبدو مفاجئاً اعتذار وليّ عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، عن عدم حضور الاحتفال المشؤوم بتوقيع ما يوصف بأنه «اتفاق سلام» بين أبوظبي وتل أبيب (والمنامة وفق ما أعلن أمس)، مرتقبٌ إمضاؤه منتصف الشهر الجاري في البيت الأبيض. وعلى عكس السياسة الهجومية التي يتّبعها ابن زايد على المستويين الداخلي والخارجي، فهو يبدو متحفّظاً في البروز الإعلامي، ومواجهة الكاميرات والصحافيين. قد تجد تصريحات لرجل الإمارات الأول، أغلبها ليس جديداً، لكنها عادة ما تكون في اتجاه واحد: ابن زايد مرسِلاً، والجمهور، أيّاً يكن مستواه، مسؤولين أو طلبة، مستقبِلين سلبيين. ويقول الخبراء إن أسوأ أنواع الاتصال تلك التي تفتقر إلى الأخذ والردّ.

مؤخراً، حين أراد ابن زايد مخاطبة الفلسطينيين، الذين يمثّلون ثقلاً عددياً ونوعياً في أبو ظبي (أكثر ممّا هم في الإمارات الستّ الأخرى التي تشكّل مع أبو ظبي الدولة السباعية الاتحادية)، لم يُلقِ الكلمة بنفسه، مع أنها لم تُتلَ في لقاء مباشر، بل عبر دائرة تلفزيونية، وقرأها نيابة عنه شقيقُه الأصغر منه بنحو عشر سنوات، عبد الله بن زايد. الأخير خاطب الفلسطينيين وكأنه يفهم قضيّتهم أكثر منهم، مُنظّراً عليهم بأن اتفاق بلاده مع الدولة التي مسحت فلسطين من الخارطة يمثّل فائدة عظيمة للمشردّين والمحتلّة أرضهم. لكن الكلمة، من منظار الفلسطينيين، تحمل تهديداً مبطناً، ودعوة قاسية إلى أن يلتزم الفلسطينيون الصمت، وأن لا يحذوا حذو السلطة الفلسطينية التي وصفت الإجراء الإماراتي بـ»الخيانة، والطعنة في القلب».
لم يُعطَ الفلسطينيون في الإمارات حق الردّ. ولا شك في أن قليلاً منهم قد ينساق وراء البروباغندا الإماراتية، خصوصاً منهم الموالين للمفصول من حركة «فتح» محمد دحلان، لكن التقديرات تشير إلى أن غالبية فلسطينية إمّا مؤيدة لـ»فتح» أو لـ»حماس»، وهي ترى أن التطبيع العربي المجاني مُضرّ بقضيّتها. بيد أن خشية المقيمين في الدولة الخليجية الغنية ليست من انتفاء حق الكلام والردّ، فهذا ممتنع على الإماراتيين أنفسهم الممنوعين من حرية التعبير تحت طائلة السجن، بل من تعرّض بعض العرب للطرد من الإمارات لأسباب تتعلّق بهويتهم العقائدية ورؤاهم السياسية المفترضة، وهو أمر سبق أن حصل للمئات من فلسطينيين ولبنانيين وجنسيات أخرى.
وإزاء شحّ البروز الإعلامي لمحمد بن زايد، سنجد في المقابل حوارات ليست كثيرة لأمير قطر تميم بن حمد، وأخرى لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وثالثة باتت أقلّ لنظيره البحريني سلمان بن حمد، مع جهات إعلامية غربية. بيد أن الرصد الموضوعي يخلص أيضاً إلى القول إن ملوك وأمراء وسلاطين الخليج المتوارثين نادرو الظهور في مقابلات تتضمّن أسئلة حقيقية، لكن هذا ينطبق أكثر على الزعيم الإماراتي النافذ، الذي يكاد يخلو سجل عمله من لقاء صحافي، منذ ما قبل تسيّده المشهد الإماراتي بعد وفاة والده في عام 2004، ومن ثمّ إصابة الرئيس الإماراتي، خليفة بن زايد، بجلطة أقعدته عن ممارسة عمله في 2014.

يصعب أن يكون غياب محمد بن زايد عن الاحتفالية ورقة سياسية


محمد بن زايد يتهيّب مقابلة الإعلام الغربي، خشية الوقوع في خطأ ما، أو حتى مواجهة أسئلة يراها محرّمة، وهو الذي لا يقبل رأياً آخر في الإمارات أو غيرها. وهو يستثمر المغني الشهير، حسين الجسمي، لتعزيز صورته قائداً مغواراً وحكيماً. وخلال الأشهر القليلة الماضية، أصدر أحد أشهر فناني الإمارات أغاني عديدة تُمجّد ولي عهد أبو ظبي، ومنها ،»بو خالد» و»سيد الطيب”، “وحامي الحمى»، ومطلعها “سر بنا بر وبحر أرض وسِما.. وين ما تامر عـلينا حاضرين”! وفي بعض الحالات، يبدو أن المنافس لقناة «الجزيرة» القطرية، في تعزيز مكانة الإمارات، ليس قناة «سكاي نيوز عربية» التابعة لأبو ظبي، بل الجسمي، بصوته الأخّاذ وكلماته المغالية في تعظيم رجل الإمارات الأول.
عدوى ابن زايد انتقلت إلى المسؤولين الخليجيين الآخرين. فلم يعد أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، يتحدّث إلا نادراً، على عكس ما كان يفعل سابقاً. كذلك، أقفل عادل الجبير فمه، حتى لا نكاد نرى اسم وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي. أما وزير خارجية البحرين، عبد اللطيف الزياني، فقد اتخذ مساراً مناقضاً لما كان يتّبعه سلفه خالد آل خليفة، الذي كان يغرّد في اليوم عدة مرات بعبارات قريبة إلى لغة الذباب الإلكتروني.
عبد الله بن زايد، الذي يشغل منصب وزير الخارجية، سيقوم بالتوقيع باسم الإمارات، إلى جانب رئيس وزراء الدولة العبرية بنيامين نتنياهو، على الاتفاقية، التي يراد منها تقديم خدمة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حملته الرئاسية المترنّحة، وتعزيز مكانة نتنياهو في أوساط الرأي العام الصهيوني ذي الغالبية اليمينية. كما يراد إظهار الإمارات على أنها الأقرب إلى واشنطن، ويمكن الاعتماد عليها لقيادة الدول العربية البائسة، في ظلّ انهيار لا يخفى للنظام الرسمي، فلا أحد يريد حمل الراية العربية، إن بقيت لهم من راية غير منكّسة، بعدما تقهقرت دول المركز جميعها من دون استثناء، وإلا فإن الراية العربية ستؤول إلى تركيا أو إيران، خصمَي المحور السعودي، الذي يفضّل التحالف مع الصهاينة، بدل التفاهم مع الدول الإقليمية القديمة الإسلامية المجاورة.
ويصعب أن يكون غياب محمد بن زايد عن الاحتفالية ورقة سياسية، ذلك أن الإمارات تمضي مغمضة العينين نحو تحالف استراتيجي مع إسرائيل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا